بدا مؤتمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الثامن، الذي أنهى أعماله، اليوم الأحد، في رام الله وكأنه يختصر مسيرة "أم الجماهير كلها"، كما يعبّر في السياق عن الواقع الفلسطيني الراهن، حزبياً ووطنياً. المؤتمر هو الثامن خلال 60 عاماً، علماً أن الحركة عقدت ثلاثة مؤتمرات في السنوات الست الأولى من تأسيسها، ثم تباعدت المسافات لتصبح الوتيرة 10 ثم 20 سنة. ورغم العودة إلى الوطن وتشكيل السلطة، فإن الوتيرة لم تنتظم مع تحسنها نسبياً عبر مؤتمر كل 10 سنوات.
وفي ما يخص هذا الثامن تحديداً، فقد بدا أقرب إلى المهرجان، وبلا برنامج جدّي أو مراجعة مسؤولة لسياسات فتح والمسار الوطني العام الذي تتحكم به الحركة، لاستخلاص العبر ووضع تصورات المستقبل بما في ذلك تسليم راية القيادة لجيل شاب جديد، وجاء التفافاً على الإصلاح الحقيقي لا تطبيقاً له. والأسوأ أنه بدا شبيهاً بالمؤتمر الأخير للحزب الوطني في مصر-2010- قبل ثورة كانون الثاني/ يناير 2011، لتشديد قبضة عائلة حسني مبارك ولجنة سياسات ولي العهد "جمال" على الحزب والبلد، ومثّل نهاية سريعة وسقوطاً مدوياً لفكرة التوريث والمرحلة كلها أو المراحل التي مرت بها المحروسة منذ انقلاب 1952، بينما تشهد الآن معاندة للتاريخ ومحاولة يائسة لعودة المرحلة التي طويت تماماً في 2011.
المفاوضات ثم المفاوضات
إذاً، بدا مؤتمر فتح الأخير تعبيراً عن مأساة "أم الجماهير والحركة الوطنية" برمّتها، كونه الثامن خلال 60 عاماً -مؤتمر كل سبع سنوات ونصف- ما يعني مباشرة غياب الديموقراطية والمؤسساتية عن حركة فتح المترهلة، والتي تفككت كما الحركة الوطنية بعد رحيل "عمود الخيمة" الزعيم المؤسس ياسر عرفات.
في عز نهضتها، عقدت الحركة ثلاثة مؤتمرات خلال السنوات الست الأولى من انطلاقتها في 1965 قبل التباعد بين المؤتمرات لتصبح كل 10 ثم 20 سنة، ورغم العودة إلى الوطن وتأسيس السلطة كنواة للدولة، لم تتغير الوتيرة، بل عقد أول مؤتمر (السادس) بالداخل في 2008 وجاء من أجل إضفاء الشرعية على الرئيس محمود عباس –تم التصويت له كرئيس للحركة وقوفاً وتصفيقاً- ونهجه السياسي: "المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات"، مع استئناف الفصل الأخير من عملية التسوية "مدريد –أوسلو" بوصول إدارة باراك أوباما إلى البيت الأبيض.
بعد 8 سنوات، وفي 2016 عقد المؤتمر السابع من أجل تشديد قبضة عباس ومساعديه على الحركة والسلطة إثر انشقاق محمد دحلان وتياره وقادة آخرين، في هروب يائس من حقيقة فشل نهجه وخياره السياسي، حيث تزامن المؤتمر السابع مع انهيار مسيرة مدريد-أوسلو وعملية التسوية برحيل إدارة باراك أوباما ووصول دونالد ترامب الأول إلى البيت الأبيض.
والآن، في ما يخص المؤتمر الثامن، فقد هدف أساساً إلى التوريث، وتكريس انتقال الزعامة -على حياة عين التسعيني عباس الاول- إلى نجله ياسر (64 سنة) والفريق المحيط بالرئيس، ويضمّ ولي العهد والسيد النائب حسين الشيخ ومدير المخابرات ماجد فرج.
بتفصيل أكثر، وحسب مصادر مطلعة، فقد اعترض محمود عباس على العدد الأول للمشاركين 4500 وقال إن هذا مؤتمر لا مهرجان، ثم جرى تخفيض الرقم إلى 2500 ما أبقاه في مربع المهرجان، شكلاً ومضموناً.
إلى ذلك كان استبعاد متعمّد لعشرات بل مئات المناضلين، وتمثيل خجول جداً للاجئين في لبنان وسوريا والشتات، وقد اتضح ذلك جلياً في اللجنة المركزية الجديدة التي خلت تماماً من ممثلين عنهم.
مهرجان خطابي
بالسياق، تختصر قصة المناضل الفتحاوي العتيق المقدسي أحمد غنيم المشهد برمّته حيث لم توجّه له الدعوة للمشاركة في المؤتمر، فاضطر إلى تقديم طلب استئناف لإعادة عضويته، ثم رفض الحضور احتجاجاً على غياب النزاهة والشفافية والتحضير المناسب للمؤتمر.
