أحدث سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في البيئة الجيوسياسية لبلاد الشام، وفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين سوريا والأردن على أسس مختلفة عن مرحلة الحرب السورية. لعبت غرفة العمليات العسكرية المشتركة "موك" دوراً مهماً في تشكيل الإدراك الأردني العميق لتعقيدات الجنوب السوري منذ السنوات الأولى للحرب، وهذا ما أتاح لعمّان بناء شبكة واسعة من المعلومات حول البنية العسكرية والعشائرية والأمنية في درعا والسويداء والقنيطرة. وتعامل الأردن مع الجنوب السوري باعتباره مصدر تهديد أمني مركّب يرتبط بالميليشيات المدعومة من إيران، واقتصاد الكبتاغون، وانهيار مؤسسات الدولة، وشبكات التهريب والسلاح.
إعادة دمج سوريا
جاء صعود الرئيس أحمد الشرع ليؤسس لمرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والأمني بين دمشق وعمّان، ويمكن قراءة زيارته إلى الأردن مطلع العام 2025 كبداية لشراكة تهدف إلى إعادة إدماج سوريا عربياً وإعادة بناء مؤسساتها واحتواء تداعيات مرحلة ما بعد الأسد. وتركزت المحادثات السورية الأردنية على ملفات الطاقة، وإعادة الإعمار، والتبادل التجاري، والتنسيق الأمني، وضبط الحدود، في ظل إرهاق الأردن طوال 14 عاماً من تداعيات الفوضى الحدودية ومحاولات النظام السابق تصدير أزماته الأمنية إلى دول الجوار.
برز ملف الكبتاغون باعتباره المحرك الأمني الأكثر إلحاحاً في العلاقة السورية الأردنية الجديدة، بعدما تحولت سوريا خلال سنوات الحرب إلى المركز الإقليمي الأبرز لإنتاج المادة، مع ارتباط شبكات التصنيع والتهريب ببنى عسكرية وميليشياوية مرتبطة بالنظام السابق وإيران. وقدّرت تقارير دولية حجم تجارة الكبتاغون السورية بين 5 و10 مليارات دولار سنوياً خلال ذروة توسعها بين 2021 و2023، فيما تحول الجنوب السوري إلى أحد أهم مسارات العبور نحو الأردن والخليج. وخلال تلك المرحلة، نفذت القوات الأردنية عشرات العمليات الأمنية والعسكرية، وأحبطت مئات محاولات التسلل والتهريب، إلى جانب تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي السورية منذ عام 2023 استهدفت مصانع ومخازن وشخصيات مرتبطة بالكبتاغون في درعا والسويداء. وبعد عام 2024، تبنى الأردن مقاربة أمنية أكثر هجومية قائمة على الضربات الاستباقية والمراقبة الجوية والتنسيق الاستخباراتي مع دمشق، وشهد الجنوب السوري عمليات استهدفت شبكات التهريب ومخازن الأسلحة ومراكز التصنيع، وصولاً إلى "عملية الردع الأردني" في أيار/ مايو 2026 التي طاولت مواقع في أم الرمان وعرمان وشهبا، وشكلت أكبر تصعيد جوي مباشر ضد بنية التهريب في الجنوب السوري، ضمن عقيدة تعتبر الكبتاغون تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني والخليجي.
وتطور التقارب عبر الشراكة الأمنية إلى مستوى إعادة بناء المؤسسات السورية نفسها، فقد شاركت الأجهزة الأردنية في تدريب أكثر من 300 عنصر من الشرطة والأمن السوري ضمن برامج متخصصة هدفت إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية السورية بعد انهيار الجهاز العسكري الضخم الذي أسسه نظام الأسد؛ ليحمل هذا المسار دلالة سياسية مهمة، هي أن الأردن يشارك فعلياً في هندسة نموذج الدولة السورية الجديدة، خصوصاً في الجنوب، وليس يدعم فقط سلطة أو حكومة انتقالية.
اقتصادياً، سعت عمّان إلى تحويل سوريا من ساحة تهديد إلى فضاء تكامل إقليمي؛ حيث برزت مشاريع الكهرباء والطاقة والربط اللوجستي ومساحات الاستيراد والتصدير باعتبارها أدوات لإعادة دمج سوريا اقتصادياً؛ كما عادت النقاشات حول الممرات التجارية، والنقل بالعبور ( ترانزيت) الممتدة من الخليج عبر الأردن وسوريا نحو تركيا والبحر المتوسط، وهو ما يمنح الأردن دوراً محورياً كبوابة عبور إقليمية كانت قد منعتها الحرب واغلاق حدود نصيب-جابر من الاستفادة من العمق البري نحو تركبا وأوروبا.
ظهر البعد المائي بوصفه ملفاً استراتيجياً جديداً؛ إذ يعاني البلدان من ندرة مائية حادة وضغوط مناخية متصاعدة، الأمر الذي دفعهما إلى فتح نقاشات حول إدارة الأحواض المشتركة والسدود والتنسيق الزراعي؛ خصوصاً في ظل التعديات الإسرائيلية على الأنهار والسدود جنوبي سوريا ولا سيما سد المنطرة وسد كودنة وسد رويحينة. وهنا تتحول مسألة المياه وروافد حوض اليرموك إلى مسألة سيادية ومسألة أمن قومي واستقرار مجتمعي ، أكثر من كونها مجرد جغرافيا وبيئة مائية حدودية.
معضلة استراتيجية
لكن هذه التحولات كلها جرت تحت مراقبة إسرائيلية شديدة الحساسية؛ فمنذ سقوط الأسد، تواجه إسرائيل معضلة استراتيجية معقدة؛ على اعتبار أنها استفادت من انهيار محور الأسد-إيران-حزب الله، لكنها تخشى في الوقت نفسه من عودة دولة سورية قادرة على إعادة بناء جيشها ومؤسساتها السيادية، ولهذا دمرت حوالي 80% من القدرة العسكرية للبلاد نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2024. وهذا ما يصرّح به المسؤولون الإسرائيليون عموماً؛ إذ يعبرون عن عدم ثقتهم بالإدارة الجديدة في دمشق لا سيما وأنها من خلفية إسلامية وتتمتع ببراغماتية عالية وقدرة على التماهي مع مصالحها في المنطقة بما يضمن إعادة إعمار شاملة في البلاد؛ وهو ما لا ترغب به تل ابيب.
هنا تحديداً بدأت الهواجس الإسرائيلية تجاه التقارب السوري الأردني؛ إذا ما قلنا إن عمّان أحد أهم الشركاء الأمنيين لإسرائيل وبينهما اتفاقية أمنية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت الراعي العربي الأبرز لإعادة استقرار سوريا. هذا التناقض وضع الأردن في موقع بالغ الحساسية بين دعم الدولة السورية ومنع التصعيد مع إسرائيل. يمكن فهم التعاطي الإسرائيلي مع هذا التقارب عبر عدة سيناريوهات استراتيجية متداخلة؛ تبدأ من سيناريو القبول المشروط، وهو الأكثر ترجيحاً بحيث تتسامح إسرائيل مع التعاون السوري الأردني طالما بقي ضمن حدود الاستقرار غير العسكري. أي بمعنى أن تل أبيب قد تقبل بإعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، وتدريب الشرطة، ومكافحة التهريب، وتتغاضى عن طلعات/ عمليات سلاح الجو الأردني فوق سوريا، لكنها تتحسس بشدة من أي مؤشرات على إعادة بناء القدرات العسكرية السورية وخاصة منظومات الدفاع الجوي وسلاح البحرية.
ملفات مقبولة نسبياً
وفق هذا المنطق، تميز إسرائيل بين استقرار الدولة وإعادة بناء الجيش؛ على اعتبار أن إعادة تشغيل الكهرباء، وتأهيل البنية التحتية، وضبط الحدود، ملفات مقبولة نسبياً، بينما يشكل ترميم أنظمة الدفاع الجوي، أو إعادة نشر قوات ثقيلة، أو بناء صناعات عسكرية سورية، خطوطاً حمراء محتملة. يعكس هذا السيناريو العقيدة الإسرائيلية التقليدية القائمة على تفضيل سوريا مستقرة، ولكن ضعيفة؛ أي دولة قادرة على منع الفوضى والجماعات المسلحة، لكنها عاجزة على التحول إلى قوة ردع إقليمية مستقبلاً.
من زاوية أخرى يمكن أن تنتقل إسرائيل من مرحلة القبول الحذر بالتقارب السوري الأردني إلى مرحلة أكثر تشدداً تقوم على ضبط حدود التعافي السوري ومنع تحوله إلى مسار يعيد إنتاج قوة الدولة السورية عسكرياً واستراتيجياً؛ إذ انه في اللحظة التي تبدأ فيها إعادة الإعمار بالتقاطع مع إعادة بناء البنية الدفاعية أو استعادة القدرات العسكرية السيادية، ستتعامل إسرائيل مع المشهد باعتباره تحولاً يمس توازن الردع الإقليمي على المدى البعيد و هو ما لا تسمح به إسرائيل، كونه سيستدعي الاستعانة بخبرات دولية مثل تركيا و روسيا و الخليج العربي.
من هنا، قد تلجأ إسرائيل إلى تكثيف الضربات الجوية ضد المنشآت العسكرية ومراكز التطوير والبحوث العلمية والبنى اللوجستية التي تعتبرها مرتبطة بإعادة بناء القدرات السيادية السورية، بالتوازي مع توسيع عمليات المراقبة الاستخباراتية والرقابة الجوية والإلكترونية على الجنوب السوري. كما يُتوقع تصاعد استخدام أدوات الحرب السيبرانية، وعمليات التعطيل التقني، والاختراقات الاستخباراتية التي تستهدف شبكات الاتصال والبنية العسكرية الناشئة.
في الوقت نفسه، قد يتحول المسار الدبلوماسي إلى أداة ضغط مركزية ضمن هذه الاستراتيجية، عبر تحفيز الدول الغربية على الإبقاء على القيود الاقتصادية والعقوبات المرتبطة بالقطاعات العسكرية والتكنولوجية السورية، وإبقاء العقوبات على شخصيات عسكرية مرتبطة بالإدارة الجديدة، ومنع تدفق الموارد أو التقنيات التي قد تساهم في إعادة بناء القدرات الدفاعية بعيدة المدى. ضمن هذه البيئة المعقدة، يكتسب الأردن دوراً بالغ الحساسية، إذ قد تتحول عمّان إلى قناة تواصل غير مباشرة تنقل الرسائل الأمنية والخطوط الحمراء بين دمشق وتل أبيب، بحكم موقعها كفاعل منخرط في إعادة الاستقرار السوري، وفي الوقت نفسه كشريك أمني لإسرائيل في إدارة التوازنات الحدودية. لذلك، يصبح الأردن جزءاً من عملية إدارة الاحتواء الإقليمي، عبر محاولة الموازنة بين دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية ومنع الانزلاق نحو تصعيد إقليمي واسع مرتبط بالمخاوف الإسرائيلية من التعافي العسكري السوري.
المنطقة العازلة
على مستوىً أعمق، تعكس النشاطات المرتبطة بالموقف الإسرائيلي وبالتحركات في جنوبي سوريا، من اقتحامات وتوغلات واعتقالات وقصف بنى تحتية والاستيلاء على موارد مائية، اتجاهاً متزايداً نحو تعميق نموذج المنطقة العازلة المرنة داخل الجنوب السوري، خصوصاً في محافظة السويداء والمناطق ذات الغالبية الدرزية، حيث تغذي نزعات انفصالية؛ لا سيما عبر زيارات متكررة لمسؤولين إسرائيليين إلى مناطق درزية في جبل الشيخ أيضاً. فعلياً، اكتسب هذا التوجه أهمية أكبر مع تصاعد المخاوف الإسرائيلية من الفراغ الأمني، وظهور جماعات مسلحة محلية ووجود خلايا نائمة في الجنوب مرتبطة بإيران، أو خلايا نائمة ذات أيديولوجيا سنية متطرفة أو عودة الجيش السوري تدريجياً إلى الجنوب. تدفع إسرائيل في هذا السياق نحو بناء عمق أمني مرن قائم على شبكات محلية وحسابات نفوذ غير مباشرة، يسمح بإدارة التوازنات الحدودية دون حاجة قوى إلى الانخراط في احتلال مباشر أو سيطرة رسمية على الأرض. ولهذا، اكتسب الخطاب الإسرائيلي حول حماية الدروز وظيفة أمنية واستراتيجية تتجاوز البعد الإنساني، وارتبط بمحاولة إنتاج بيئة جنوبية مفككة نسبياً وقابلة للاحتواء؛ وذلك عبر إحداث قلق في الجنوب السوري وتنفيذ ضربات على منشآت عسكرية ( إزرع واللواء 121 في كناكر) مع تنفيذ إنزالات كلما دعت الحاجة (تل المانع في الكسوة بريف دمشق). ويولّد هذا المسار توترات متزايدة مع دمشق التي تنظر إلى أي ترتيبات أمنية مستقلة في الجنوب باعتبارها تهديداً مباشراً لمشروع إعادة بناء الدولة واستعادة السيادة المركزية، كما يثير مخاوف أردنية من أن يؤدي تفكك الجنوب إلى إعادة تنشيط اقتصاد التهريب والفوضى الحدودية.
ترى تل أبيب في الأردن شريكاً قادراً على تنظيم عملية الاستقرار في الجنوب السوري، وضبط الحدود، ومنع عودة النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة من أي طرف وهي القادرة على ضربها دون اثارة الراي العام العالمي، ولهذا تفضّل أن تمر إعادة بناء الجنوب السوري عبر البوابة الأردنية وتحت رقابة أمنية وسياسية دقيقة. وفي الوقت نفسه، تحاول إسرائيل الاستفادة من مرحلة إعادة الإعمار لتطوير قنوات تأثير داخل البيئة السورية الجديدة، سواء عبر الجنوب، أو عبر العلاقات الاقتصادية، أو من خلال التفاهمات الأمنية غير المعلنة، او حتى عبر الوجود الديني لا سيما في دمشق القديمة عبر احياء نموذج قوة ناعمة عبر اليهود السوريين، بهدف تشكيل سوريا أكثر انشغالاً بالاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية. تدفع إسرائيل نحو ترتيبات أمنية خاصة في الجنوب السوري تمنح الفاعلين المحليين دوراً أكبر وتحدّ من انتشار الجيش السوري قرب الجولان، ما يجعل السويداء ودرعا والقنيطرة مساحة أمنية حساسة ذات طابع شبه عازل. كما تراقب بحذر أي مشروع عربي لإعادة دمج سوريا إقليمياً، خشية أن تستعيد دمشق وزنها الاستراتيجي والعسكري في المشرق. وفي المقابل، تبدي بعض الدوائر الإسرائيلية استعداداً للتعامل مع الدولة السورية الجديدة طالما بقيت أولوياتها داخلية وتنموية، مع استمرار الضمانات المتعلقة بإبعاد إيران وضبط الحدود ومنع بناء قدرات عسكرية استراتيجية واسعة.




