أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الخميس، تقريراً بعنوان "إعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة في سوريا في المرحلة الانتقالية: مسارات نحو استقرار مستدام"، تناولت فيه التحديات التي تواجه إعادة دمج الفصائل ضمن جيش وطني موحد، مؤكداً أن نجاح هذه العملية يُعد شرطاً أساسياً لأي تسوية سياسية.
معادلة متزامنة
ونقل التقرير عن مدير "الشبكة السورية" فضل عبد الغني، قوله إن إعادة دمج المقاتلين، وإصلاح قطاع الأمن لن ينجحا إلا ضمن معادلةٍ متزامنة هي، نزعِ السلاح والتسريحِ وإعادة الإدماج، وعدالة تُحاسب على الجرائم الجسيمة دون عفو شاملٍ مُفرّغ، واقتصاد يوفر بدائل عيش واقعية.
وأضاف أن الملكيةُ الوطنيةُ الشفافة، بمشاركة فعّالة للضحايا والنساء والشباب، هي الطريق لبناء قوات مهنية خاضعة لرقابة مدنية تخدم جميع السوريين وتُسهم في استقرار الإقليم.
ويتناول التقرير التحديات القانونية، والعملياتية، والسياسية، والإقليمية المرتبطة بعملية إعادة الإدماج، كما يعرض خارطة طريق وإطاراً عملياً لإدماج الفصائل بفعالية ضمن جيش وطني موحد، كما يؤكد أن نجاح هذه العملية يُعد شرطاً أساسياً لأي تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
التحديات الأساسية لإعادة الإدماج
ووفقاً للتقرير، تواجه عملية إعادة دمج الجماعات المسلحة في هيكل وطني عسكري موحّد جملة من التحديات القانونية والتنظيمية واللوجستية المتداخلة، والتي قد تُعيق نجاح عملية الانتقال السياسي، إذا لم تُعالَج بشكل جذري.
وأوضح أن أبرز التحديات هي:
1- العقبات القانونية والبنيوية
وتشمل هذه العقبات مخاوف المقاتلين السابقين من الملاحقة القانونية، ما قد يدفعهم إلى التمسك بسلاحهم والحفاظ على مناطق نفوذهم، إضافة إلى خطر توظيف القوانين المحلية لأغراض انتقامية أو سياسية، ما يكرّس العدالة الانتقائية ويهدد الاستقرار.
كما لفت التقرير إلى التفاوت الكبير في الهياكل القيادية بين الفصائل المسلحة، مما يُعقّد جهود التوحيد المؤسسي ويتطلب تحولات ثقافية وتنظيمية قد تُقابل بالرفض من قبل قادة ميدانيين اعتادوا على الاستقلالية، إضافة للتحديات التشغيلية واللوجستية الناجمة عن تنوّع مصادر التسليح وتفاوت مستويات التدريب بين الجماعات المختلفة.
3- التدخلات الخارجية
وقالت "الشبكة السورية" في تقريرها، إن الاستثمارات المكثفة من قوى إقليمية ودولية في الجماعات المسلحة السورية حوّلت كثير من هذه الفصائل إلى أدوات لأجندات خارجية، مما يصعّب محاولات إدماجها في هيكل وطني موحّد، موضحةً أن القوى الإقليمية تنظر إلى هذه الجماعات كامتدادات لنفوذها السياسي، ومن غير المرجّح أن تتنازل عن تأثيرها بسهولة.
4- الانقسامات الهوياتية والأيديولوجية
وأكد التقرير الانقسامات الطائفية والإثنية المتجذّرة، إلى جانب التباينات الأيديولوجية الحادّة، تمثل أحد أبرز التحديات في طريق إعادة الإدماج. إذ باتت الجماعات المسلحة تُجسّد هويات فرعية متنازعة، تعبّر عن رؤى متباينة لمستقبل الدولة، بما يشمل شكل الحكم، ودور الدين، والتحالفات الإقليمية.
5- أزمة الثقة
تُعد أزمة الثقة بين الفصائل المسلحة، وبينها وبين المجتمعات المحلية أو الجهات الحكومية، تحدياً أساسياً. فقد أدّت سنوات من الصراع الداخلي والاقتتال البيني وتقلّب الولاءات إلى ترسيخ انعدام الثقة، لا سيما في ظل تجارب سابقة لمحاولات توحيد انتهت بالفشل، وفق التقرير.
6- التحديات الاقتصادية
بحسب التقرير، تشهد البلاد نقصاً حاداً في الموارد المطلوبة لتنفيذ برامج شاملة للتسريح وإعادة التأهيل، كما يُفاقم المشهد غياب بدائل اقتصادية مجدية، حيث أصبح القتال مصدر الدخل الأساسي لآلاف الشباب الذين يفتقرون إلى المهارات المدنية القابلة للتوظيف. وحذّر التقرير من أنَّ تسريح هؤلاء دون توفير فرص عمل حقيقية قد يدفعهم نحو الجريمة أو العودة إلى صفوف الفصائل المسلحة.
إضافة إلى ذلك، تناول التقرير التحديات المرتبطة بالتكامل المجتمعي، كما قدم إطاراً عملياً لإعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة شمل التوصية بتطوير عملية متكاملة لانخراط فعلي للأطراف، بما في ذلك الجماعات المسلحة، في عملية الدمج.
إجراءات شفافة
وأكد التقرير ضرورة اعتماد إجراءات شفافة تضمن النزاهة والمساءلة في مراحل إعادة الإدماج والإصلاح كافة، بما يشمل توفير آليات استئناف فعّالة تتيح الاعتراض العادل، وضمان الشفافية المالية والإدارية عبر نشر الميزانيات، وتفعيل الرقابة المستقلة، وإصدار تقارير دورية حول الإنفاق العام.
كما أكد على ضرورة معالجة الانتهاكات السابقة من خلال مقاربة متعددة الأبعاد تراعي الاعتبارات القانونية والاجتماعية، وتشمل المساءلة، والعفو المشروط، وبرامج للتعويض، ولوائح تنفيذية شفافة.
كما سلّط التقرير الضوء على ضرورة بناء هيكل أمني موحّد تدريجياً، يرتكز على عقيدة عسكرية مهنية قائمة على الانضباط والحياد، مع ضمان عدم احتكار مواقع القيادة من قبل أي مكون عرقي أو سياسي.




