إيران تدخل عصر "الظلام الرقمي": الاقتصاد في فخ الفقر

طهران - مجيد مراديالأربعاء 2026/05/13
طهران فضاء رقمي (Getty)
شهران على انقطاع الانترنت بإيران: انطفاء الفضاء الرقمي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مرّ أكثر من شهرين على الانقطاع الواسع للإنترنت في إيران. وخلال هذه الفترة انطفأ الفضاء الرقمي في البلاد فعلاً بالنسبة لغالبية المجتمع فيما اقتصر الوصول المستقر نسبياً إلى الشبكة على دائرة محدودة من أنصار النظام والمدافعين عنه وفئات من الاعلاميين إضافة إلى فئات تتمتع بإمكانيات وصول خاصة وغير مرخصة من امثال ستارلينك أو مضادات للفلتر. هذا الانقطاع خلّف تداعيات مدمّرة على الاقتصاد والأمن والمجتمع ومستقبل البلاد.

 

الاقتصاد في فخ الفقر

اقتصاد إيران اليوم كما هي الحال في كثير من دول العالم، أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإنترنت. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن اقتصاد نحو 90 في المئة من الإيرانيين يتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالانترنت من سائقي سيارات الأجرة عبر التطبيقات والعاملين المستقلين في مجالات المحتوى والبرمجة، وصولاً إلى شركات السياحة والمتاجر الإلكترونية والشركات الناشئة، وحتى كثير من الأعمال التقليدية التي تعتمد على الإنترنت في الشراء والبيع والتسويق والدفع والتواصل مع الزبائن.

في مثل هذه الظروف، قطع الإنترنت على نطاق واسع لا يعني سوى إيقاع شرائح واسعة من الناس فخ الفقر.

واللافت أنه في مواجهة هذه التكاليف الواضحة، يتحدث وزير الاتصالات الإيراني عن "فئة" من الأشخاص الذين يقولون إننا "لا نحتاج إلى الإنترنت"، من دون أن يكشف عن هويتهم. وهي فئة لا تتحمل أي مسؤولية عن تصريحاتها. في المقابل، تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن قدرة الناس على تحمل انقطاع الإنترنت أقل من قدرتهم على تحمل انقطاع الماء أو الكهرباء.

 

تعطّل التعليم والاتصال والحياة اليومية

خلال الشهرين الماضيين توقفت أو تعرضت للاختلال كثير من الدروس الجامعية والدورات التعليمية التي كانت تُعقد عبر المنصات الإلكترونية. 

كما تراجعت مداخيل كثير من المهن إلى مستويات تقترب من الصفر. فالأعمال المنزلية المرتبطة بإنستغرام وتلغرام، والمتاجر الإلكترونية، وصنّاع المحتوى والمدربون الرياضيون والتعليميون عبر الإنترنت، والمستشارون والأخصائيون النفسيون الذين يقدمون خدماتهم عبر الاتصال المرئي، جميعهم واجهوا تراجعاً حاداً في عدد الزبائن والدخل. وبعد نحو شهرين، فُتحت قنوات اتصال لفئات محددة ومؤسسات تمتلك بنى تحتية خاصة وخطوطاً آمنة، بينما بقيت غالبية المجتمع تحت قيود شديدة. هذا التفاوت في الوصول إلى الإنترنت يمثل تمييزاً بنيوياً في حق الوصول إلى المعلومات والتواصل.

حتى على المستوى العائلي، تبدو الصورة مؤلمة. فالعائلات التي يعيش أبناؤها في الخارج للدراسة أو العمل تواجه صعوبات في إجراء مكالمة فيديو بسيطة معهم. وهناك تقارير عن آباء وأمهات اضطروا إلى السفر إلى تركيا أو أرمينيا فقط لرؤية أبنائهم عبر اتصال مرئي؛ وهو عبء كبير لتلبية حاجة كان يمكن تحقيقها بسهولة عبر إنترنت مستقر ومفتوح.

وأحد أكبر الأضرار الناجمة عن قطع الإنترنت وتشديد الرقابة عليه أصاب شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة. فهذه الشركات التي تأسست على أساس اتصال مستقر بالإنترنت العالمي تتعرض، مع كل موجة قطع أو اضطراب، لخسارة جزء من رأس مالها المالي والبشري. وقد اضطر كثير من المبرمجين والمصممين والعاملين المستقلين ونشطاء الفضاء الرقمي إلى الهجرة إلى دول مثل تركيا وأرمينيا وجورجيا لمواصلة أعمالهم والحفاظ على اتصالهم بالشبكات العالمية.

 

هل يحقق قطع الإنترنت الأمن السيبراني؟

تقول المؤسسات الأمنية للنظام إن أحد مبررات قطع الإنترنت أو تقييده هو "الحفاظ على الأمن" ومنع "اختراق الأعداء". ويستند هذا الطرح إلى أن انفتاح الفضاء الرقمي يسهل عمليات الاختراق والتخريب. غير أن كثيراً من خبراء الأمن السيبراني يرون أن هذه السياسة لا تعزز الأمن، بل قد تزيد من مستوى المخاطر. فعندما يُقيَّد الوصول القانوني والشفاف إلى الإنترنت العالمي، يلجأ الناس على نطاق واسع إلى استخدام برامج كسر الحجب وشبكات «في بي إن» مجهولة المصدر. وهذه الأدوات نفسها يمكن أن تتحول إلى بوابات للاختراق السيبراني، لأنها قنوات يصعب التحكم بها أو مراقبتها وغالباً ما تكون الجهات التي تديرها غير معروفة. وبالتالي يصبح الاختراق عبرها أسهل وأقل قابلية للمراقبة.

كما أن تعدد حوادث الاختراق الأمني والسيبراني التي طالت مؤسسات رسمية في إيران يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في "انفتاح الإنترنت" بقدر ما تكمن في ضعف البنية الأمنية والاعتماد على معدات غير آمنة وسوء الإدارة. وقد أُشير في بعض التقارير إلى أن تجهيزات المراقبة المثبتة في الشوارع – مثل الكاميرات وأنظمة الرصد – وقعت في فترات معينة تحت سيطرة أو اختراق أجهزة استخبارات معادية، من بينها "الموساد"، وأن هذه الكاميرات استُخدمت لمراقبة التحركات حول مقر إقامة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ما ساعد في تحديد موقعه واستهدافه. وإذا ما أُخذت هذه التقارير على محمل الجد، فإن الرسالة الواضحة هي أن مصدر التهديد يكمن في البنية التحتية والمعدات غير الآمنة، وليس في مجرد الانفتاح على الإنترنت.

ومن جهة أخرى، تعرّض نظام محطات الوقود في إيران عام 2023 لهجوم إلكتروني عبر قنوات مرتبطة بهذه الأدوات غير الآمنة وبرامج كسر الحجب، ما أدى إلى تعطّل واسع وظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود وحدوث اضطراب كبير. وقد أظهر هذا الحادث مرة أخرى أن السياسات الانعزالية والاعتماد على حلول مؤقتة وغير شفافة لا يحققان الأمن، بل يزيدان من مستوى الهشاشة.

 

الإنترنت الوطني… من مشروع تقني إلى أداة للرقابة

منذ نحو عقدين تسعى الجمهورية الإسلامية، مستلهمة التجربة الصينية، إلى إنشاء ما يسمى "الإنترنت الوطني" أو "الشبكة الوطنية للمعلومات". ويُطرح المشروع رسمياً باعتباره وسيلة لتعزيز البنية التحتية المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج وزيادة الأمن السيبراني وتطوير الخدمات المحلية. غير أن قسماً كبيراً من ميزانية وزارة الاتصالات خُصص عملياً لبناء منظومات تُستخدم في الرقابة والفلترة وتقييد الوصول إلى الإنترنت العالمي أكثر مما تُستخدم لتحسين جودة وسرعة الخدمات الرقمية للمواطنين.

والفرق الجوهري أن الصين، إلى جانب القيود والضوابط التي تفرضها، أنشأت منصات رقمية محلية قوية قادرة على المنافسة عالمياً وأسست اقتصاداً رقمياً ضخماً حولها. أما في إيران فقد فُرضت القيود والحجب من دون توفير بدائل قوية ومنافسة. ونتيجة لذلك ترسّخ مفهوم "الإنترنت الوطني" لدى كثير من الإيرانيين لا بوصفه شبكة أكثر كفاءة وأماناً بل كرمز للانغلاق والعزلة والرقابة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث