سلة شفعاء.. أم قسمة غرماء؟!

Image-1778959711.Jpg
منظومة "سكاي غارد - آمون" المصرية للدفاع الجوي (إنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

صديقي، أستاذ اقتصاد كبير، عاد بالدكتوراه قبل سنوات من إحدى كبريات الجامعات الأميركية، عميق المعرفة، خفيف الظل، يتمتع بروح دعابة تعكس خلفيته الحضرمية الموغلة في القدم. 

لاحظت وقد كان مكتبه قريباً من مكتبي، أنه يضع على شاشة الكومبيوتر عنده، (screen saver)  صورة لأحد غلاة الدعاة المسلمين، تتبدل كل بضع دقائق مع صورة للبابا يوحنا بولس الثاني، ثم بعد دقائق أخرى تظهر صورة للحاخام اليهودي عوفاديا يوسف. سألته مداعباً: "يا لك من عبقري ..إيش جمع الشامي ع المغربي؟!.. ما هذه التوليفة المتناقضة الرائعة؟!"

جذب نفساً عميقاً من سيجارته، ثم تطلع الى وجهي قائلاً: "إيش نسوي يا بو معتز، موش ممكن ساعة هالله هالله، حد فيهم يكون أقرب الى الحق والحقيقة؟!"

ضحكت، معلقاً بلغة أهل الاقتصاد والمالية التي يجيدها جيداً: "يعني أنت تؤمن نفسك في الآخرة بـِ "سلة شفعاء؟!" على غرار ما تفعل بعض الاقتصادات بتأمين ماليتها عبر "سلة عملات"؟!

ضحك صاحبنا الحضرمي حتى كاد يسقط عن كرسيه، وصار تعبير "سلة شفعاء"  لغة خاصة بيننا نستدعيها في بعض المواقف كلما استدعى الأمر.

 

دراما الحرب على إيران

تذكرت هذا الموقف قبل أيام وأنا أتابع دراما الحرب على إيران.. خليجي يفتش لآخرته -ولو على سبيل الدعابة-عن سلة شفعاء، وخليج تحمله المخاوف الأمنية الى طلب النجاة بتنويع سلال الحماية. 

أميركا هي أكبر مكونات الحماية في سلة الأمان التي شكلها أهل الخليج على مدى أكثر من سبعين عاماً، استراح الخليج خلالها لمعادلة الأمان الأميركية التي دعمتها حرب تحرير الكويت في العام 1991، بعد أن مزق عراق صدام حسين عهود الأمان مع الكويت، التي ابتلعها في الثاني من آب 1990، ثم قاد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب تحالفاً دولياً استعاد الكويت من المجهول. حتى بات الخليج لعقود طويلة يتحرك وفق تصور أمني يعتبر أن الولايات المتحدة هي الضامن النهائي لأمن الإقليم واستقراره، ولازلت أذكر كيف أن إحدى المجلات العربية قد حمل غلافها آنذاك صورة للرئيس الأميركي جورج بوش الأب ومعها عنوان الغلاف باللون الأحمر: (اذا عندك بوش نام في الحوش) أي نام وانفخ بطنك مادمت تحت الحماية الأميركية!! غير أن هذا التصور راح يتآكل تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد العرب يجدون الأمان في الحوش ولو حضر ألف بوش!.

 

من يحمي ماذا؟

استهداف إيران لجميع القواعد الأميركية في دول الخليج، أعاد طرح السؤال في الخليج: من  يحمي ماذا؟! وزاد الطين بلّة، مشهد سحب بطارية دفاع جوي أميركية من دولة خليجية هي الأكثر استهدافاً بصواريخ ايران ومسيراتها، لإعادة نشرها في بئر سبع في إسرائيل!

 تفضيل القرار الأميركي لحماية اسرائيل ولو على حساب دول خليجية، دفعت للتو أرقاماً تريليونية لاسترضاء الرئيس ترامب، وجه طعنة نجلاء في سويداء قلب نظرية الأمن الخليجي. وعاد سؤال الأمن يلح مجدداً، ومعه إجابات بعضها مبتسر وبعضها عاجز. 

اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وباكستان حاول أن يسد ثغرة أمنية، ذات عمق نووي، لم يتحدث عنه الطرفان، لكنهما تركا لوسائل الاعلام مسافة تسمح بالتلميح والتصريح، حسب مقتضى الحال. 

عملية استدعاء مصر بقواتها الى هوامش الخطر وبعض متونه في الخليج، خرجت الى العلن تحت إلحاح إعلامي عربي، أصر من دشنوه على اتهام القاهرة بالتقاعس عن دورها في حماية شقيقاتها الخليجيات!

وبينما لاذت القاهرة الرسمية بالصمت الجميل، فاجأت أبو ظبي الجميع بالإعلان عن وجود عسكري مصري، على أراضيها ببطاريات دفاع جوي من نظام "آمون" المصري، وبمقاتلات "رافال" مصرية، وبأطقمها من عناصر الجيش المصري، ثم تبين للجميع بعد ذلك أن الانتشار العسكري المصري شمل أربعة دول خليجية بينها السعودية والإمارات.

قال لي دبلوماسي متقاعد، وكان بين من اتهموا القاهرة بفقدان المصداقية، والتقاعس عن حماية الأشقاء: "عاجبك كده؟!..قواتك في الإمارات تقاتل إيران الى جانب قوات إسرائيل!"

قلت: "بل إن آمون المصري ذهب الى الإمارات ليمنع القبة الحديدية الاسرائيلية من الاستفراد بمسرح العمليات في أبو ظبي، وأن من شأن الحضور العسكري المصري، أن يوقف نزيف الهيبة العربية، وأن يسجل حضوراً عربياً على طاولة التسويات عندما تنتقل الازمة من غرفة الانعاش الى غرفة الخرائط. فهناك سوف نبحث بحق عن سلة شفعاء تجنبنا الخضوع لاحقاً لقسمة غرماء". 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث