تسترعي العمليات والتفاعلات التي تشهدها بلاد الشام، انتباهاً أقل مقارنة بالتوترات حول مضيق هرمز، ومصير المفاوضات القائمة بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء. لكن أهميتها تظل حاضرة وإن لم تداني أهمية ما يحصل في مياه الخليج العربي.
فشل إيران
حتى عهد قريب، كانت إيران اللاعب الإقليمي الأقوى والأكثر تأثيراً في ميزان القوى ببلاد الشام، تليها تركيا، السعودية وإسرائيل. تمتع الفاعلون من غير الدولة (Non-State Actor) المدعومون من طهران، بنفوذ على مستوى المنطقة -حزب الله، حركة حماس، حزب العمال الكردستاني والفصائل العراقية الولائية-، بينما تحددت أدوار نظام الأسد، الحكومة العراقية، الحكومة اللبنانية وحكومة إقليم كردستان العراق في تسيير شؤون بلدانهم المحلية.
تسبب فشل المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي في إدارة الحروب التي أشعلها "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، باضمحلال الهيمنة الإيرانية على بلاد الشام، وآذن بانحسار الأدوار الإقليمية لحزب الله، حركة حماس، الفصائل العراقية وحزب العمال الكردستاني.
أظهر مسار الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران منذ 28 شباط/فبراير هذه الحقيقة بجلاء. لم يتمكن أولئك الفاعلون من التأثير جدياً على سير المعارك. المفارقة أن عناصر حزب الله والفصائل العراقية، استفادوا من انشغال الطيران الأميركي والإسرائيلي في تأمين التفوق الجوي فوق إيران، ليطلقوا رشقات ودفعات من الصواريخ والمسيرات على أهداف داخل العراق، دول الخليج وإسرائيل، أكثر مما استفاد الحرس الثوري الإيراني من مشاركة تلك التنظيمات في تعطيل القدرات الأميركية والإسرائيلية.
سواء بسبب خسائرهم العسكرية الفادحة على مدار الأشهر الفائتة، أو وضعهم الجيوسياسي المعقد أو مناورات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فلم يستطِع حزب الله والفصائل العراقية الولائية، حتى الآن، حصد ثمار مشاركتهم في الحرب، وسط حرص أميركي وإقليمي على تعريتهم من تلك الثمار، إن وجدت أصلاً.
معادلة الشام الجديدة.. من دون إيران
وبينما لا يزال الغموض يلف مصير المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فمن الواضح أن طهران لم تعُد اللاعب الإقليمي الأول على مستوى بلاد الشام، وأن معادلات وموازين قوى ناشئة تبزغ في سماء المنطقة، سواء لأن إيران لم يعد بإمكانها التدخل بفعالية في شؤونها بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام 2024، أو لانشغالها بإدارة التداعيات القصيرة، المتوسطة، البعيدة المدى للحرب الأميركية الإسرائيلية.
ظهرت تركيا كأكثر قوة مستفيدة من الانحسار الإيراني، وأصبحت من أكثر اللاعبين الإقليمين القادرين على تشكيل موازين القوى في بلاد الشام. إلا أن تل أبيب، التي أخرجت الحرس الثوري الإيراني من الشام وأضعفت حزب الله وحركة حماس إلى حد بعيد، فلم يغفر مسؤولوها لأنقرة قط، توسيعها نفوذها الإقليمي، مستفيدةً مما يعتقد الإسرائيليون أنها حرب ضافرة على المحور الإيراني، بينما لم يخفِ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو استعجاله وراثة "الهيمنة الإيرانية" على بلاد الشام واستبعاد أنقرة عن تقرير شؤون المنطقة. في المقابل، استعادت السعودية حضورها التاريخي في بلاد الشام، في مرحلة ما بعد الأسد، وتمكنت من تفعيل دورها في سوريا ولبنان.
أنقرة والرياض.. وشبح الهيمنة الإسرائيلية
أمسكت كل من تركيا وإسرائيل، وإلى حد السعودية، بموازين القوى الجديدة حول بلاد الشام. تلاقت مصالح أنقرة والرياض على منع انتقال الشام من الهيمنة الإيرانية إلى الإسرائيلية، مما وفر مظلة عربية قوية للدور التركي في المنطقة، وعزل الإسرائيليين.
بشكل خالف التوقعات، صاغ المسؤولون السعوديون والأتراك تعاوناً عملياً، من أجل توطيد الاستقرار في سوريا الجديدة ما بعد الأسد، وإسناد المرحلة الانتقالية التي يقودها الرئيس أحمد الشرع. شمل تعاونهما إقناع واشنطن وموسكو وبكين بقبول شرعية الحكم الجديد، وتوحيد جهودهم حيال أحداث الساحل في آذار/مارس 2025)، والسويداء في تموز/يوليو 2025، وشمال شرق سوريا في كانون الثاني/يناير 2026. تصدت إسرائيل لعرقلة الجهود التركية-السعودية، سواء بشكل مباشر أو من وراء الكواليس. أينما كانت أنقرة والرياض تحققان تقدماً ما، كان الإسرائيليون يهرعون لإحباطه.
في البداية، امتد التعاون السعودي التركي إلى لبنان، حيث وفرت أنقرة دعماً من خلف الكواليس للسياسة السعودية حيال بلاد الأرز. إلا أن عاملين نبها القادة الأتراك إلى ضرورة تفعيل دورهم هنالك، أولهما: إصرار تل أبيب على نزع سلاح حزب الله، الذي يقربها من محاصرة النفوذ التركي في بلاد الشام وتحقيق هيمنتها المطلقة على شؤون المنطقة. ثانيهما، الضغوط الأوروبية على بيروت من أجل الاصطفاف إلى جانب قبرص واليونان فيما يتعلق بموارد الطاقة شرقي البحر الأبيض المتوسط، على الضد من المصالح التركية. امتنعت أنقرة عن التحرك لبنانياً، لانشغالها في إدارة الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وروسيا حول الترتيبات النهائية لوجود قواتهما على الأراضي السورية، وتعزيز الوضع العسكري في سوريا. لكن الأمر لم يطُل حتى وقع حدثاً دفع الأتراك إلى تغيير حساباتهم.
القضم الإسرائيلي والرد السعودي والتركي
مع تفجر الحرب في لبنان مطلع شهر آذار الماضي، أضحى القضم الإسرائيلي في جنوب لبنان، والذي يهدد بتفجير التركيبة اللبنانية الحساسة، الخطر المستجد على بلاد الشام وموازين القوى الإقليمية. وانطلقت تلك القوى في مناوراتها الهادفة إلى تعظيم مصالحها والحد من خسائرها.
أطلقت تل أبيب مناورتها الكبرى لدفع الشرع إلى التدخل عسكرياً ضد حزب الله. كان إنزال النبي الشيت محاولة إسرائيلية من أجل دق إسفين بين الجانبين السوري واللبناني، إلا أنها لم تحقق أغراضها. تدخلت أنقرة من وراء الكواليس من أجل إحباط الخطط الإسرائيلية لتوريط الحكم السوري في القتال الدائر بلبنان. كان من شأن دخول طلائع القوات السورية إلى البقاع أن يعيد تشكيل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران؛ إذ كان سيحيى الحرب السنية الشيعية، التي خمدت نارها بعد هزيمة المحور الإيراني بسقوط نظام الأسد. وكان الصراع المندلع ليزهق المزيد من أرواح السوريين واللبنانيين، بينما تواصل إسرائيل قضم المزيد من أراضي سوريا ولبنان. أما الرياض، التي راقبت محاولات تل أبيب لتوريطها في الحرب على إيران، فقد بدت أكثر حذراً حيال المحاولات الإسرائيلية لتوريط القوات السورية في قتال حزب الله.
المناورة التركية الجوابية
رأى المسؤولون الأتراك والسعوديون أن دخول الحكم السوري الجديد، والذي لا يزال يواجه سلسة من التحديات الداخلية، ساحة الوغى في لبنان، سيصب في صالح الإسرائيليون، إذ سيمكنهم من التلاعب بالطرفين السوري واللبناني وضربهما ببعضهما، وفي النهاية، تُحكم إسرائيل سيطرتها على سوريا ولبنان، وهيمنتها على بلاد الشام. خشيت أنقرة من أن دخول القوات السورية إلى لبنان، تحت الغطاء الإسرائيلي، قد يسفر عن انزلاق دمشق إلى دوامة من الصراعات الداخلية والخارجية التي تستنزفها، وتجعلها أكثر خضوعاً للتوجهات الإسرائيلية. ولم ينسَ الأتراك بعد، نقض نتنياهو وعود مفاوضيه بعدم التدخل في سوريا خلال محادثات باكو في تموز/يوليو الماضي، وإرساله طائرات جيش الاحتلال لقصف القوات السورية الداخلة إلى محافظة السويداء.
عملت أنقرة على التقريب بين الحكم السوري وحزب الله، بالرغم من المعوقات التي واجهتها؛ أبرزها خشية الحرس الثوري الإيراني من تحول حزب الله، إلى ترس في الدفاعات التركية في المنطقة بعد أن كان وكيلاً واسع الصلاحيات للقوة الإيرانية في بلاد الشام والمشرق العربي عموماً، فضلاً عن الإرث المرير لمشاركة عناصر حزب الله في الحرب السورية. واكبت الرياض الجهود التركية. وبتأكدها من إغلاق الجبهة السورية-اللبنانية، طرحت أنقرة وساطتها بين الحزب وتل أبيب، كمناورة لتأمين مقعد لها على طاولة تسوية ما بعد الحرب في لبنان، من جهة، والتأكد من إحباط الخطط الإسرائيلية، من جهة أخرى.
في خضم صراعها على النفوذ والقوة، اهتدت أنقرة إلى تسيير ما تبقى من قوة إيرانية في الشام لتأمين حماية إضافية للمواقع التركية الناشئة، وتعقيد الحسابات الإسرائيلية. بدورها، اختارت تل أبيب مساراً غير متوقع، استهدف اجتذاب روسيا أو الصين إلى خططها في بلاد الشام. ويعول المسؤولون الإسرائيليون على إقناع الزعماء الروس، تحديداً، بفوائد العمل المشترك لإحياء النفوذ الروسي في سوريا، من أجل قطع الطريق أمام التمدد التركي المتزايد.
ومهما يكن فقد، أظهرت المناورات التركية والإسرائيلية والسعودية التدهور المتزايد للنفوذ الإيراني في بلاد الشام، وعكست موازين القوى الفعلية التي تتحكم بشؤونها. من ناحية أخرى، كشفت تلك المناورات أن سلاح حزب الله لم يعد قابلاً للتسوية على طاولة بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل دخل ضمن لعبة شد الحبال الدائرة حول النفوذ في بلاد الشام بين تركيا، السعودية وإسرائيل.




