في أعقاب كل أزمة بين الهند وباكستان يتكرر المشهد ذاته: كلا الطرفين يعلنان النصر، وكلاهما يرفضان رواية الآخر، ويؤكدان أنهما تحرّكا من موقع القوة. قد تختلف التفاصيل، وتتغير اللغة، لكن السيناريو يبقى ثابتاً إلى حدّ لافت.
هذا ليس أمراً عابراً، بل يعكس واقعاً أعمق في طبيعة الصراعات الحديثة، خصوصاً بين قوتين نوويتين حيث أصبحت الرواية لا تقل أهمية عن القوة، وأحياناً تتفوق عليها. والنتيجة مفارقة واضحة: إذا كان الجميع قد انتصر فما الذي انتُصر فيه فعلاً؟
تحوّل مقابل تحذير
من منظور نيودلهي، تُقدَّم عملية "سندور" باعتبارها نقطة تحول في التفكير العسكري والاستراتيجي. إذ ترى الهند أنها تجاوزت قيود الحذر التقليدي، وانتقلت إلى نمط أكثر حسماً يقوم على الضربات الدقيقة في العمق الباكستاني تحت مبرر مكافحة الإرهاب.
ويُنظر إلى هذا التحول على أنه يعكس تناغماً متزايداً بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وتبنّي مقاربة أكثر جرأة في التعامل مع باكستان كجار نووي.
وفي هذا السياق، تُعتبر "سندور" أكثر من مجرد ردّ تكتيكي، بل إعادة تعريف لسقف الاستجابة الهندية للإرهاب. وهو ما يفرض، في المرحلة المقبلة، ضرورة صياغة مبادئ واضحة وبناء قدرات متقدمة تضمن الاتساق والمصداقية في استخدام القوة، وإدارة التصعيد، والحفاظ على الردع في الأزمات المستقبلية.
في المقابل، تنظر إسلام آباد إلى هذا التحول بقلق بالغ. فمن وجهة نظر باكستان، لا تمثل هذه العمليات تحولاً مشروعاً في العقيدة الأمنية، بل تصعيداً خطيراً يقوّض الاستقرار الإقليمي ويفتح الباب أمام سابقة قد تُستخدم لتبرير ضربات أحادية داخل أراضي دولة ذات سيادة. كما تحذر من أن توسيع نطاق الضربات في العمق، تحت أي مبرر، يزيد من احتمالات سوء التقدير والانزلاق غير المقصود بين قوتين نوويتين.
وترى باكستان أن الحفاظ على الردع لا يتحقق عبر توسيع دائرة العمل العسكري، بل من خلال إعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية، والالتزام بالمعايير الدولية، وتجنب خلق حقائق ميدانية جديدة بالقوة.
وبين هذين المنظورين، يتضح أن ما تعتبره الهند تعزيزاً للردع، تراه باكستان تآكلاً للاستقرار. وهكذا، لا يُنهي هذا التحول الصراع، بل يعيد رسم حدوده بشكل أكثر حدة، وأكثر هشاشة في آنٍ واحد.
ظلّ الدور الخارجي
من السمات المتكررة أيضاً في هذه الأزمات، الدور الهادئ والمثير للجدل سياسياً للقوى الدولية. فدول كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تنخرط خلف الكواليس لدفع التهدئة عبر قنوات غير معلنة وضغوط دبلوماسية.
ويظهر هذا الدور أحياناً في تصريحات علنية. فالتصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب، والتي زعم فيها أنه "أوقف التصعيد" بين الهند وباكستان، تندرج ضمن نمط أوسع من محاولات القوى الكبرى نسب الفضل لنفسها.
هذه الادعاءات ليست بلا أساس بالكامل، لكنها غالباً مبالغ فيها. فالقوى الخارجية يمكنها أن تُسهّل التهدئة، وتسرّع التواصل، وترفع كلفة التصعيد لكنها لا تتحكم في القرار. فالقرار النهائي بالتراجع يُتخذ دائماً في نيودلهي وإسلام آباد، وليس في واشنطن.
ومع ذلك، يتحول هذا الدور المحدود نفسه إلى جزء من معركة الروايات. فالهند ترفض باستمرار أي دور وساطة خارجية، تأكيداً على سيادتها واستقلال قرارها. في المقابل، تميل باكستان إلى إبراز هذا الدور الدولي باعتباره عنصر دعم لموقفها.
