التعديلات الوزارية في سوريا.. إعادة ترتيب السلطة؟

خاص - المدنالأربعاء 2026/05/13
Image-1778598210
الشرع يحاول "إعادة ترتيب شكل السلطة ومراكز القرار داخل الدولة" (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثارت المراسيم الرئاسية التي أصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع، قبل أيام، موجة واسعة من التساؤلات السياسية والإدارية، بعد أن شملت تغييرات في الحكومة والإدارة المحلية وأمانة رئاسة الجمهورية، بالتزامن مع أنباء عن إصدار قرار بحلّ "الأمانة العامة للشؤون السياسية".

جاء ذلك في خطوة اعتبرها مراقبون أبعد من مجرد تعديل إداري محدود، وأقرب إلى عملية إعادة صياغة لمراكز النفوذ وآليات إدارة القرار داخل السلطة الجديدة في دمشق.

وبالرغم من أن التعديل اقتصر ظاهرياً على عدد محدود من المواقع، إلا أن توقيته وتركيبته والأسماء التي دخلت وغادرت المشهد دفعت كثيرين إلى ربطه بتحولات أعمق داخل بنية الحكم.

 

أمانة الرئاسة.. رسالة سياسية قبل أن تكون إدارية

أبرز ما لفت الانتباه في المراسيم الأخيرة كان تعيين محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، خلفاً لماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري، وهو تغيير اعتبره متابعون ذات دلالة سياسية واضحة، تتجاوز البعد الإداري التقليدي.

ويُنظر إلى منصب أمين عام الرئاسة بوصفه أحد أكثر المواقع تأثيراً في صناعة القرار، بالنظر إلى دوره في تنسيق الملفات بين الرئاسة والحكومة والمؤسسات التنفيذية. ولذلك، فإن اختيار شخصية ذات خلفية إدارية وتنموية مثل الأعمى، يعكس توجهاً نحو تعزيز البعد البيروقراطي والمؤسساتي داخل الرئاسة، بدلاً من الاعتماد على الدائرة الضيقة ذات الطابع الشخصي أو العائلي.

 

لماذا حُلّت "الهيئة السياسية"؟

قرار حلّ "الأمانة العامة للشؤون السياسية" فتح باباً واسعاً للنقاش، لا سيما أن الهيئة بقيت طوال الفترة الماضية جسماً غامضاً من حيث بنيته القانونية وآلية عمله وحدود صلاحياته.

وتقول أوساط سياسية إن الهيئة تعرضت لانتقادات متزايدة بسبب تدخلها المباشر في تفاصيل العمل المدني والسياسي، إضافة إلى غياب الوضوح حول مرجعيتها القانونية وطبيعة صلاحياتها، وهو ما دفع بعض دوائر القرار إلى إعادة تقييم دورها، تمهيداً لإنهاء تجربتها بصيغتها الحالية.

 

هل التعديلات مرتبطة بالكفاءة؟

واللافت في التعيينات الجديدة أن معظم الأسماء التي جرى اختيارها تنتمي إلى خلفيات تنفيذية وإدارية أكثر من انتمائها إلى العمل السياسي التقليدي، وهو ما فسّره البعض كمؤشر على تغليب معيار "الإدارة والخبرة التقنية" في المرحلة الحالية.

ففي وزارة الإعلام، تم تعيين خالد فواز زعرور، وهو أكاديمي متخصص بالإعلام الرقمي والتحول الإعلامي، سبق أن عمل في المجال الأكاديمي والبحثي، ما يعكس محاولة لإعادة هيكلة الخطاب الإعلامي الرسمي وتطوير أدواته.

أما في وزارة الزراعة، فجاء تعيين باسل حافظ السويدان، رئيس هيئة الكسب غير المشروع، الذي يمتلك خبرة إدارية وفنية في القطاع الزراعي، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات حادة تتعلق بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع البنية الريفية.

ويقول الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة سمير العبد الله، لـِ "المدن"، إن التعديلات التي جرت وتجري حالياً "تُعدّ ضرورة واستجابة للتحديات التي تواجه عمل الحكومة، وكان من المتوقع بل ومن المطلوب، أن يشهد المشهد تعديلاً وزارياً شاملاً، إلى جانب تغييرات على مستوى المحافظين والإدارات المحلية، لكنّ الإدارة السورية تبدو متريثة في اتخاذ خطوات بهذا الحجم، ربما نتيجة حسابات سياسية وإدارية خاصة بها".

