تتهيأ حركة "فتح" لعقد مؤتمرها الثامن الخميس المقبل، الموافق 14 أيار/ مايو، على وقع صراعات معلنة وأخرى تدور خلف الكواليس، بالتزامن مع حراكات واجتماعات تشهدها الساحات الأربع التي ستُجرى فيها الانتخابات، وهي رام الله وغزة ولبنان ومصر؛ بهدف بناء تحالفات ضامنة لصعود أسماء محددة وإقصاء أخرى.
وبالرغم من أن غالبية أعضاء المؤتمر يشاركون بحكم مواقعهم التنظيمية بنسبة 60 في المئة، فإن اللجنة التحضيرية تتحكم بالنسبة المتبقية، وهذا ما يمنح قيادة الحركة والسلطة هامشًا آخر لهندسة توليفة انتخابية تُبقي على شخصيات تقليدية وتدفع بوجوه جديدة، بما يكرس هيمنة نهج عباس وتياره داخل بنية الحركة والسلطة، وهي خطوة يراها فلسطينيون "التفافاً" على المطالب الفلسطينية المتصاعدة لإصلاح سياسي حقيقي وشامل، في ظل خطورة المرحلة والتوتر الإقليمي المتصاعد.
السيناريو المرجّح
بتفصيل أوسع، ماذا قد تفرزه انتخابات المؤتمر الثامن لحركة "فتح" في ضوء "الكواليس" والتحالفات المسبقة؟
بحسب ما تحدث به قيادي مقرب من عباس إلى "المدن"، فإن الترجيحات تشير إلى تغييرات كبيرة باللجنة المركزية للحركة قد تشمل نحو 9 أعضاء جدد من أصل 19 عضوًا، أي بمقدار النصف أو أقل قليلا، رغم أن كثيرًا من الترتيبات ما تزال غير محسومة نهائيًا. في حين قدرت مصادر سياسية في رام الله لـِ "المدن"، وجود حظوظ مرتفعة لكل من ياسر عباس (نجل الرئيس الفلسطيني)، إضافة إلى أحمد عساف وليلى غنام والأسير المحرر زكريا الزبيدي، مع احتمالات انضمام حسام زملط وماجد فرج إلى اللجنة المركزية.
نجل عباس.. نحو المركزية؟
ولتسويق ياسر عباس (64 عاما) والتمهيد لدمجه رسمياً بالمرحلة المقبلة، فإن نشاطه تصاعد مؤخراً، من خلال ظهوره بصفة "الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني" في ملف المخيمات الفلسطينية في "ساحة لبنان"، إضافة إلى زياراته لقيادات الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية في رام الله، ومشاركته في ترتيبات التحشيد لعملية التصويت في مؤتمر "فتح" الثامن.
ورداً على سؤال "المدن" بشأن دستورية تولي ياسر عباس مهام رسمية وإمكانية نيله عضوية بمركزية "فتح"، قال قيادي مقرب من الرئاسة الفلسطينية، إن إدخال أبناء القيادات إلى اللجنة المركزية "ليس جديدا" في تاريخ الحركة، بدعوى أن أبناء مؤسسين فتحاويين شغلوا مواقع قيادية، معتبرا أنَّ "عباس هو مؤسس أيضاً، ومن حق نجله ياسر الترشح".
ووفق مصادر "المدن"، يشهد المجلس الثوري تخمة في عدد المرشحين المقدر بالمئات، مع توقعات بتغييرات واسعة في الوجوه والتوازنات داخله أيضا.
انتخابات "فتح".. لتأسيس "تغييرات" بالمنظمة!
ويُنظر إلى المؤتمر الثامن لحركة "فتح" كمرحلة تمهّد لترتيبات أوسع تطال منظمة "التحرير" خلال الأشهر المقبلة. ووفق مصادر سياسية لـِ "المدن"، فإن مخرجاته ستشكّل أساسًا لـِ "تغييرات" في بنية المنظمة ضمن "كواليس" سياسية جارية.
واعترف قيادي من تيار عباس لـِ "المدن" بأن الانتخابات هي أحد بنود المؤتمر؛ أي هي جزء رئيسي من مسار أوسع لإنتاج "توازنات" سياسية تنعكس على الحالة الفلسطينية، وترتبط بانتخابات منظمة "التحرير" مطلع تشرين أول/ نوفمبر تحت عنوان "الإصلاح السياسي وتجديد النظام السياسي"، بحسب قوله.
ووفق هذا القيادي، فإن اللجنة التحضيرية حددت ملامح المجلس الوطني المرتقب، وقلصته ب 350 عضوًا، بواقع 200 من الشتات و150 من الداخل (الضفة وغزة)، إلى جانب تحديد النظام الانتخابي وقانون الأحزاب والدستور المؤقت ضمن "خطة الإصلاح السياسي"، بحيث يمثّل جميع الأعضاء برلمان منظمة "التحرير"، فيما يشكّل أعضاء الداخل برلمان "دولة فلسطين" أي السلطة.
اليوم التالي.. للمؤتمر الثامن
في العموم، يهدف مؤتمر "فتح" الثامن إلى إحداث تغييرات كبيرة وعمليات فرز واستبعاد، على نحو يعزز نهج عباس ويكرسه الآن وغداً، مع محاولة إضفاء "شرعية" عليه، وبما يرتبط بالترتيب لمرحلة ما بعد عباس، مع المحافظة على أسماء تقليدية ضمن التوازنات المناطقية والسياسية، وأيضا مراعاة لبقاء شخصيات أو إدخال أخرى بتأثير من دول إقليمية، بحسب ما يقوله عضو المجلس الوطني الفلسطيني سمير عويس لـِ "المدن".
وأوضح عويس أنه علم من شخصيات فتحاوية في لبنان وساحات أخرى، أنها لا تعلم تماما بالترتيبات التي يريدها عباس والدائرة المقربة، لدرجة أنهم أشاروا إلى إمكانية تجلي الصورة أكثر قبل يومين من انعقاد المؤتمر الثامن، وهو ما يؤكد احتكار مقر الرئاسة في رام الله ل"كولسات" هادفة إلى إخراج سيناريو محدد في بنية "فتح" والمنظمة والسلطة.
كما تطرق عويس إلى ياسر عباس، مشيراً إلى أن تدخله بتفاصيل التحضيرات للانتخابات في الساحات والاقاليم، وكذلك الصندوق القومي وملف المخيمات الفلسطينية في لبنان، بما شمل شؤون الشهداء والجرحى، توحي كلها إلى أنه يتجه نحو نيل عضوية اللجنة المركزية للحركة، وربما مهمة ما في المنظمة.
رسم لخارطة النفوذ
ولا تقتصر التغييرات المرتقبة داخل "فتح" ومنظمة التحرير على إعادة تشكيل المواقع التنظيمية فحسب، بل تمتد إلى رسم خارطة الصلاحيات والنفوذ وموازين القوى في أروقة دوائر صنع القرار الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة، بما في ذلك حدود صلاحيات نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.
ووفق مصادر "المدن"، فإن صلاحيات الشيخ لا تزال مقيدة وبعيدة من أن تكون حاسمة، في ظل حرص الرئيس الفلسطيني محمود عباس والدائرة الضيقة المحيطة به، على إبقاء السيطرة مركزة بأيديهم، بموازاة ولاء رؤساء الأجهزة الأمنية للرئيس.
وبالرغم من أن استحداث منصب "نائب رئيس دولة فلسطين" جاء أساسًا ضمن حزمة "إصلاحات" ضغطت باتجاهها أطراف إقليمية وغربية، إلا أن عباس لا يزال ممسكا بمفاصل أمور السلطة، وهذا ما يجعل أي تغييرات قادمة، محكومةً بسقف التوازنات التي يرسمها هو وموالوه على أساس المصالح والموازين.