وهكذا، تتشكل روايتان متناقضتان حول الواقع ذاته. في قلب كل مواجهة، لا يوجد فقط اشتباك عسكري أو سياسي، بل صراع على تفسير الحدث نفسه. من منظور نيودلهي، تقوم الرواية على أساس أمني واضح. فالهند ترى نفسها ضحية للإرهاب العابر للحدود، وتعتبر أن ردودها تأتي في إطار الدفاع المشروع، وبشكل دقيق ومحدود. وقد شدد وزير الدفاع راجناث سينغ على أن العمليات الأخيرة تمثل تحولاً عن "نهج قديم" قائم على الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية، نحو سياسة أكثر حسماً وردعاً.
وفي هذه الرواية، تؤكد الهند على حقها في الدفاع عن النفس، والاستهداف الدقيق للعناصر المسؤولة عن الهجمات، والاستقلالية الاستراتيجية في اتخاذ القرار.
في المقابل، تطرح إسلام آباد رواية مختلفة تماماً. فباكستان ترفض اتهامها برعاية الإرهاب، وتقدّم نفسها باعتبارها ضحية لاتهامات مسيّسة وتصعيد خارجي. وترى أن العمليات العسكرية الهندية تمثل انتهاكاً للسيادة وتهديداً للاستقرار الإقليمي.
وفي هذه الرواية، تؤكد باكستان على نفي دعم الإرهاب على مستوى الدولة، وحماية السيادة ووحدة الأراضي، واعتبار التحركات الهندية تصعيداً ذا دوافع سياسية، وإبراز دور الدبلوماسية الدولية في احتواء الأزمات.
مفارقة العزل والدور الإقليمي
بعيداً عن ساحة المواجهة المباشرة، يتنامى في دوائر صنع القرار في الهند شعور واضح بالامتعاض تجاه مفارقة استراتيجية لافتة: فبينما سعت نيودلهي لسنوات إلى عزل باكستان سياسياً واقتصادياً، وربطها دولياً بدعم الإرهاب، تجد إسلام آباد نفسها اليوم تُستعاد في بعض الملفات كقناة تواصل أو وسيط محتمل في تفاعلات إقليمية معقدة، تشمل علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران.
من المنظور الهندي، لا يُقرأ هذا التطور كمجرد تقاطع مصالح ظرفي، بل كإعادة تموضع تمنح باكستان هامشاً دبلوماسياً جديداً، قد يخفف من الضغوط التي سعت الهند إلى تكريسها دولياً. وفي المقابل، ترى باكستان في هذا الدور تأكيداً على استمرار أهميتها الجيوسياسية وقدرتها على التأثير في توازنات تتجاوز نطاقها المباشر. وهكذا، يتداخل الصراع الثنائي مع منافسة أوسع على النفوذ والشرعية الدولية.
ما يزيد المشهد تعقيداً أن الخلاف لا يقتصر على الوقائع، بل يمتد إلى تعريفها، فما تسميه الهند مكافحة للإرهاب، تعتبره باكستان عدواناً، وما تصفه الهند بردّ دقيق ومدروس، تراه باكستان استفزازاً. كذلك، ما تعتبره الهند سيادة في القرار، تراه باكستان تجاهلاً للمعايير الدولية.
كل طرف يبني رواية متماسكة داخلياً، ومؤثرة سياسياً، ومتوافقة مع مصالحه الاستراتيجية. ما تغيّر بشكل جذري في السنوات الأخيرة هو دور المعلومات. فالصراعات لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل على شاشات التلفزيون، ومنصات التواصل، وخوارزميات التأثير. الروايات المتضاربة، والتسريبات الانتقائية، والمحتوى الفيروسي أصبحت تشكل الرأي العام في الوقت الحقيقي. في هذا السياق، تصبح الحقيقة نفسها ساحة معركة.
الخلاصة أن عملية "سندور" لم تحسم الصراع، ولم تغيّر ميزان القوى. ما فعلته هو أخطر من ذلك: جعلت استخدام القوة أسهل والتراجع أصعب. وفي صراعٍ كهذا، لا تكمن الكارثة في الضربة الأولى بل في الضربة التي تُفسَّر بشكل خاطئ. السؤال الحقيقي ليس من انتصر بل: كم مرة يمكن للطرفين أن يقتربا من الحافة قبل أن يسقطا؟




