كيف تلتف طهران على الحصار وتبيع نفطها؟

علي دربجالجمعة 2026/05/15
Image-1776782431
إيران تستمر في محاولات بيع نفطها عبر البحث عن طرق جديدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كما هو متوقّع، نجحت إيران مجدداً باختراق الحصار البحري الأميركي على موانئها، الهادف إلى خنقها اقتصادياً وتجفيف مواردها المالية من خلال منعها من تصدير نفطها، لإجبارها على فتح مضيق هرمز المغلق منذ مطلع آذار/ مارس الماضي.

فخبرة طهران الطويلة في الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة تاريخياً عليها (وهي بالمئات) والتحايل عليها، ساعدتها هذه المرة أيضاً في إيجاد طرق ملتوية لبيع منتجاتها النفطية عبر أساطيل الظل التي تجوب البحار والمحيطات من مضيق هرمز إلى المرافئ الصينية.

 

عمليات النقل السري للنفط الإيراني

حتى الآن، تُصرّ الإدارة الأميركية على أنها تحظر جميع التحركات للسفن الإيرانية، وهو ما عبّرت عنه المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، التي قالت: "لقد دفع الحصار القوي الذي يفرضه الجيش الأميركي أكثر من 50 سفينة إلى تغيير مسارها أو العودة إلى الموانئ، وهذا ما ساهم في النجاح الساحق لعملية (الغضب الاقتصادي)".

لكن مهلاً، فالواقع يشي بخلاف ذلك. فعمليات النقل المستمرة للنفط الايراني، تسمح لطهران بالإبقاء على هذا الشريان المالي مفتوحاً، ولو بصورة مؤقتة، بينما تواصل الشحنات الموجودة أصلاً في البحر طريقها إلى الصين أو إلى أسواق أخرى.

أكثر من ذلك، يقول مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي إن "شحنة واحدة من النفط الإيراني قد تخضع أحياناً لعدة عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر قبل وصولها إلى وجهتها النهائية". والمثير أن السفن المشاركة في هذه العمليات، غالباً ما تمتلك معلومات تسجيل غامضة أو تبحر تحت أعلام مزيفة.

ليس هذا فحسب، إذ أشارت شركة Windward (المتخصصة في تحليل حركة السفن) إلى الانقسام الأوضح بين حركة العبور الظاهرة عبر المضيق وبين النشاطات السرية المتوسعة في مختلف أنحاء الخليج.

وتبعاً لذلك، لا تزال ممارسات الشحن الخادعة المرتبطة بإيران تمثل عنصراً أساسياً في المشهد التشغيلي البحري، إذ حدّدت شركة Windward عشر ناقلات خاضعة للعقوبات الأميركية ومرتبطة بتجارة النفط الإيراني، تقوم بتزييف مواقعها لتبدو وكأنها راسية قبالة البصرة في العراق.

وتسمح هذه الحيلة القديمة المستخدمة للالتفاف على العقوبات للسفن ببث إشارات AIS  (نظام التعريف الآلي للسفن) وبيانات رحلات مزيفة تشير إلى وجهات عراقية، بينما تكون في الواقع نحو الموانئ الإيرانية لتحميل النفط الخام الخاضع للعقوبات.

 

من الجزر الإندونيسية إلى الأسواق الصينية

على بُعد آلاف الكيلومترات من مضيق هرمز، وحتى بعد بدء الحصار البحري على طهران، قامت ما لا يقل عن 13 ناقلة نفط بتفريغ النفط الإيراني عبر عمليات نقل سرية من سفينة إلى أخرى، تحديداً بالقرب من مجموعة جزر صغيرة في إندونيسيا تُعرف باسم أرخبيل رياو، وفقاً لتحليل قامت به صحيفة الواشنطن بوست لصور الأقمار الصناعية، فضلاً عن بيانات مواقع تتبّع السفن.

وتعقيباً على ذلك، يوضح العديد من الخبراء والمراقبين الغربيين أن تلك الأساليب تُعد جزءاً من ترتيب خلفي مكّن طهران لسنوات من مواصلة بيع النفط رغم العقوبات الدولية القاسية.