وبالنسبة لما يُتداول حول الهيئة السياسية، يوضح العبد الله أن "جزءاً من التسريبات المتداولة يندرج ضمن محاولات الإدارة لجس نبض الشارع السوري وقياس ردود الفعل تجاه بعض القرارات المحتملة، وهو ما يفسر تسريب أسماء عدد من الشخصيات قبل أيام من صدور مراسيم تعيينهم رسمياً".

وتابع: "ربما يشكّل تغيير وزيري الزراعة والإعلام بداية لمسار أوسع من التعديلات، لكن من الصعب ربط الأمر فقط بمعيار الأداء أو الكفاءة، أما فيما يتعلق بوزير الإعلام، يمكن القول إن أداءه كان مقبولاً، بينما لم يكن أداء وزير الزراعة بالمستوى المطلوب، ومع ذلك، هناك وزراء آخرون يواجهون ملاحظات وانتقادات مشابهة".

وشدد على أن "المعيار الأهم في النهاية ليس حجم التعديلات بحد ذاته، بل مدى انعكاسها على أداء الوزارات والمؤسسات، وقدرتها على تحسين الواقع المعيشي والخدمي للمواطن السوري".

 

المحافظون الجدد.. الأمن والخدمات في الواجهة

وحملت التغييرات التي شملت المحافظين هي الأخرى، رسائل متعددة، خصوصاً مع اختيار شخصيات ذات خلفيات أمنية أو تنفيذية مرتبطة بإدارة الأزمات والاستقرار المحلي.

ففي حمص، جرى تعيين مرهف خالد النعسان، الذي سبق أن عمل في ملفات الأمن الداخلي والشرطة، بينما تولى زياد فواز العايش محافظة دير الزور، بعد مشاركته في ملفات التنسيق المدني واتفاقات الحكومة مع "قسد".

أما في اللاذقية، فقد جاء اختيار أحمد علي مصطفى، المرتبط بقطاع الموانئ والإدارة الخدمية، في محافظة تُعد من أكثر المناطق حساسية اقتصادياً وخدمياً، فيما تولى غسان إلياس السيد أحمد محافظة القنيطرة مستفيداً من خبرته السابقة في الإدارة المحلية والعمل القانوني.

 

كيف تُتخذ القرارات داخل دمشق؟

السؤال الأكثر تداولاً بعد هذه التغييرات كان يتعلق بآلية صناعة القرار داخل السلطة الجديدة: من يرشح الأسماء؟ ومن يضع التقييمات؟ وهل هناك مراكز نفوذ متعددة داخل الحكم؟

وبحسب متابعين للشأن السوري، فإن عملية التقييم خلال الأشهر الماضية اعتمدت على تقارير إدارية وأمنية متقاطعة، إضافة إلى مراجعات مرتبطة بالأداء الخدمي والسياسي ومدى قدرة المسؤولين على إدارة الملفات المحلية.

ويقول الكاتب والباحث السياسي ماهر التمران، لـ"المدن"، إن "ما جرى من تعديلات حكومية منذ أيام، لا تبدو مجرد خطوة إدارية عادية، بل هي أقرب ما يكون لمحاولة من الرئيس الشرع لإعادة ترتيب شكل السلطة ومراكز القرار داخل الدولة"، مضيفاً أن "دمشق لا تزال تعيش مرحلة انتقالية، ولذلك فإن أي تغيير في الحكومة أو في مواقع المحافظين والرئاسة يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز فكرة تبديل الأشخاص فقط".

ويرى أن اختيار الأسماء يتم غالباً ضمن دائرة ضيقة مرتبطة بالرئاسة، مع وجود تقييمات تُرفع بشكل دوري حول أداء الوزراء والمسؤولين، "لكن العامل السياسي يبقى حاضراً بقوة إلى جانب مسألة الكفاءة، فالحكومة الحالية تحاول بناء فريق أكثر انسجاماً مع توجه المرحلة الجديدة".

وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية، تبدو التعديلات الأخيرة أقرب إلى رسالة مفادها أن السلطة في دمشق دخلت مرحلة إعادة ترتيب داخلية، هدفها ضبط مراكز القرار، واحتواء الانتقادات المتصاعدة، وإعادة تقديم صورة أكثر مؤسساتية للحكم، حتى وإن بقيت الأسئلة الكبرى حول طبيعة النظام السياسي المقبل وآليات المشاركة والرقابة قائمة دون إجابات واضحة حتى الآن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث