إسرائيل: تتويج "خطة الحسم" بإلغاء اتفاقيات أوسلو

حلمي موسىالخميس 2026/05/14
الرئيس الإسرائيلي ونتنياهو (Getty).Jpg
عرض إلغاء اتفاقيات أوسلو جزء من الصراع الداخلي الإسرائيلي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في حمى الصراع الذي يسبق حل الكنيست وإجراء انتخابات مبكرة، تتزايد محاولات تمرير مشاريع قوانين يعتقد أصحابها أنها تضمن حسم المعركة الانتخابية أو حسم الخلاف السياسي والأيديولوجي بين معسكري الصراع الداخلي. وإذا كانت مساعي الحريديم لتمرير قانون تجنيد يعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية تدفع نحو حل الكنيست إذا فشل نتنياهو في تمرير هذا القانون، فإن مساعي إلغاء اتفاقيات أوسلو هي ما يسعى اليمين المتطرف لإقراره قبل الانتخابات. وتستند مساعي إلغاء اتفاقيات أوسلو إلى معطيات كثيرة أهمها ما أفلحت حكومة اليمين في إنجازه على الأرض، من تبديد لهذه الاتفاقيات وإفراغ لمضامينها واستحقاقاتها حتى الآن.

وإذا كانت اتفاقيات أوسلو قد أفرغت من مضمونها في قطاع غزة منذ ما قبل انتفاضة الأقصى في العام 2000، فإنها في الضفة الغربية اتخذت أشكالاً متدرجة، بدأت باجتياح المدن ثم بقضم صلاحيات السلطة في المنطقتين "أ" و"ب". وتجاوز الأمر كل المعايير في ظل حكومة نتنياهو الأخيرة حيث وصلت الأمور حد محاولة تدمير السلطة بمقاطعتها مالياً، ومنع تمرير أموال المقاصة لها، وإحداث أشد أزمة اقتصادية في الأراضي الفلسطينية. ولا يمكن تجاهل غايات قرار فتح تسجيل الطابو أمام الإسرائيليين خلافاً للقانون الفلسطيني والأردني. 

 

إضعاف السلطة

كما أن العنف الوحشي الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية تخطى محاولات السيطرة، بدعم رسمي، على ما يعرف بالمنطقة "ج" إلى السيطرة ليس فقط على مساحات واسعة من المنطقة "ب"، وإنما أيضاً على مساحات من المنطقة "أ". وإذا كان لذلك من معنى، فهو مواصلة الضغط لإضعاف السلطة الفلسطينية بل ومحاولة تدميرها وفق تطلعات العديد من قادة اليمين، سواء في الليكود أو في الصهيونية الدينية. وإذا كانت الخطة في الماضي تقوم على أساس إنشاء مستوطنات أو بؤر استيطانية، فإنها صارت في ظل سيطرة بتسلئيل سموتريتش على صلاحيات وزارة الدفاع في الأراضي المحتلة، تكثر من إنشاء ما بات يعرف بـِ "المزارع" والتي تنتشر في مئات المواقع. وتهدف هذه المزارع إلى تقليص تواجد الفلسطينيين في أراض زراعية أو رعوية تمهيداً لتوسيع الاستيطان لاحقاً فيها. 

وقد اعترف قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، الجنرال آفي بلوط، وفق صحيفة "هآرتس" أن "هناك من يعتقدون أن الوقت قد حان لمعركة يأجوج وماجوج، وأن الوقت قد حان لاحتلال المناطق أ". وأشار إلى أن هؤلاء يرون أنفسهم "أبطال داوود" ويؤمنون أنهم من يردعون الفلسطينيين وليس الجيش الإسرائيلي. وأضاف أن "هؤلاء الأشخاص لا يعتبرون العرب بشر، ويعتقدون أنه يمكن إحراق الناس وإحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صبح مساء. لقد قرروا أنهم "يمحون عار أوسلو". 