الجدير بالذكر أن الصين تشتري أكثر من 90 بالمئة من النفط الخام الإيراني، بأسعار منخفضة نسبياً، تتيح لطهران جني عائدات مالية تشكّل ما يقارب نصف موازنة الحكومة الإيرانية، والكلام على ذمة الحكومة الأميركية.

 

كميات النفط الإيرانية المُهرّبة

في الواقع، كشفت صور الأقمار الصناعية التي وفرتها منصة تتبّع الملاحة البحرية TankerTrackers ، انه في 16 نيسان/ أبريل، جرى رصد ثلاث ناقلات تقوم بتحميل النفط في محطة التصدير بجزيرة خرج الإيرانية، بإجمالي بلغ 5 ملايين برميل.

وبالمثل، أظهرت الصور ست ناقلات محمّلة بالنفط كانت تبحر تحت العلم الإيراني وهي تقترب بمحاذاة ست ناقلات فارغة. كما التُقطت صور لسبع ناقلات إضافية محمّلة — بدت وكأنها تبحر تحت أعلام مزيفة أو بإدارة غير معلنة، بحسب لقاعدة بيانات الشحن Equasis   ــــ إلى جانب سفن فارغة أخرى.

ووفقاً لشركة TankerTrackers، قامت السفن الثلاث عشرة بتفريغ ما يُقدَّر بنحو 22 مليون برميل من النفط الخام الإيراني، وهي كمية قد تتجاوز قيمتها ملياري دولار استناداً للأسعاد الحالية في الأسواق. وخلصت الشركة إلى أن عمليات نقل النفط قد جرت بالفعل، إذ أصبحت الناقلات المحمّلة فارغة، فيما تحولت الناقلات الفارغة إلى محمّلة بالنفط.

ضع في اعتبارك أن أرخبيل رياو الإندونيسي — الواقع على الطريق البحري بين الشرق الأوسط والصين — يُعدّ محطة استُخدمت منذ فترة طويلة لإجراء عمليات نقل سرية للنفط الإيراني بين السفن بهدف إخفاء مصدره، والكلام هنا لشركة الاستخبارات البحرية Windward.

وللوصول إلى تلك المنطقة انطلاقاً من خليج عُمان، تعبر السفن عادة مضيق ملقا، وهو ممر مائي ضيق ومزدحم، يقع بين ماليزيا وإندونيسيا. وتُلزم السفن ببث مواقعها أثناء عبور المضيق، وهذا ما يوفّر لمحة نادرة — وإن كانت قصيرة — عن الناقلات التي تُبقي عادة أجهزة التتبّع الخاصة بها مغلقة.

 

وماذا عن الأرباح الإيرانية؟

في الحقيقة، يحيط الغموض بالتفاصيل المالية المرتبطة ببيع النفط الذي يُنقل من سفينة إلى أخرى، حتى إن التوقيت الدقيق الذي تتلقى فيه طهران المدفوعات يكون غامضاً في العادة، وفي بعض الأحيان يجري إخفاؤه عمداً.

وفي هذا السياق، يقول بيترس كاتيناس (الباحث في شؤون الطاقة لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث للدفاع والأمن في لندن) إنَّ بعض المشترين يبدون كأنهم يدفعون جزءاً من المبالغ مقدماً، بينما يقوم آخرون بتسوية المدفوعات بعد وصول الناقلة إلى المياه الإقليمية أو بعد دخولها إلى الميناء.

يبدو أن الأوضاع في منطقة الخليج، مرشّحة لمزيد من التعقيد مستقبلاً. فإيران ستستمر في محاولات بيع نفطها عبر البحث عن طرق جديدة لكسر القيود البحرية الأميركية، فيما ستواصل الولايات المتحدة تشديد قبضتها العسكرية على حركة السفن الإيرانية. وهذا بدوره يؤدي إلى تفاقم المخاوف من خروج الأمور عن السيطرة واشتعال شرارة الحرب مرة ثانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث