لا تصل طائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين محملة بوفد بروتوكولي، بل بوزن الإمبراطورية الاقتصادية الأميركية، رؤساء شركات التكنولوجيا، والمال، والطيران، وأشباه الموصلات، وسلاسل الإمداد. في الساعات الـ 72 الممتدة بين 13 و15 أيار/ مايو 2026، لا تبدو القمة الأميركية الصينية مجرد لقاء بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ، بل اختباراً مباشراً لسؤال أكبر، هل تستطيع واشنطن أن تفتح أبواب الصين بقوة شركاتها العملاقة، أم أن بكين ستذكّر الجميع بأن السوق، في زمن الصراع على التكنولوجيا والسيادة، لم تعد مساحة تجارية بل ساحة من ساحات النفوذ؟
مطالب أميركية
رسالة الرئيس ترامب واضحة، يريد من الرئيس شي جينبينغ أن يفتح أسواق الصين أمام الشركات الأميركية. عندها، لا تعود الدبلوماسية الأميركية مجرد مفاوضات حول الرسوم الجمركية أو لغة البيانات الختامية، بل تصبح وساطة مباشرة بين البيت الأبيض وبكين لمصلحة الشركات الأميركية الكبرى. فكل شركة أميركية تحمل ملفاً محدداً، إنفيديا تريد منفذاً أوسع لشرائح الذكاء الاصطناعي، بوينغ تبحث عن عقود ومبيعات، شركات الدفع والمال تطمح إلى حضور أعمق في السوق الصينية، أما أبل وتسلا فتحتاجان إلى استقرار سلاسل التوريد والتصنيع.
لذلك، لا يمكن قراءة القمة كحدث سياسي بروتوكولي. إنها اختبار لقدرة الإمبراطورية الأميركية على استخدام ثقلها السياسي لحماية مصالح شركاتها، في لحظة باتت فيها التكنولوجيا جزءاً من الأمن القومي. رئيس إنفيديا جنسن هوانغ انضم إلى الوفد في اللحظة الأخيرة، أثناء توقف طائرة الرئاسة الأميركية للتزود بالوقود في ألاسكا، قبل مواصلة الرحلة إلى بكين. وذلك في إشارة واضحة إلى أن أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي سيكونان في قلب المحادثات، انضمام هوانغ تحديداً ليس تفصيلاً عابراً، فهو يرمز إلى أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على العجز التجاري، بل على الذكاء الاصطناعي، والرقائق المتقدمة، ومن يملك حق الوصول إلى السوق الصينية.
الصين بين فتح السوق وحماية السيادة
لكن بكين لا تتعامل مع السوق بوصفها مساحة اقتصادية. الصين رحبت بزيارة الرئيس ترامب، لكنها وضعتها في إطار الاحترام والمساواة والمنفعة المتبادلة، وهي مفردات تعني أن الرئيس شي لن يقبل أن يظهر بصورة الزعيم الذي يستجيب لضغط أميركي علني. الإعلان الرسمي الصيني قال إن الزيارة تأتي بدعوة من الرئيس شي وتمتد من 13 إلى 15 أيار/ مايو، لكن اللغة الصينية بقيت حذرة، مركزة على إدارة العلاقات لا على تقديم تنازلات مجانية.
هنا تكمن رهان الساعات الـ 72. الرئيس ترامب يحتاج إلى إنجاز يمكن تسويقه داخلياً، صفقات، تراخيص، أو إشارات إلى أن سياسة الضغط تؤتي ثمارها. أما الرئيس شي فيحتاج إلى العكس تقريباً، إظهار الصين كقوة ندية لا تفتح أسواقها بضغط الوفود ولا بإلحاح الشركات. وبين الصورتين، تتحرك ملفات شائكة، التجارة، تايوان، الذكاء الاصطناعي، المعادن النادرة، والانعكاسات الإقليمية للحرب على إيران.
ما لا تعلنه بكين قد يكون أهم مما تعلنه
نتائج القمة لن تقاس بعدد الصور ولا بحجم الوفد، بل بما سيصدر فعلاً عن بكين. إذا أعلنت الصين تسهيلات ملموسة أو صفقات كبيرة، سيقدم الرئيس ترامب الأمر كاختراق يثبت أن الشركات الأميركية، حين تصعد على متن الطائرة الرئاسية، تستطيع تغيير قواعد اللعبة. أما إذا اكتفت بكين بلغة عامة عن التعاون وإدارة الخلافات، فسيكون الصمت رسالة بحد ذاته، الشركات العملاقة لا تكفي وحدها لإعادة صياغة العلاقة بين القوتين.
الخلاصة أنَّ "72 ساعة في بكين" ليست مجرد عد تنازلي لاتجاه مؤشرات الأسواق، بل اختبار لمرحلة كاملة من النظام الدولي. فالشركات الأميركية تستطيع أن تطلب، والبيت الأبيض يستطيع أن يضغط، لكن الصين لم تعد سوقاً تنتظر أن تفتح من الخارج، إنها قوة تعتبر الاقتصاد امتداداً للسيادة والأمن والنفوذ. في هذه القمة، لا يتفاوض الرئيس ترامب مع الرئيس شي وحده، يتفاوض مع حدود القوة الأميركية نفسها، حين تكتشف الشركات العملاقة أنَّ الأسواق لا تفتح دائماً بحجم الرساميل، بل بميزان السياسة والسيادة والأمن القومي.




