هرمز.. سلاح إيران الهجومي

ديما الحلوةالأربعاء 2026/05/13
Image-1776185904
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما تباين الهدف الحقيقي للحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. في البداية، جرى تسويق العملية العسكرية على أنها حرب لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ثم ارتفع سقف الخطاب نحو تغيير النظام. لكن مع الوقت، بدأ يتضح أن جوهر المعركة هو: من يسيطر على مضيق هرمز؟

بالنسبة إلى إيران، السيطرة على هرمز تعادل امتلاك قنبلة ذرية. فالمضيق يعطيها قدرة على خنق الاقتصاد العالمي متى شعرت طهران أن وجودها مهدد. أما الولايات المتحدة، فهي تريد انتزاع هذه الورقة من يد إيران عبر فرض سيطرة بحرية مشتركة تُنهي إغلاق طهران للمضيق، وتمنح الدول العربية المقابلة دوراً مباشراً في التحكم بحركة العبور.

المفارقة أن حرية الملاحة كانت موجودة أصلاً. فالسفن كانت تصل إلى موانئ الخليج، وحتى مشروع الهند ـ أوروبا كان قابلاً للحياة عبر موانئ الإمارات والبحر الأحمر. لكن واشنطن عجزت عن فرض أهدافها على طهران، بعد أن استخدمت إيران مضيق هرمز كسلاح لمنع اقتلاعها من خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. ومن هنا أصبحت الولايات المتحدة أمام خيار واحد: استئناف تحقيق أهدافها عسكرياً، لكن تحت غطاء قانوني ينقلها من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع. غير أن ذلك يمر أولاً عبر بكين.

 

الأهداف الأميركية التي لم تتحقق

واشنطن لم تكن تريد فقط ضرب البرنامج النووي الإيراني. الهدف كان أوسع ويتعلق بأمن إسرائيل وإعادة تشكيل المنطقة. كانت هناك ثلاثة أهداف أساسية: تدمير البرنامج النووي، ضرب منظومة الصواريخ بعيدة المدى وفك الارتباط العقائدي والعسكري بين إيران وأذرعها.

لكن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق. فالبرنامج النووي لم ينتهِ، والصواريخ الإيرانية ما زالت قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي، ومحور إيران الإقليمي لم يتفكك، خصوصاً بعد نجاة مجتبى خامنئي. والأهم أن الصين وروسيا دخلتا بثقل واضح لمنع سقوط إيران، الحليف الشرق أوسطي الأهم لهما، وهو ما جعل كلفة استكمال الحرب مرتفعة جداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

هنا تحديداً أغلقت إيران مضيق هرمز، في إعلان واضح بأن طهران انتقلت من الدفاع إلى استخدام موقعها الجغرافي كسلاح استراتيجي. فإيران تعرف أن العالم قد يتحمل حرباً في الشرق الأوسط، لكنه لن يتحمل شللاً طويلاً في حركة الطاقة والتجارة العالمية. وهذا ما اتضح بعد إعلان رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيليين حجم الضرر الاقتصادي الذي أصاب إسرائيل جراء إغلاق المضيق.

 

من الحرب العسكرية إلى الحرب القانونية

إعلان الولايات المتحدة انتهاء عملية "الغضب الملحمي" وبدء "مشروع الحرية" كان انتقالاً واضحاً من موقع الهجوم إلى الدفاع. وعليه، انتقلت أميركا والأوروبيون إلى تحويل قضية هرمز من صراع عسكري إلى ملف قانوني دولي.

الغرب يعمل على تقديم إيران باعتبارها دولة تهدد حرية الملاحة العالمية، ما يفتح الباب أمام ضغوط أممية قد تصل إلى استخدام الفصل السابع أو تشكيل تحالفات بحرية أوسع بهدف حماية التجارة الدولية. وهذا ما تحاول أوروبا تنفيذه عبر إرسال حاملات طائرات فرنسية وبريطانية. وهنا يصبح التدخل العسكري وكأنه تنفيذ لشرعية دولية، وليس مجرد حرب أميركية إسرائيلية.

في المقابل، تتحضر إيران لمعركة قانونية مضادة. فطهران تعتبر أن الوجود العسكري الأميركي المكثف قرب مياهها الإقليمية يشكل تهديداً مباشراً لأمنها البحري، وقد تلجأ إلى اتفاقية قانون البحار لعام 1982 ومعاهدة جمايكا لتبرير إجراءاتها في هرمز باعتبارها دفاعاً عن أمنها القومي في مواجهة الحشود العسكرية الأجنبية. بمعنى آخر، كل طرف سيحاول استخدام القانون الدولي لتغطية صراع القوة الحقيقي.

 

الصين تراقب وتستفيد

وسط كل ذلك، تبدو الصين المستفيد الأكبر من المشهد. فبكين تراقب عن كثب كل خطأ أميركي، ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما أيضاً في طريقة إدارة الحروب نفسها. الصين تتابع كيف تخطط واشنطن عملياتها، وكيف تستخدم الصواريخ، وكيف تجمع المعلومات الاستخباراتية، وكيف تدير الاستنزاف الطويل. بالنسبة إلى بكين، هذه الحرب هي اختبار مباشر لشكل النظام العالمي المقبل.

ولهذا تبدو زيارة ترامب إلى الصين محاولة لفتح صفقة كبرى. فواشنطن تدرك أن استكمال الضغط على إيران يحتاج أولاً إلى فك ارتباط بكين بها، أو على الأقل دفع الصين إلى تخفيف دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري. ومن هنا يأتي الحديث عن اصطحاب ترامب كبار التنفيذيين من قطاعات التمويل والتكنولوجيا والطيران والزراعة، في محاولة لتقديم إغراءات اقتصادية ضخمة للصين مقابل تغيير سلوكها تجاه إيران.

لكن المشكلة أن الصين تنظر إلى إيران كجزء من توازن دولي أوسع. فإضعاف إيران يعني عملياً إضعاف أحد أهم شركاء الشرق في مواجهة الهيمنة الأميركية. كما تدرك بكين أن نجاح واشنطن في إسقاط إيران أو تحجيمها سيمنح الولايات المتحدة نفوذاً منفرداً في المنطقة ويعيد تطويق الصين اقتصادياً واستراتيجياً. لذلك يبدو مستبعداً أن تمنح بكين واشنطن ما تريده بسهولة، حتى لو حصلت على مكاسب اقتصادية كبيرة.

لهذا تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة انتقال خطيرة: من حرب الأهداف المحدودة إلى حرب كسر الإرادات. فواشنطن تريد انتزاع "القنبلة الجغرافية" من يد إيران، وإيران ترى أن التراجع في هرمز يعني بداية خنقها استراتيجياً. وعندما تفشل الصفقات، وتتعطل القوانين الدولية، وتتعقد الحسابات بين القوى الكبرى، لا يبقى في النهاية سوى الميدان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث