العراق أمام معضلة هرمز

شفيق طاهرالاثنين 2026/05/11
Image-1776490031
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست أزمة العراق الاقتصادية اليوم في كمية النفط التي ينتجها، بل في قدرته على إيصال هذا النفط إلى الأسواق العالمية. فالعراق، الذي اعتاد أن يبني موازناته على تدفق شبه مضمون للنفط من موانئ الجنوب، وجد نفسه فجأة أمام معادلة قاسية، تراجع كبير في تصدير النفط، وبالتالي تراجع في إيرادات الدولة، إذا أغلق الطريق البحري الذي يخرج نفطه إلى العالم.

 

إغلاق المضيق يكشف هشاشة الدولة النفطية

كان إغلاق مضيق هرمز السبب المباشر في تراجع صادرات النفط العراقية، إذ جعل عمليات التصدير المعتادة من موانئ البصرة شبه مستحيلة. تكمن خطورة الأزمة، في أن البصرة ليست منفذاً بحرياً عادياً، بل الرئة الأساسية التي يتنفس منها الاقتصاد العراقي. وعندما يتعطل هذا الشريان، لا تتراجع أرقام التجارة فقط، بل تهتز قدرة الدولة على تمويل رواتب موظفيها ومتقاعديها وشبكات الرعاية الاجتماعية.

خلال أشهر قليلة، انكشفت هشاشة النموذج المالي العراقي. فبعد أن بلغت عائدات النفط في شباط/فبراير نحو 6.8 مليارات دولار، هبطت في آذار/مارس إلى نحو ملياري دولار فقط، قبل أن تتراجع تقديرات نيسان/أبريل إلى ما بين 1.2 و1.4 مليار دولار. هذه الأرقام لا تعني تراجعاً مالياً عادياً، بل صدمة عميقة لدولة تعتمد على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد لتمويل جهازها العام.

 

طرق بديلة لا تعوض البصرة

حاول العراق، بعد تراجع صادرات النفط الجنوبية نتيجة إغلاق هرمز، أن يستخدم ما لديه من مسارات بديلة. من الشمال، عاد خط كردستان جيهان ليؤمن جزءاً من التدفق النفطي، بمعدلات تراوحت بين 160 و200 ألف برميل يومياً. ومن الجنوب، لم تعد البصرة تعمل كما كانت، بل تحولت إلى منفذ محدود تمر منه شحنات استثنائية متفرقة، لا يمكن أن تعوّض التدفق الطبيعي للنفط الخام.

وفي موازاة ذلك، بقي التصدير عبر الشاحنات عن طريق الأردن البري، بكميات محدودة، ثم برز مسار جديد أكثر تعقيداً عبر الشاحنات التي تنقل زيت الوقود، لا النفط الخام، من الأنبار إلى الأراضي السورية، في اتجاه بانياس. لكن هذا المسار لا يمكن التعامل معه كبديل حقيقي عن صادرات النفط الخام، فزيت الوقود يُباع بخصومات كبيرة، وتكاليف نقله أعلى، وإيراداته أقل بكثير من قيمة النفط الخام لو وصل إلى الأسواق عبر الموانئ المعتادة.

بمعنى آخر، ما جرى لم يكن إعادة هندسة ناجحة للصادرات، بل إدارة اضطرارية للأزمة. فالعراق لم يجد بديلاً عن موانئ الخليج لتصدير نفطه، بل وجد مخارج مؤقتة تمنحه بعض الوقت. والوقت، في الأزمات المالية، قد يكون ضرورياً، لكنه لا يكفي إذا لم يتحول إلى سياسة اقتصادية واضحة.

 

من أزمة تصدير إلى أزمة ثقة

المشكلة المالية العراقية أن فاتورة الرواتب والمعاشات والرعاية الاجتماعية وحدها تقترب من 5.45 مليارات دولار شهرياً. أي أن إيرادات نيسان الماضي، لم تغطّ سوى ربع الالتزامات الاجتماعية الأساسية، وذلك، قبل الحديث عن الاستثمار، أو تشغيل الوزارات، أو تسديد مستحقات المقاولين، أو تمويل الخدمات العامة.

لا يمكن القول إن العراق على حافة الإفلاس الفوري. فاحتياطياته من النقد الأجنبي لا تزال كبيرة، والدولة العراقية قادرة، في المدى القصير، على الاقتراض الداخلي، وتأجيل بعض المدفوعات، وضغط الإنفاق غير الضروري، وجعل الرواتب أولوية سياسية وأمنية. لكن هذه القدرة ليست بلا حدود. فكل يوم تمضي فيه الأزمة على هذا النحو يعني مزيداً من الضغط على الاحتياطي، ومزيداً من القلق في السوق، ومزيداً من الحساسية تجاه سعر الدينار.

أزمة إغلاق مضيق هرمز تكشف ما هو أعمق من تعطل صادرات النفط من موانئ الجنوب العراقي. إنها تكشف دولة ضخمة الإنفاق، تعتمد على مورد واحد وممر واحد، وتؤجل منذ سنوات الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. العراق لا يحتاج فقط إلى فتح طريق جديد لتصدير النفط، بل إلى فتح طريق جديد للاقتصاد كله.

فإذا بقيت الرواتب معلقة على ناقلة، والموازنة مرتبطة بمضيق، والدينار أسيراً لسعر البرميل، فإن أي أزمة آتية ستعيد السؤال نفسه بصورة أشد، إلى متى تستطيع دولة غنية أن تعيش كأنها فقيرة عند أول اختبار؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث