بدا توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور في مطار بيروت الأسبوع الماضي، بناء على مذكرة اعتقال صادرة عن الأنتربول الدولي بطلب رسمي من السلطة الفلسطينية، تعبيراً عن علاقة جديدة مؤسساتية شفافة وعلنية ونزيهة بين فلسطين ولبنان الجديد. هذا الأمر صحيح شكلاً ومضموناً من الناحية اللبنانية فقط لا الفلسطينية، كون المذكرة تدور حولها علامات استفهام عديدة تفيد بأنها سياسية وكيدية، ناهيك عن حقيقة إن ترتيب العلاقة مع لبنان الجديد يستلزم بالضرورة ترتيب البيت الفلسطيني مركزياً، بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص، وفق قواعد دستورية ومؤسساتية وديموقراطية وطنية شفافة ونزيهة، وهذا ما لا نراه للأسف. وما يجري هو في أحسن الأحوال، حركي ودعائي، وفي الاتجاه الخاطىء، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لا يملك ياسر محمود عباس أو ولي العهد كما يقال فلسطينياً، الشرعية والقدرات والمصداقية والجدارة ليدير ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لا تنظيمياً ولا وطنياً، بينما وللأسف أيضاً، قبل قائد مخضرم مثل عزام الأحمد أن يبقى ممسكاً بالملف شكلاً فقط بينما الصلاحيات والسلطات كلها بيد عباس الثاني وفريقه المستحدث والطارئ.
علافة مع حزب الله
إذن بدا توقيف السفير السابق في بيروت أشرف دبور معبراً عن المرحلة الراهنة وترتيب العلاقة بين فلسطين ولبنان الجديد بشكل مؤسساتي شفاف ونزيه، مع التزام الدولة اللبنانية وحسب الأصول المتبعة، بمذكرة اعتقال قانونية صادرة عن الانتربول الدولي بطلب من السلطة الفلسطينية الرسمية "الشرعية"، المعترف بها لبنانياً وعربياً ودولياً، اتهمت دبور بالفساد وإساءة استغلال المنصب. وللمقارنة، هذا ما كان ليحصل أبداً زمن الوصاية الايرانية وهيمنة حزب الله على قرار الدولة اللبنانية، خصوصاً في سياقاته الأمنية، وهو ما كان ليسمح بالتأكيد بتوقيف دبور الذي تماهى تماماً معه بالأمتار الأخيرة من عمله كسفير فلسطيني معتمد في بيروت، إما نتيجة قناعات فكرية وسياسية، أو الاستقواء بالحزب والوصاية في مواجهة السلطة والقيادة برام الله بخريف العلاقة بين الجانبين.
هذا في الشكل، أما في المضمون ومع التأكيد على قاعدة أن أشرف بريء حتى تثبت إدانته أمام القضاء اللبناني النزيه، بعد تحرره بشكل كبير من الوصاية الحزبية، بينما يقال في الكواليس إن المذكرة نفسها ضعيفة قانونياً، ولا تستند إلى أدلة قاطعة بعدما سلم دبور ما كان في عهدته من ممتلكات وأسلحة، ويصل كثيرون إلى القول إنها سياسية وكيدية تهدف إلى الانتقام والتنكيل بدبور، بعد رفضه التماهي مع السياسات الجديدة بما في ذلك تمكين ياسر عباس من الساحة فتحاوياً وفلسطينياً، إضافة لرفضه السفر إلى رام الله والامتثال لقرار الخضوع للتحقيق هناك، كونه لا يثق وعن حق بنزاهة وشفافية العملية كلها في سلطة يعي جيداً إنها "عالمثالثية" بامتياز.
في المضمون، نحن ولا شك أمام تعبير عن السيرورة في لبنان الجديد، وإقامة علاقة صحية مع السلطة الفلسطينية الرسمية -والدول العربية- والشرعية، بعيداً عن ذهنية الزواريب والخطوط العسكرية الالتفافية وهيمنة الفصائل المسلحة على قرار الدولة اللبنانية.
هيمنة مطلقة
مضموناً كذلك، فلا مرادف أو معادل فلسطيني للسيرورة الجديدة في لبنان، لا مركزياً بالداخل ولا بالخارج، تحديداً بالساحة اللبنانية، ولسنا بصدد ولادة فلسطين الجديدة، لا كما وردت في صفقة القرن للرئيس الأميركي دونالد ترامب وخطط صهره جاريد كوشنير، وإنما قيادة جديدة شابة وديموقراطية نزيهة ونقية من الاستبداد والفساد جديرة بقيادة الشعب العنيد في الصراع مع الاحتلال حتى الوصول إلى بر الاستقلال وتقرير المصير.
بالمضمون الفلسطيني وتفصيل أكثر ومركزياً، تتشبث القيادة الحالية بالسلطة المحدودة تحت الاحتلال -سلطة بلا سلطة كما تقول هي نفسها– ومن الانتخابات البلدية إلى مؤتمر فتح الثامن والدعوة لانتخابات المجلس الوطني وتجاهل الرئاسة والتشريعي، وهي كلها خطوات التفافية على الاصلاحات الجدية والجوهرية الناتجة عن حوار وطني واسع شفاف نزيه كان ولا يزال ضرورياً دائماً، علماً أن ثمة وثائق عديدة تم التوصل إليها وتنتظر التطبيق الأمين والعادل على طريق الإصلاح الشامل، مع استعداد عربي واسلامي ودولي للمساعدة.
وفيما يخص الساحة اللبنانية فما يجرى فيها لا يندرج أبداً ضمن أي ترتيب وطني جدي ونزيه ومؤسساتي للبيت الفلسطيني، مع هيمنة ياسر محمود عباس المطلقة على التنظيم الفتحاوي، وتغاضي القيادي المخضرم عزام الأحمد المشغول بمهام منصبه كأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مقابل التنازل عن صلاحياته الفعلية كمشرف على الساحة للبنانية -لم يزرها منذ سنة تقريباً- لصالح عباس الثاني "ولى العهد" كما يقال بسخرية مرة في رام الله وبيروت.
لا قدرات ولا خبرة
عباس الثاني الستيني "64" سنة" لا يمتلك القدرات والخبرات التنظيمية والسياسية اللازمة ولا الشرعية بالطبع لتولي الساحة اللبنانية، ولا حتى الشجاعة والشفافية لتعيينه الرسمي بالمنصب وتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائج أفعاله.
أمر مماثل يمكن قوله عن فصائل منظمة التحرير التابعة أو الحليفة لفتح، حيث سطا عباس الثاني على الصلاحيات كاملة مهمشاً الآدمي والنزيه "فتحي أبو العرادات" المفترض إنه لا يزال رسمياً وعلنياً أمين سر منظمة التحرير في لبنان.
إلى ذلك، يتولى محمد الأسعد رسمياً مهام السفير وإدارة المهام الدبلوماسية التقليدية مع الأجهزة اللبنانية تحت إشراف كامل لعباس الثاني، ويوصف الأسعد بالمحافل الفلسطينية بـ"رجل الصدفة"، مع استدعائه رغم إحالته إلى التقاعد لتولي منصب السفير ضمن ترتيب الوضع الفلسطيني برمته لصالح ولي العهد.
الشاهد حسب مصادر مطلعة إن ياسر عباس بات متحكماُ بالقرار الفلسطيني بسياقاته المختلفة، بما في ذلك إدارة الأملاك في لبنان -يطمح لفعل الشىء نفسه في سوريا الجديدة- وقام بإعادة ترتيب البيت الفتحاوي وفق أجندته الشخصية والسياسة، وتهميش وابعاد المناضلين الأوائل -تم شطب 1700 اسم من أعضاء فتح- وترويض وابتزاز الباقين للتماهي مع المرحلة الراهنة أو الصمت.
في الأخير وباختصار، فالإجراءات الفلسطينية الأخيرة لا تساعد بالجوهر على تأسيس علاقة صحية واستراتيجية بين فلسطين ولبنان الجديد ومعالجة الملفات العالقة بشفافية ونزاهة وفق المصالح المشتركة العميقة والجدية بين الشقيقين وعلى العكس تأتي في سياق فئوي ضيق لتسهيل وصول ياسر عباس إلى عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح بالمؤتمر الثامن الأسبوع القادم، ضمن ترتيب ثلاثي لمرحلة ما بعد عباس الأول "التسعيني" يشمل ولي العهد والسيد النائب "حسين الشيخ" ومدير المخابرات ماجد فرج، وهو ما سيرتد سلباً على الحركة الرائدة واللاجئين في لبنان والقضية الفلسطينية بشكل عام.