 

خطة الحسم

وكما هو واضح، فإن كل ما سبق لم يكن محض صدفة وإنما جزءاً من مخططات موضوعة سلفاً بل ومنشورة. إذ هناك ما يعرف بـ"خطة الحسم" التي نشرت في العام 2017. وكان زعيم الصهيونية الدينية، وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، قد نشر خطته كبديل لمفهوم "إدارة الصراع" الذي تبنته حكومات إسرائيل المتعاقبة بهدف واضح، حسم الصراع من خلال إرساء وقائع على الأرض تحول بشكل تام دون قيام دولة فلسطينية. وتضمنت الخطة مبادئ أساسية أبرزها رفض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أرضه، ووأد حل الدولتين، وتكثيف الاستيطان بما يضمن حشر الفلسطينيين في أضيق نطاق. ولا تكتفي الخطة بعناوين رئيسية، إنما تعمل فعلياً على تكريس فكرة أن أرض فلسطين كلها ملك لليهود، وأنه ليس هناك أي أمل بالاعتراف بأي حقوق للوطنية الفلسطينية، وبالتالي اليأس من احتمال إقامة دولة فلسطينية. كما أنها تسمح للفلسطينيين بالبقاء طالما أنهم يقبلون العيش تحت السيادة اليهودية مع بذل جهد لتشجيع هجرتهم إلى دول أخرى. 

وخلال عمله وزيراً للمالية ووزيراً في وزارة الدفاع مسئولاً عن الإدارة المدنية في الضفة، وبتشجيع من قيادات "ليكود"، عمد إلى إحداث تغييرات عملية مدنية وقانونية، بينها نقل صلاحيات الإدارة المدنية من الجيش إلى مؤسسات استيطانية. والإصرار على تفعيل القانون الإسرائيلي في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، وتشجيع الاستيطان، واستخدام العنف ضد القرى والبلدات الفلسطينية، والتغول على الفلسطينيين تحت ذرائع منع البناء غير القانوني أو الزراعة في أراضي الدولة وما شابه. وكان آخر هذه الإجراءات تعديل المراسيم حول تسجيل الأراضي والسماح لإسرائيليين بتسجيل أراضي بأسمائهم بقصد تعميق السيطرة. وكانت كل هذه الإجراءات تتم تحت مسميات مثل "الضم الزاحف" ولكنها وصلت مرحلة الحسم، بحيث لم تعد هناك حاجة للتلطي خلف ستائر تخفي السيادة الإسرائيلية. 

 

إلغاء اتفاقيات أوسلو

وفي هذا السياق عرض مشروع قانون عضو الكنيست من حزب إيتمار بن غفير العنصري، ليمور سون هار ميليخ، لإلغاء اتفاقيات أوسلو، للنقاش في اللجنة الوزارية للتشريع. ويهدف المشروع إلى إلغاء كل الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين وخصوصاً اتفاقيات أوسلو، واتفاقي الخليل وواي بلانتيشن، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل إبرام هذه الاتفاقيات الدولية. ويستند مشروع القانون إلى أن هذه الاتفاقيات أدت إلى سقوط "آلاف الضحايا"، وأضرت بأمن إسرائيل، و"خلقت واقعاً سمح للإرهاب الفلسطيني بالنمو والازدهار على مر السنين، حتى وقوع مأساة 7 أكتوبر". ويؤمن مقدمو مشروع القانون بأن اتفاقيات أوسلو "وجهت رسالة ضعف للعدو، وأن بوسعه المتاجرة بأرض إسرائيل". 

وبالرغم من أن هناك في اليمين المتطرف الذي يضم حزبي "الصهيونية الدينية" بزعامة بن غفير وسموتريتش وجزء من "ليكود" إجماع على أهمية إلغاء اتفاقيات أوسلو، إلا أن هناك اعتراضات وتحفظات من عدة جوانب. فهناك واقع أن هذه الاتفاقيات ذات طبيعة دولية وأنه إلى جانب اعتراف العالم بها، لا تزال تحظى بدعم الإدارة الأميركية وهي الحليف الأقوى لإسرائيل. وهناك واقع بقاء الفلسطينيين على أرضهم واستمرار مقاومتهم وإصرارهم على هويتهم وأرضهم ونيل حقوقهم وخصوصاً حقهم في تقرير المصير. ولذلك ورغم كل ما أفلح اليمين المتطرف في تكريسه على الأرض لا يزال بعيداً عن تجسيد إلغاء هذه الاتفاقيات.

ولهذا السبب طلب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تأجيل البت في مشروع قانون إلغاء اتفاقيات أوسلو في اللجنة الوزارية المختصة بالتشريع، ما يشكل أول عرقلة لهذه المبادرة. وطبيعي أن حجة نتنياهو هي أن الوقت غير مناسب لمناقشة هذا المشروع في ظل الحرب من جهة وفي ظل إعلان الرئيس الأميركي رفضه لمحاولات ضم الضفة الغربية خارج نطاق خطته الأصلية. ومن الوجهة الإدارية فإن طلب نتنياهو يعني أن مقدمي المشروع يعجزون حالياً عن نيل القبول الحكومي به، ما قد يدفعهم إلى محاولة عرضه كمشروع حزبي أو فردي على الكنيست. وهذا يفقد المشروع قيمته الجوهرية بوصفه تعبيراً عن موقف رسمي للحكومة التي هي البوابة الأولى لاعتماد أو رفض القوانين استناداً إلى قوتها الائتلافية ومكانتها في الكنيست. 

 

لعبة داخلية

وربما لهذه الأسباب يعتبر عرض مشروع إلغاء اتفاقيات أوسلو جزءاً من الصراع الداخلي السابق للانتخابات والرامي أساساً لإثبات من هي الجهات اليمينية الأشد ثباتاً على موقفها. ويعتبر حزب بن غفير "عوتسما يهوديت" الحزب الأكثر قبولاً على اليمين المتطرف وهو يريد أن يحسم صراعه مع قوى اليمين الأخرى مثل "الصهيونية الدينية" وحتى "ليكود" بكسب مزيد من الأصوات والمقاعد. وقد بات ملحوظاً، خصوصاً في ظل الحرب، مقدار التحولات في المجتمع الإسرائيلي والتي زادت الاستقطابات بين معسكري اليمين الرخو واليمين المتطرف. 

ومن الجائز أن عرض هذا المشروع في هذا الوقت، وفي ظل حمى الاستعداد لانتخابات مبكرة، يظهر الفارق بين من كانوا على مر السنين يخلقون واقعاً يدفن اتفاقيات أوسلو عملياً وبين من يريدون كسب الفضل الإعلامي من ذلك. فحكومة إسرائيل بزعامة نتنياهو تقوض السلطة الفلسطينية وتقضم بشكل تدريجي ومتواصل صلاحياتها، وتحاول طوال الوقت إظهارها عاجزة على طريق الإعلان عنها "سلطة عاجزة". فلا هدف للضم الزاحف وتوسيع البؤر الاستيطانية وتعميق السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل وحول المدن الفلسطينية سوى إظهار هذا العجز ضمن مخططات تيئيس الفلسطينيين من مستقبلهم. وضمن ذلك يأتي الإصرار الإسرائيلي المتواصل على الفصل بين الضفة والقطاع بما ينسف الأسس الأولية لوحدة الأرض الفلسطينية كمقدمة لوحدة الهوية. فاتفاقيات أوسلو التي صيغت لفترة انتقالية لا تزيد عن خمس سنوات فقدت باتت بعد أكثر من ثلاثة عقود وبشكل متزايد هيكلاً فارغاً من أي مضمون لا يبقيه واقفا سوى العجز عن إنشاء بديل له. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث