تُعدّ الطاقة أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي، حيث يشكّل النفط والغاز الطبيعي المسال شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية. ومن بين الممرات الحيوية التي تتحكم في هذه التدفقات، يبرز مضيق هرمز باعتباره نقطة اختناق استراتيجية، تمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية، إضافة إلى خمس صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية. ومع اندلاع حرب إيران في مطلع عام 2026، وما تبعها من إغلاق شبه كامل للمضيق، دخل العالم في أكبر اضطراب إمدادات في التاريخ الحديث، وهو ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول أمن الطاقة، هشاشة البنى التحتية الخليجية ومستقبل منظمة أوبك في ظل الانقسامات الداخلية والتحولات الجيوسياسية.
مضيق هرمز كنقطة اختناق عالمية
بعد مرور شهرين على الحرب، لا يزال المضيق شبه مغلق، وحركة السفن لا تتجاوز جزءاً يسيراً من مستويات ما قبل الحرب. هذا الإغلاق لم يقتصر على النفط والغاز، بل عطّل أيضاً تدفقات سلع أساسية مثل الهيليوم واليوريا، مما أثر على سلاسل الإمداد العالمية. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) في نيسان/أبريل 2026، أجبر الإغلاق المنتجين الخليجيين على وقف ما بين 7.5 و9.1 مليون برميل يومياً، وهو أكبر اضطراب إمدادات في التاريخ الحديث. كما وصفت وكالة الطاقة الدولية هذا الحدث بأنه "أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي". وأظهرت بيانات التجارة العالمية (WTO/AXSMarine) أن تدفقات النفط الخام انخفضت بنسبة 95%، الغاز المسال بنسبة 99% وشحنات الأسمدة بنسبة 87%. هذه الأرقام تكشف هشاشة الاعتماد العالمي على هرمز، وتؤكد أن أي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر يهدد استقرار الاقتصاد الدولي بأسره.
البنية التحتية الخليجية تحت الضغط
في مواجهة إغلاق هرمز، لجأت الدول الخليجية إلى مسارات بديلة عبر خطوط الأنابيب، لكنها سرعان ما اصطدمت بحدودها التقنية والأمنية.
• خط الأنابيب شرق–غرب السعودي (بترولاين): رغم توسع قدرته إلى 7 ملايين برميل يومياً، فإن محطات ينبع غير قادرة على استيعاب التدفقات القصوى، كما تعرض الخط لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية عطّل 700 ألف برميل يومياً.
• خط أنابيب أبوظبي (أدكوب): بسعة 2 مليون برميل يومياً، يخرج مباشرة إلى المحيط الهندي، لكنه تعرض لهجمات مسيّرة على ميناء الفجيرة.
• العراق: يعتمد بشكل شبه كامل على البصرة وهرمز، مع تخفيف محدود عبر خط كركوك–جيهان (250 ألف برميل يومياً).
• الكويت: تعتمد كلياً على هرمز، وأعلنت القوة القاهرة في آذار/مارس الماضي.
• قطر: صادرات الغاز المسال (77 مليون طن سنوياً، نحو 19% من التجارة العالمية) تمر كلها عبر هرمز، ما يجعلها الأكثر تعرضاً.
• إيران: خط غور–جاسك مصمم لمليون برميل يومياً، لكن العقوبات والبنية غير المكتملة قلّصت التدفقات إلى مستويات هامشية.
وقد أظهرت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد "نيولاينز" أن الطائرات المسيّرة تُستخدم بشكل متزايد لمراقبة الأنابيب لكنها تُستغل أيضاً للتخريب. كما أشار إلى أن ضربات الطائرات المسيّرة على البنية التحتية للطاقة تشكّل مخاطر نظامية كما ظهر في السعودية والإمارات.
انسحاب الإمارات من أوبك
في 28 نيسان/أبريل الماضي، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك وأوبك+ بعد 59 عاماً من العضوية، في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وجيوسياسية عميقة.
استثمرت الإمارات نحو 150 مليار دولار لرفع قدرتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً، لكن حصص أوبك حدّت الإنتاج عند 3.5 مليون. على عكس السعودية التي تحتاج أسعاراً فوق 90 دولاراً للبرميل لموازنة ميزانيتها، تستطيع الإمارات الاستمرار عند نحو 50 دولاراً، ما يشجعها على زيادة الإنتاج. ومع توقع تباطؤ الطلب العالمي بسبب التحول الكهربائي والانتقال الطاقوي، تعطي أبوظبي الأولوية لتسييل احتياطياتها قبل أن تصبح أصولاً عالقة.
شعرت الإمارات بالتخلي عنها أثناء الهجمات الإيرانية، حيث وصف أنور قرقاش موقف مجلس التعاون بأنه "الأضعف تاريخياً". في المقابل، عززت أبوظبي علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مستندة إلى اتفاقيات أبراهام، في تحول نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية. كما توترت العلاقات مع السعودية بسبب ملفات اليمن والصومال والاستراتيجيات الاقتصادية.
ووفقاً لتقارير مؤسسة (ORF)، يعكس الانسحاب إحباطاً من الحصص والقدرات غير المستغلة، بما يعادل 12% من إنتاج أوبك. في حين تصف "بوليسي سيركل" الخطوة بأنها تضعف انضباط الكارتل وتزيد مخاطر حروب الأسعار. ونقلت "غلف نيوز" (2026) عن الوزير سلطان الجابر وصفه الانسحاب بأنه جزء من إعادة ضبط صناعية واقتصادية أوسع تربط الطاقة بالذكاء الاصطناعي والتنويع.
التداعيات على أوبك والطاقة العالمية
انسحاب الإمارات يضعف قدرة أوبك على مواجهة الصدمات، إذ تدير اليوم نحو 35% فقط من الإنتاج العالمي بعد أن كانت تسيطر على أكثر من نصفه. الانقسامات الداخلية تتسع، والسعودية تحتفظ بنفوذ بفضل طاقتها الاحتياطية. بينما يرى البعض أن الانسحاب مكسب جيوسياسي لواشنطن، فإن انخفاض الأسعار قد يضر بمنتجي النفط الصخري الأميركيين الذين استفادوا من ضبط أوبك للإنتاج.
وبحسب تقرير صادر عن تشاتام هاوس (2023)، فقد خلقت اتفاقيات أبراهام روابط اقتصادية ودفاعية عميقة بين إسرائيل والإمارات. كما أورد تقرير لمعهد واشنطن (2025) أن التعاون الدفاعي يشمل نقل الطائرات المسيّرة وتمارين بحرية مشتركة. فيما أشارت صحيفة "إنديا توداي" (2026) إلى أن إسرائيل نشرت أنظمة "آيرون بيم" و"القبة الحديدية" في الإمارات أثناء الهجمات الإيرانية، ما يعزز التكامل العسكري.
الآفاق الاستراتيجية
تتضح من هذه الأزمة عدة مسارات استراتيجية:
• تجزئة استراتيجيات المنتجين: السعودية تسعى لإدارة الندرة والحفاظ على الأسعار المرتفعة، بينما الإمارات تسابق الزمن لتسييل احتياطياتها.
• أمن البنية التحتية: الحرب المسيّرة كشفت هشاشة الأنابيب البديلة، ما يجعل إغلاق هرمز خطراً نظامياً.
• إعادة الاصطفاف الجيوسياسي: الإمارات تتجه نحو واشنطن وتل أبيب، مبتعدة عن الرياض، وهو ما يعيد تشكيل التوازنات الخليجية.
• ضغط الانتقال الطاقوي: الحرب سرّعت إدراك تراجع دور النفط، مع تباين المنتجين بين تعظيم الإيرادات قصيرة الأجل والاستعداد لعالم ما بعد النفط.
وبحسب تقارير صندوق النقد الدولي والجزيرة فإن الاقتصاد الإماراتي المتنوع يتحمل أسعاراً منخفضة، خلافاً للسعودية. وأكد تقرير لـ"غولدمان ساكس" في23 نيسان الماضي، أنه حتى لو أعيد فتح هرمز، فإن تعافي إنتاج النفط في الخليج سيكون بطيئاً بسبب القيود اللوجستية، انخفاض السعة المتاحة لناقلات النفط، وتعقيدات في تدفق الآبار بعد الإغلاق الطويل.
التداعيات العالمية والسيناريوهات المستقبلية
أبرزت أزمة حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد قضية خليجية فقط، بل تحول إلى معضلة عالمية ذات انعكاسات متشابكة:
• الأسواق العالمية: شهدت أسعار النفط والغاز تقلبات غير مسبوقة، فيما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين البحري إلى مستويات قياسية. كما تأثرت أسواق الحبوب والأسمدة نتيجة تعطّل سلاسل الإمداد، ما زاد الضغوط على الأمن الغذائي العالمي.
• التحولات في أمن الطاقة: دفعت الأزمة الاتحاد الأوروبي إلى تسريع مشاريع خطوط الغاز مع الجزائر وشرق المتوسط، فيما أعادت الصين والهند النظر في اعتمادها على الخليج، متجهتين نحو روسيا وآسيا الوسطى.
• المواقف الدولية: واشنطن اعتبرت انسحاب الإمارات من أوبك مكسباً استراتيجياً لكنه يهدد استقرار الأسعار، بينما رأت بكين أن هشاشة أمن الطاقة تستدعي تعزيز شراكاتها مع إيران وروسيا.
• السيناريوهات المستقبلية:
o استمرار الإغلاق الكامل للمضيق سيبقي الأسواق في حالة اضطراب ويعزز البحث عن بدائل استراتيجية.
o فتح جزئي قد يخفف الضغوط لكنه لن يعيد الثقة سريعاً في البنى التحتية الخليجية.
o فتح كامل سيواجه تحديات لوجستية وتعقيدات في إعادة تشغيل الآبار، ما يجعل التعافي بطيئاً.
o على المدى الطويل، تراجع دور أوبك وصعود منتجين من خارجها (البرازيل، غيانا، الولايات المتحدة، الغاز المسال) سيعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية.
سرّعت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، التحولات الهيكلية في حوكمة الطاقة العالمية، وأبرزت هشاشة التدفقات أمام نقاط الاختناق والحرب غير المتكافئة. انسحاب الإمارات من أوبك ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً نحو إعادة الاصطفاف الجيوسياسي وتوازنات الخليج ، التنويع الاقتصادي، وتسييل الاحتياطيات قبل ذروة الطلب. إنه يكرّس تباعداً أوسع بين المنتجين: بين من يتمسك بانضباط الكارتل ومن يسابق الزمن لتسييل الموارد. ضعف تماسك أوبك، إلى جانب مخاطر الحرب المسيّرة، يشير إلى مستقبل مضطرب لسياسات الطاقة الخليجية. المشهد الجيو-اقتصادي للمنطقة يدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعُد النفط مركزاً كما كان، بفعل الحرب والانتقال الطاقوي المتسارع. والأزمة لم تعد محصورة في المنطقة، بل باتت جزءاً من إعادة تشكيل النظام الطاقوي العالمي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن، الاقتصاد، والسياسة الدولية. المستقبل يبدو مضطرباً، مع تراجع دور النفط التقليدي وصعود بدائل جديدة، فيما يظل الخليج في قلب معادلة الطاقة العالمية، لكن بوزن مختلف ومعادلات جديدة.


