فتح التغيير الحكومي المحدود الذي جرى قبل أيامٍ في سوريا، باب التكهنات حول ما إذا كانت إقالة وزير الإعلام حمزة المصطفى، قد أتت استجابةً متأخرة لمطالبةِ عددٍ كبير، ممن يعرفون بالمؤثرين، بإقالته على خلفية اتهامه عدداً منهم بأنهم مصدر خطاب الكراهية الذي يعم البلاد.
ولكن، حتى لو لم يكن هذا هو السبب، إلا أنه لا يمكن نكران مدى تأثر الحكومة والدولة بخطاب المؤثرين، وهي التي استقبل رئيسها، في قصر الشعب، العشرات منهم ولمرات عدة، ثم نظمت لمئات منهم مؤتمراً كبيراً في حلب. وتؤكد هذه الوقائع أنها تعول على هؤلاء في تشكيل الرأي العام السوري، وهو الأمر الذي يعطي انطباعاً أنها تعتمد عليهم في استقراء الوقائع، وبالتالي وضع السياسات واتخاذ القرار، وإن كان ليس ثمة ما ينفي ذلك.
يدفعنا إلى الكلام عن افتراض سبب إقالة الوزير المصطفى، توجيهُ عددٍ من المؤثرين خطاب شكر للرئيس أحمد الشرع على استجابته لمطالبهم بإقالته. لكن مهما تكن أسبابُ الإقالة من وجهة نظر الحكومة السورية، والدوافعُ التي أملتها الظروف، فلا يمكن الجزم بأنها جاءت استجابةً لطلبهم. إلا أن هذا لا ينفي الدور المهم الذي بات لهؤلاء، والحظوة التي يتمتعون بها عند الدولة.
وكان الوزير المصطفى قد قال خلال إحدى حلقات النقاش المفتوحة، على هامش حفل إطلاق "مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الاعلام في سوريا" الذي أقيم، في 15 شباط/ فبراير الماضي: "إن 60% من خطاب الكراهية الذي يصب في سوريا يصدر من سوريين يعيشون في سياقات ديمقراطية". فلم يعجب هذا الكلام عددٌ كبيرٌ من المؤثرين، الذين بدا أنهم رأوا أنفسهم المقصودين به، لكونهم من أبرز صناع محتوى خطاب الكراهية والتحريض الطائفي. لذلك اجتمع عدد منهم على الفور، في شريطٍ مصور، ظهروا فيه بالتتالي وهم يتلون رسالة إلى الرئيس الشرع يطالبونه فيها بإقالة الوزير.
اهتمام منذ سقوط الأسد
وكان لافتاً اهتمام السلطة بدور المؤثرين من الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام بشار الأسد، عبر استقبال الرئيس أحمد الشرع عدداً منهم في قصر الشعب، ثم تشكيل وزارة الإعلام في حكومة محمد البشير، مكتباً حكومياً لإدارة صناع المحتوى. ثم عودة الشرع لاستقبال عدد منهم مرة أخرى، وكذلك استقبال محافظي دمشق وحلب واللاذقية لعدد آخر، وصولاً إلى تكليل هذا النشاط بتنظيم مؤتمر المؤثرين، "سكريبت"، والذي عقد في حلب، في 1 أيلول/ سبتمبر الماضي، بحضور 400 مؤثر وصانع محتوى وبلوغر وتيكتوكر وغيرهم. وقد لاقت كل تلك اللقاءات انتقادات واسعة، بسبب كون صناعة المحتوى أصبحت مصطلحاً يضم الناشطين السياسيين والمدونين لتفاصيل حياتهم اليومية الخاصة ومروجي السلع الاستهلاكية مثل الماكياج والملابس، والعاملين في مجال الترفيه، وكلهم قد جمعهم مؤتمر سكريبت، الذي يبدو أنه اتخذ من عدد متابعي كل فرد منهم مقياساً يؤهله لحضور المؤتمر.
كما لاقت تلك اللقاءات وذلك الاهتمام، انتقادات بسبب جدواها، في ظل الشك في قدرة المؤثرين على تقديم قيمة مضافة لسوريا، بينما كان الأجدى لقاء الأكاديميين والصحافيين والباحثين العاملين في مراكز دراسات استراتيجية واقتصادية والكتاب والمثقفين والقانونيين، لقدرتهم على دراسة الواقع عبر ورش جماعية تدرس الواقع على الأرض، وتقدم الاقتراحات العلمية، بناءً على الحاجات الآنية والمستقبلية، وتضع الخطط الاقتصادية للبلاد. وهو عمل أكثر جدوى من لجوء الدولة للمؤثرين من أجل التأثير على الجمهور، في وقت ليس معروفاً ما إذا كانت الحكومة ستبقى في منأىً عن التأثر بالمؤثرين في وضع السياسات وتنفيذ الخطط، وهي التي جاء عدد من أفرادها من بيئات عمل قريبة من هؤلاء، وربما تجمهم علاقات صداقة بهم.
سلاح ذو حدّين
لذلك وفي هذا السياق، يعد استخدام المؤثرين، ومن في حكمهم، سلاحاً ذو حدين؛ فإذا أرادت الحكومة من وراء اللجوء إليهم نشر أفكارها وتكوين رأي عام يؤيد سلوكها، فلا يكون الأمر عبر هؤلاء، على الرغم من نجاعته في مطارح ولدى بعض الفئات. فالتأييد الذي يمكن أن تناله من خلالهم، لا يتكرس ويستمر عبر طريقة الترويج للأفكار وتلميع الصورة، بل عبر الإنجازات التي يحتاج الشعب أن يلمسها بيده وتنعكس إيجابياً على حياته. خصوصاً أن هذا الشعب أصبحت لديه القناعة، أنه استطاع خلع سلطة الأسد لأنها لم تحقق رغباته.
من جهة أخرى، لا يجد كل هؤلاء المؤثرين القبول لدى جميع فئات المجتمع، ولدى بعض الفئات العمرية، إذ إنَّ سلوك بعضهم وخطابه يؤدي إلى نفور بعض الفئات منهم، علاوة على فقدان الثقة بهم وبما يروجونه. وهذا النفور سينطبق على الرسالة التي يحاولون إيصالها، التي هي رسالة الحكومة، فينقلب الأمر إلى عكسه، وهذا ما يُدخل الشك بالرسائل المحمولة عبر المحتوى المنشور.
التأييد في العالم الافتراضي
يتكون الانطباع أن الدولة في سوريا، وعبر الاتجاه للاعتماد على المؤثرين في نشر أفكارها وتلميع صورتها والحصول على التأييد، هي دولة تعتمد القياس الخوارزمي، إن صح التعبير. أي إنها تنظر إلى انتشار أفكارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي واتساع التأييد لها في العالم الافتراضي، فتقتنع بأن الأمر صار حقيقياً على أرض الواقع، لذلك تصيغ سياساتها على هذا الأساس. وسينبري المؤثرون سريعاً لترويج تلك السياسات، وما تتخذه من خطوات على أرض الواقع.
وإذا ما افترضنا أن عدداً كبيراً من المتفاعلين مع هؤلاء، عبر التعليق أو الضغط على زر الاعجاب، هم أناس يعيشون خارج البلاد، ونسبة أخرى هم ذباب إلكتروني مدفوع الأجر، يكون جهد الحكومة قد ذهب سدىً. أما من هم داخل البلاد، ممن ينتظرون قطف ثمار تضحياتهم لإسقاط النظام، هؤلاء الذين تجبرهم أحوالهم المعيشية الصعبة على العمل ساعات طويلة، أو أولئك الذين صرفوا من أعمالهم، أو الذين وقعت بحقهم، أو بحق مجموعات ينتمون إليها، انتهاكاتٌ جسيمة، هؤلاء هم من يجب أن تُؤخذ آراؤهم بالحسبان.
في الهوة الواقعة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، يقبع أناس كثيرون لا يهتمون بشكل الحكومة ولباس رئيسها وأفكاره وتاريخه، همهم الخروج من واقعهم، ومجيء من ينتشلهم من فقرهم وأمراضهم، ويرسل أبناءهم إلى المدارس والجامعات المجانية، ويؤمن لهم فرص العمل حين يتخرجون. كما يقبع فيها أناس لا يمتلكون هواتف ذكية، فلا علم لهم بالمعارك والحروب الأهلية التي تخاض على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا بمن انتصر فيها بإحرازه عدد المتفاعلين الأكبر. كما لا طموح لديهم في امتلاك تلك الهواتف، فهم يقرؤون التعافي في البلاد، عبر سعر ربطة الخبز وضوء المصباح وكيلو السكر الذي لا حلاوة لأيامهم سوى في حبّاته.