إلى ذلك، لم توجّه الدعوة إلى المفصولين تعسفياً الذين جرت رسمياً عودتهم إلى الحركة رغم، تعهد الرئيس محمود عباس علناً في القمة العربية بإجراء مصالحة داخلية، كما رفض ناصر القدوة، مثلما فعل غنيم، المشاركة اعتراضاً على غياب الشفافية والنزاهة والعدالة.
أكدت مجريات المؤتمر أنه مهرجان خطابي بامتياز، حيث شهد اليوم الأول كلمة افتتاحية مطوّلة للرئيس عباس -تقليد باهت لأبو عمار رغم الافتقاد إلى الكاريزما وحس الدعابة مثله– وكلمات أخرى للفصائل والضيوف.
أما اليوم الثاني أو نصفه فقط، فشهد موافقة آلية على تقارير المفوضيات والبيان الختامي قبل الدخول في معمعة الانتخابات، وبالتالي لم تجرَ مراجعة شاملة لمسيرة الحركة باعتبارها حزب السلطة ولا للمسيرة الوطنية بشكل عام، رغم النكبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة على حد سواء من إبادة و قتل وتهجير تجويع.
وحسب مصادر فتحاوية عديدة، فقد عقد المؤتمر من أجل إجراء الانتخابات فقط، والهدف إعطاء انطباع خادع لعملية إصلاح وهمية تماماً كما الانتخابات البلدية، والحديث عن انتخابات مماثلة للمجلس الوطني وتجاهل الرئاسة والتشريعي مع تلاعب في القانون الانتخابي، والإصرار على الاعتراف ليس فقط بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني -هي كذلك فعلاً- وإنما برنامجها السياسي، والاتفاقيات الموقعة في تناقض مع روح الديموقراطية ومؤسساتها.
مجريات الانتخابات
في مجريات الانتخابات، يمكن الحديث عن مستويين، الأول للمجلس الثوري 450 مرشحاً لـ 80 مقعداً.
حيث لم تتدخل القيادة بشكل كبير في تحديد المرشحين، وأعطت حرية نسبية، وهو أصلاً فاقد الصلاحيات ومهمش، إضافة إلى علاقة راسخة للتحالف الثلاثي ياسر عباس وحسين الشيخ وماجد فرج بعدد كبير من الأعضاء.
أما الانتخابات الأهم فكانت للجنة المركزية بصفتها أعلى مستوى قيادي للحركة. وحسب مصادر مطلعة، قام عباس الأول بوضع قائمة مضمونة من ثلثي أعضاء اللجنة وإتاحة المجال للتنافس على الثلث الباقي من دون قلق من وجودهم.
ضمّت قائمة الرئيس مروان البرغوثي -لإضفاء الشرعية على القائمة والعملية برمتها- وماجد فرج وحسين الشيخ وياسر عباس ومحمود العالول وليلي غنام ومحمد المدني ومحمد اشتية وأحمد أبو هولي وأحمد حلس، وعدم الصدام مع مرشحي الأسرى المحررين زكريا الزبيدي وتيسير البرديني وهم كتلة وازنة، خصوصاً مع وجود تيار رئيسي فيها بادر إلى التفاهم مع حسين الشيخ وماجد فرج وعباس الثاني، للحفاظ على حقوق الأسرى وقضيتهم على جدول الأعمال الحركي والوطني. مع عدم مواجهة أو إقصاء عدنان غيث وجبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي لثقلهم التنظيمي، ولإضفاء الشرعية على الانتخابات والتركيبة الجديدة، كما لم يجري تعمّد إسقاط عباس زكي وعزام الأحمد بل تركهم لمصيرهم.
حسب المصادر، رفض محمود عباس تخصيص كوتة معينة لغزة، وكانت النتيجة فوز 4 فقط من أصل 18 وغاب ممثلو سوريا ولبنان والشتات نهائياً، كما رفض تخصيص كوتة للنساء بالمركزية وفازت دلال سلامة إضافة لليلى غنام، رغم تمثيلهم بثلث عضوية المؤتمر.
وبالعموم جاءت النتائج وفق الأجندة الموضوعة، تكريس هيمنة الثلاثي عباس الابن وماجد فرج وحسين الشيخ على الحركة مع مساعدين وموظفين تحت عباءة الرئيس التسعيني ومروان الغائب -الحاضر على رأس اللجنة للشرعية، وعدم خشية من الطيراوي والرجوب والاستفادة منهم لترويج مزاعم الديموقراطية والتعددية بالحركة.
في الأخير بدا المؤتمر تعبيراً عن الأزمة لا جزء من الحل، فتحاوياً ووطنياً، حيث لم يكن الوضع سيئاً كما هو اليوم. بينما قال عباس زكي في حديث خاص إن التركيبة لن تصمد وستنهار حتماً أمام التحديات والأجندات المثقلة حركياً ووطنياً ما يذكرنا بما جري بمصر قبل 16 عاماً حيث لا اتعاظ للأسف من سقوط مشاريع التوريث في المحروسة والعالم العربي.




