ميلادينوف وإسرائيل: وساطة للتهدئة أم تبادل أدوار

حسين الديكالاثنين 2026/05/11
Image-1778431564
ملادينوف يتبنى المطلب الإسرائيلي بنزع سلاح حماس (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكد جرح غزة يتوقف عن النزيف، ولم يفارق الوجع والألم ذاكرة الأبرياء المحاصرين، ولم تتوقف أصوات الانفجارات وعودة الحياة إلى حالة من شبه السكون العسكري الميداني، حتى عادت من جديد عمليات اغتيالات مركزة من قبل الاحتلال، وتهديدات بعودة العمليات العسكرية، يترافق ذلك مع انشغال دولي وإقليمي بالتطورات العسكرية والسياسية على الجبهتين اللبنانية والايرانية، مما يفرض حالة من الهامشية السياسية على ملف قطاع غزة على صعيد الأجندة السياسية الدولية والاقليمية.

وأمام هذا المشهد الرمادي الذي تجلى بحالة من اللاسلم واللاحرب، ظهرت التحركات السياسية والجولات المكوكية لرئيس مجلس السلام نيكولا ميلادينوف ما بين القاهرة وتل أبيب، في لقاءات سياسية بهدف الوصول إلى تحريك حالة الجمود السياسي والميداني في القطاع لاستكمال تنفيذ بنود الاتفاق المنصوص عليها والتي أجمع عليها الطرفين بضمان الوسطاء.

 

حماس: "نعم ولكن"

في هذا السياق، أفادت صحيفة "جيروزالم بوست" أن الفجوات بين حماس و"مجلس السلام" حول قضية نزع السلاح ما زالت واسعة للغاية ولا تزال تراوح مكانها، حيث عُقدت في الأسابيع الأخيرة عدة اجتماعات بين مسؤولين كبار في المجلس، بمن فيهم ملادينوف، وشخصيات بارزة في حماس، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح الحركة، ولم تُسفر المفاوضات عن اتفاق، وكان رد حماس بمثابة "نعم، ولكن"، حيث تعكس كلمة "ولكن" مطالب وشروطاً كثيرة. 

وأضافت الصحيفة أن "إسرائيل تُنسق مع مجلس السلام والإدارة الأميركية لوضع خطة للخطوات التالية في أعقاب رفض حماس"، مؤكدة على أنه لم يكن أحد متفاجئاً قبل ستة أشهر، ولا أحد متفاجئ اليوم، برفض حماس نزع سلاحها، بما في ذلك الولايات المتحدة والوسطاء.

من جانب اخر قالت القناة 12 العبرية نقلاً عن مصدر أمني" "الأميركيون أبلغونا أن حماس ردّت سلباً على مسألة نزع السلاح، ونتنياهو التقى رئيس مجلس السلام ميلادينوف وفي إسرائيل يدرسون سلسلة خطوات رد محتملة، بينها توسيع الخط الأصفر". وتقدّر جهات أمنية أن ترامب قد يمنح إسرائيل "ضوءاً أخضراً"  للعودة إلى العمل العسكري في قطاع غزة، وتؤكد جهات إسرائيلية أنه إذا لم تغيّر حماس موقفها، فقد يتم قريباً منح الموافقة على استئناف العمل العسكري.

وبناء على ذلك يبدو أن قطاع غزة سيصبح محط أنظار العالم مجدداً في الوقت القريب، وربما تذهب اسرائيل إلى جوله عسكريه جديدة في القطاع، يأتي ذلك في ظل تصاعد التهديديات الإسرائيلية والحديث عن نقل ألوية عسكرية إسرائيلية من جنوب لبنان إلى المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة أي "الخط الاصفر"، في ظل الحديث عن توسيع هذا الخط الى ما بات يعرف في الأدبيات السياسية والإعلامية الاسرائيلية بـ"الخط البرتقالي" والذي يشمل أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع.

 

المفاوضات في حقل ألغام

في هذا السياق قال الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين لـ"المدن": تدرك المقاومة أن ملادينوف يسعى لتجنب انهيار كامل للاتفاق لكنها تعتقد أن جهوده في التهدئة تأتي مشروطة بتقديم تنازلات من جانب المقاومة في ملف السلاح، هذا النوع من التهدئة ليس منعاً للحرب بل هو إعادة إنتاج لنفس معادلة الضغط ولكن عبر قنوات دبلوماسية. وترى حماس أن جهود ملادينوف لم تسفر عن أي ضمانات ملزمة لإسرائيل لوقف عدوانها، مما يعني أن مهمته ليست إلزام الاحتلال بالسلام بل إدارة الأزمة بطريقة تخدم الهدف النهائي الإسرائيلي الأميركي وهو نزع سلاح المقاومة".

في الوقت ذاته يشير شاهين إلى أن الضغط العسكري ليس مجرد موقف منفصل، بل هو الأداة المكملة للضغط السياسي الذي يمارسه ملادينوف، ومن هنا فإن الاغتيالات والغارات ليست مجرد خروقات بل رسائل ضغط سياسي تهدف إلى إجبار قيادة المقاومة ووفدها التفاوضي على تقديم تنازلات في ملف السلاح وهذا يشير إلى أن المفاوضات تدور في ظل حقل ألغام من الابتزاز العسكري.

 

ملادينوف يتبنى فعلياً المطلب الإسرائيلي

ولكن ما نشهده من تصعيد اسرائيل لعدوانها على قطاع غزة، يتزامن بالتوالي مع تحركات ميلادينوف، وهذا يشير إلى أن هذا التزامن ليس مصادفة، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة وكنوع من تبادل الأدوار المنسق بين اسرائيل وميلادينوف للضغط على المقاومة، وإيصال رسائل مباشرة، والوصول إلى هدف واحد مشترك وهو إجبار المقاومة على الموافقة على المطالب الإسرائيلية، والتخلي عن سلاحها كشرط أساسي قبل قيام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها وفقاً للاتفاق، سواء كانت التزامات إنسانية أو سياسية وميدانية.

من زاوية أخرى، قال الخبير في الشأن الاسرائيلي أنطوان شلحت في حديثه لـ"المدن" إن الانطباع العام الذي يتم التركيز عليه في إسرائيل، رسمياً وإعلامياً، هو أن ملادينوف يتبنى فعلياً المطلب الإسرائيلي المركزي وهو نزع سلاح حماس كشرط لإعادة الإعمار والانتقال إلى اليوم التالي، وتلمح تقارير متطابقة إلى سعي إسرائيلي إلى حرب أخرى على القطاع بعد "الهدوء" في جبهتي إيران ولبنان.

ويذهب شلحت إلى أن الاستنتاج المنطقي هو أنه لا تلوح في الأفق بوادر أي اختراق، ما يعني استمرار حالة الحرب ومخاطر التصعيد، والتعويل على ميلادينوف بأمرين: أولاً، التخفيف من الاعتماد الفعلي للمطالب الإسرائيلية والضغط على إسرائيل وليس على حماس وثانياً، أن يقف بالمرصاد لأي محاولة إسرائيلية للتصعيد من خلال تفعيل مجلس السلام والأسرة الدولية وبطبيعة الحال الولايات المتحدة، صاحبة القول الفصل فيما يخص موقف إسرائيل.

وفي ظل هذا الواقع المعقد يبدو أن المشهد في قطاع غزة لم يعد مجرد مفاوضات متعثرة بل هو "صراع إرادات وجودي" بين اسرائيل والمقاومة، إذ توظف إسرائيل تحركات ميلادينوف نحو هدف ومسار استراتيجي يتمثل في نزع سلاح المقاومة دون مقابل سياسي حقيقي، في الوقت ذاته فإن المقاومة تؤكد على بوصلتها نحو ضرورة إلزام الاحتلال بتنفيذ كل ما اتفق عليه في إعلان وقف إطلاق النار، خصوصاً الانسحاب ورفع الحصار، وإعادة الإعمار قبل الحديث في موضوع السلاح، وهي تدرك في الوقت ذاته بأن الضغوط المزدوجة العسكرية والسياسية التي تمارس عليها تهدف إلى كسر إرادتها، لكنها تؤكد أن هذه الإرادة لن تنكسر ولن تخضع لأي املاءات.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث