يبدو أن على الشعوب الواقعة في مناطق النزاع في بلدان الشرق الأوسط أن تهيء أنفسها لنمط جديد من الحروب الطويلة، وألا تنتظر حادثة هنا وأخرى هناك لترى نهاية وشيكة للمشهد الذي اندلع منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير المنصرم، بل منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023.
فترة ليست بالقصيرة سيكون عنوانها الأبرز "مكانك راوح"، مهما شابها من مناوشات قتالية أو تسريبات عن نجاح بات وشيكاً للمفاوضات، قبل أن ينقشع الحال عن الصورة التي ما زالت تبدو ضبابية. وليس ترامب بمرتاح لهذه الضبابية. قال منذ فترة أن إيران لم تدفع بعد ثمن ما فعلته بالإنسانية والعالم طوال 47 عاماً. لم يرق له حتى الآن مشهد اللا استسلام. عبّر عن ذلك بصريح العبارة في أكثر من محطة. يغتاظ الرجل، إذ كيف لما رآه قبل الحرب الأخيرة بـِ "النزهة" أن لا يجد له بعد ما يقارب الشهرين ونصف من اندلاعها سبيلاً للحل.. حاول مؤخراً أن يفرض حسماً عبر ما أسماه مشروع الحرية. مئات السفن على متنها عشرات آلاف البحارة كانت تريد للمضيق أن يُفتح بالقوة وأن تُكسر الإرادةُ الإيرانية. لم يُلجم الرّد الإيراني، وفشل المشروع قبل أن يولد، ليس بمساهمة إيرانية فقط، بل سعودية وكويتية أيضاً. رفض البلدان استخدام أراضيهما وقواعدهما العسكرية لتنفيذ الهجمات الأميركية. بنية عسكرية ضخمة في كلا البلدين لم يُتح لأميركا الاستفادة منها خوفاً من التداعيات المتوقعة على المنشآت الحيوية والبنية التحتية النفطية والاقتصادية.
مرّة جديدة إذاً، لا ينجح ترامب في الحسم. يُعلن تعليق المشروع بعد 36 ساعة من ولادته، ليعود نحو الدبلوماسية مجدداً، باغتياظٍ طبعاً. وبهذا الحنق والغيظ، سيهدّد بـ"مشروع الحرية بلاس" في حال لم يأتِ رد إيران إيجابياً وفي الوقت المحدود على المقترح الأميركي الأخير. ورغم أن إيران أرسلت ردها الذي لم يعجب ترامب ولم يكن مقبولاً لديه، فإنه لم يكن من المأمول أساساً أن يكتب الطرفان نهاية الصراع حالياً، ولا أن تنتهي" النزهة" التي طالت ثمّ طالت. كان ترامب يمنّي نفسه بالكثير قبل أن يزور بكين وفي جعبته نصرٌ تاريخي مؤزر. أجّل الزيارة أول مرة في آذار/ مارس الماضي بعد أن انطوى المشهد على ما لا يشبه السيناريو الفنزويلي إطلاقاً، وظلّ يُمنّي نفسه بأيامٍ معدودات ومشاريع حرية وأفكار عبقرية تُعيده إلى الصين مساء الأربعاء المقبل وبنشوة للنصر تأخذه. ساعات تفصل عن اللقاء يحاول فيها ترامب أن ينتزع شيئاً ما. نصراً ما. وفي حال عجز عن ذلك، سيُلهي الناس في بلاده بإنجازاتٍ يعلنها، من مثل نجاحه مؤخراً في استخراج اليورانيوم المخصب من فنزويلا، تماما كما ألهاهم عبر رفع السرية عن أكثر من 160 ملف تتعلق بالأجسام الطائرة والحياة خارج الأرض. ثم وبين إلهاء وإلهاء، يوجه إنذاراتٍ بالغة، كان آخرها عقب إعلانه عن أن الولايات المتحدة حددت مكان اليورانيوم الإيراني المخصب المدفون عميقاً تحت الأنقاض، محذراً: "نخضع هذا المخزون للمراقبة اللحظية، وقوة الفضاء الأمريكية هي من تتولى الأمر.. إذا اقترب أي أحد منه فسنقوم بتفجيره فوراً".. وهو الإعلان نفسه الذي أكد فيه أن القوات الأمريكية أنجزت بالفعل 70% من أهدافها المحددة، وهي على استعداد لمواصلة العمليات لأسبوعين إضافيين لضرب ما تبقى منها.
لكنه وبالرغم من كل ذلك، وبدل أن يذهب إلى الصين واثق الخطوة يمشي ملكاً، يزورها عاقد الحاجبين على الجبين اللجين، وفي مسامعه صدى صوت الرئيس الصيني شي جينبينغ وهو يحذر من العودة إلى قانون الغاب حين قال: "للحفاظ على سلطة القانون الدولي لا يمكننا استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا". في صحيفة "الغارديان" البريطانية، يعنون سايمون تيسدال مقالته: "سيصل دونالد ترامب إلى بكين هذا الأسبوع وهو يعلم أن شي يملك زمام الأمور". وهو يعتبر أن ترامب سيعتمد على الصين للتأثير على إيران ومساعدته في الخروج من أزمته الأخيرة في الشرق الأوسط واستحصال صفقات في مجال المعادن الأرضية النادرة والواردات الزراعية وغيرها مقابل ثمن قد يكون باهظاً بالنسبة لتايوان، لكنه قد يتيح له ادعاء نصر زائف على الساحة الدولية. "بسبب ترامب المُخرب إلى حد كبير، بات مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية أولى واضحاً جلياً. فمع كل أخطائه، وضع هذا الأحمق الجاهل الصين في موقع القيادة".. يختتم الكاتب مقالته. في كلامه بعض من الواقع، فبكين ترى أن تراجع مخزون الأسلحة الأميركية يمثل فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها، خصوصاً بعد كشف خلل في قدرة أميركا على تجديد ترسانتها خلال النزاعات الطويلة، والتي لا يبدو أن هذا النزاع الجاري حالياً في الشرق الأوسط سيكون مستثنىً منها، أي من كونها طويلة.
ويل والدورف، باحث ومحلل سياسي متخصص في دراسة الحروب الممتدة التي خاضتها الولايات المتحدة، مثل حرب فيتنام وأفغانستان والعراق، يرى أن هناك ثلاث سمات رئيسية تتكرر في هذا النوع من الحروب، وأن السمات نفسها بدأت تظهر بوضوح في الصراع الحالي مع إيران.
السمة الأولى أن الطرف الأضعف عسكرياً يرفض الاستسلام مهما كانت الكلفة. هذا ما فعلته طالبان في أفغانستان، وما فعله الفيتناميون سابقاً، وهو ما تفعله إيران اليوم. هو يريد القول إن الحروب الطويلة لا تُحسم دائماً بالتفوق العسكري، بل بقدرة أحد الأطراف على تحمّل الاستنزاف لفترة أطول. أما السمة الثانية فتتعلق بطريقة تفكير القيادة الأميركية نفسها، على اعتبار أن ترامب يبحث عن انتصار تاريخي لا عن مجرد تسوية، وهذا ما يدفعه إلى رفع سقف المطالب بصورة قد تجعل أي تسوية واقعية أكثر صعوبة، وتُغرِق التفكير في ما يسميه علماء السياسة والاقتصاد "فخ التكاليف الغارقة" (Sunk Cost)، بحيث تصبح الدولة بعد أن أنفقت موارد كبيرة غير قادرة على التراجع دون تحقيق مكاسب تبرر كل ما دفعته، فتواصل التصعيد أملاً في الوصول إلى نتيجة تعوض الخسائر السابقة، حتى لو كانت الكلفة تتزايد باستمرار.
السمة الثالثة هي غياب الرقابة السياسية الفعالة على صانع القرار. فالكونغرس لم يتحرك بجدية حقيقية لكبح اندفاع ترامب نحو مواجهة طويلة، تماماً كما حدث في حروب أميركية سابقة استمرت سنوات قبل أن تدرك واشنطن حجم الاستنزاف الذي تورطت فيه.
ليس من المستبعد إذاً أن يطول المشهد على حاله وإن شابهُ فواصلٌ ثم تَواصَل، خصوصاً وأن الطرفين يتجنّبان عملياً، الوصول إلى نقطة اللاعودة. تتشابه التصريحات من الجانبين، ويحرص الجانبان كذلك حتى على ضبط أي اشتباك بالنار، كما أنهما يدّعيان سوياً أن عمليّاتهما دفاعية. لكن ورغم ذلك، فإن الحشود العسكرية الضخمة لا يمكن أن تبقى في المنطقة بلا هدف. استمرار التعزيزات يعني أن احتمال الحرب ما زال قائماً. كذلك بعض التحركات من قبيل إرسال مصر مفرزة جوية إلى الإمارات، مع تقارير عن مشاركة عناصر مغاربية في دعم الدفاعات الجوية الإماراتية، ومن قبيل إعلان بريطانيا نشر مدمرتها المتطورة "إتش إم إس دراغون" باتجاه الشرق الأوسط، كما استضافة بريطانيا وفرنسا لاجتماع لوزراء دفاع أكثر من 40 دولة لبحث خطط عسكرية وتأمين الملاحة في المضيق. بل وحتى الكلام عن وساطة روسية للسعي الى إنجاح المفاوضات لأن استمرار النزاع لن يكون من صالح أحد يصب في خانة الخوف من احتمال تجدد الحرب الذي لا يزال قائماً.
يذكّر هذا الشكل الحالي من الصراع اليوم بين طهران وواشنطن بما كانت عليه الحال بين لبنان وإسرائيل في الفترة ما قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان في أيلول/سبتمبر 2024. اعتقادٌ ساد بأن الطرفين يتجنبان الحرب لتجنب أضرارها على الجانبين. لكنها انتهت في نهاية المطاف بضربات إسرائيلية قاصمة، وحرب دامت 66 يوماً. كانت إسرائيل تعلم ماذا تخبئ لحزب الله، وليس من المعروف ما الذي تحضّره الآن لإيران. إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمل على زيادة موازنة وزارة الحرب إلى 1.5 تريليون دولار في عام 2027، ويكشف كتاب الموازنة بعض تفاصيلها التي تشير إلى زيادة الإنفاق لصالح حماية أمن إسرائيل مع بدء دمج القاعدة الدفاعية بين البلدين وزيادة التعاون.
تعلم إسرائيل أن إيران تخشى حرباً على المجتمع (البنية التحتية ومنشآت الطاقة والمستشفيات..) أكثر من اقتصار الحرب على الأهداف العسكرية، وهي لهذا تنتظر الوقت المناسب لضربها. لا تريد إسرائيل أن تقصفها إيران بصواريخها الثقيلة قبل أن تحيّد صواريخ حزب الله. في الحرب الأخيرة كان التنسيق التام بين حزب الله وإيران يساهم في إنجاح الضربات الصاروخية الإيرانية. يمكن القول إن حزب الله ساند إيران في حربها بشكل واضح ولا لبس فيه. سيحاول نتنياهو أن ينتزع من الجانب اللبناني ما يسحب ورقة السلاح من يد حزب الله، وما يجعل ورقة الوقت في المفاوضات عبئاً باهظاً على الحزب وبيئته التي بدأ التململ والتذمر يتسلل إليها. ومجدداً، يبدو أن هذه الفترة تشبه فترة ما بين حزيران 2025 وشباط 2026. آلية العمل أيضاً تبدو هي نفسها، مع رهان يتزايد على خلل في الداخل الإيراني. كلام الرئيس مسعود بزشكيان مؤخراً بعد لقائه المرشد الجديد مجتبى خامنئي كان واضحاً. منع الانقسام في البلاد والتماسك الداخلي هو الأولوية كما قال، والانقسام هو التهديد الأكبر.
كل شيء يوحي بأن اسرائيل وبالتنسيق مع أميركا خططت لحرب طويلة في منطقة الشرق الأوسط برمته، ولم تزَل تخوضها من دون أن تنتهي منها بعد. بل حتى الآن لم تنتهِ الحرب في غزة، في ظل هدنة هشة تشبه الحال في جنوب لبنان. وفي الجنوب اليوم كما في غزة، يجري الحديث عن خط أصفر وخط برتقالي، كما عن احتمال تصعيد قريب.
على أن الأفق اللبناني تحديداً يتراوح بين انسحاب اسرائيلي ضمن تسوية كبرى، أو بقاء طويل تحت ذريعة الأمن بما يجعل الجنوب قريباً من نموذج فلسطين ثانية. لكنه أفق سيطول انقشاعه ما استطال الضباب بين طهران وواشنطن. ويبدو حتى الآن أن ما يجري هناك هو معركة استنزاف طويلة، يريد المخططون فيها أن يتكرر السيناريو الذي رُسم لصدام حسين، أو حتى لبشار الأسد، بحيث لا يؤدي الصمود المرحلي للنظام إلى استتبابه، ولا تكون المهلة السابقة لأي ضربة عسكرية سوى مزيداً من الإنهاك له. يجري كل ذلك في ظلّ نوع من التأقلم تشهده الأسواق المالية التي باتت تتعامل مع أي تصعيد وكأنه خطر محدود يمكن احتواؤه، ولذلك استمرت موجات التفاؤل وارتفاعات الأسواق، فالمستثمرون يراهنون على أن الحرب حتى لو استمرت، ستكون منخفضة الكثافة ولن تتحول إلى شلل شامل للاقتصاد العالمي أو لأسواق الطاقة. وهذا ما يرجّح فرضية أننا أمام حرب استنزاف لن تكون قصيرة وإن شهدت ضربات عسكرية صلبة.




