منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1978 ثم في العام 1982، تشكّل في الجنوب نمط من المواجهة غير المتكافئة عُرف بما يمكن تسميته "تكتيكات الثمانينيات"، حيث برزت العمليات التفجيرية ضد الأهداف العسكرية كأداة صادمة هدفت إلى إرباك القوات الإسرائيلية وحلفائها، وإعادة صياغة معادلة الكلفة والوجود داخل بيئة احتلال مباشر. وقد ارتبطت هذه التكتيكات بسياق سياسي وتنظيمي وأيديولوجي محدد، وأسهمت آنذاك في دفع إسرائيل إلى إعادة تقييم انتشارها العسكري والتدرج نحو الانسحاب من أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني. غير أن استحضار هذه الأنماط اليوم يثير تساؤلات معقدة في ظل واقع مختلف جذرياً، سواء على مستوى تطور القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية، أو تغيّر بنية الفاعلين وشبكات الردع التي تحكم المواجهة الراهنة.
من هنا، يحاول هذا المقال، بعد تصريحات قيادات من حزب الله باحتمالية العودة إلى هذه الاستراتيجية القتالية، تفكيك طبيعة تلك العمليات ومدى تأثيرها التاريخي، قبل الانتقال إلى الحاضر لبحث احتمالات إعادة تفعيل بعض أنماطها في ظل التحولات العسكرية والتقنية المعاصرة، وكيف تفكر إسرائيل في مواجهة هذا الاحتمال عبر استراتيجيات تقوم على الضربات الدقيقة، وتعزيز المراقبة الرقمية، وتقليص الاحتكاك البري المباشر. كما يتناول الكيفية التي ظهرت بها بعض هذه الأنماط فعلياً خلال حرب الإبادة على غزة، ضمن سياق جديد يجمع بين إرث حرب العصابات القائم على الاستنزاف وتقنيات الحرب الخوارزمية، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود الماضي في تفسير الحاضر وإمكانات تكرار أدواته في معادلة لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل أربعة عقود.
زلزال العمليات الاستشهادية
ارتبطت تكتيكات الثمانينيات بسياق سياسي واجتماعي معقد، إذ كان الجنوب اللبناني يرزح تحت وطأة احتلال مباشر يسعى إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة. وفي ظل هذا الاختلال الهائل في موازين القوى التقليدية، رأت المقاومة الناشئة آنذاك أن المواجهة الجبهية تمثل انتحاراً عسكرياً غير مجدٍ، الأمر الذي دفعها نحو تبني استراتيجيات الاستنزاف القائمة على الضربات النوعية الصادمة. وهكذا، جاءت عملية صور الأولى، التي نفذها الشاب أحمد قصير في الحادي عشر من نوفمبر عام 1982، بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة هذا النمط القتالي الذي حطَّم أسطورة الأمن الإسرائيلي في قلب مقراته الحصينة.
تبرز وقائع هذه العملية ضمن معطيات تاريخية فارقة، إذ استهدفت مقر الحاكم العسكري والقيادة الإسرائيلية في صور، وأسفرت عن مقتل 91 شخصاً، من بينهم 76 عسكرياً وضابطاً إسرائيلياً برتب متفاوتة، إضافة إلى عناصر من جهاز "الشاباك" وحرس الحدود. كما أن الصدمة التي أحدثتها هذه العملية تجاوزت مجرد الخسارة البشرية؛ إذ ضربت في صميم العقيدة الأمنية التي كانت تظن أن السيطرة الجغرافية تعني بالضرورة إخضاع السكان وتأمين القوات. أما على مستوى التفاصيل الدقيقة، فقد نُفذت العملية بإشراف مباشر من القيادي الراحل في حزب الله عماد مغنية، حين اقتحم قصير المقر بسيارة تحمل 50 كغم من المواد المتفجرة، مدعومة بأسطوانات غاز لتعظيم الأثر التدميري.
في المقابل، مارست المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بتواطؤ مع المستوى السياسي، عملية تزييف واسعة للحقائق التاريخية المتعلقة بانفجار صور عام 1982. وعلى مدى عقود طويلة، جرى الترويج لرواية مفادها أن انهيار المبنى كان نتيجة انفجار أسطوانات غاز داخل المطبخ، في محاولة بائسة لتقليل حجم الخرق الأمني والمعنوي الذي أحدثته المقاومة. واستمر هذا الإنكار قرابة اثنين وأربعين عاماً، إلى أن كشف فريق تحقيق رسمي مشترك من الجيش و"الشاباك" والشرطة في يوليو من عام 2024 أن الحادث كان هجوماً انتحارياً مخططاً له بدقة.
من هنا، فإن استحضار هذه الحقائق اليوم يثبت أن تكتيكات الثمانينيات كانت قادرة على إحداث حالة من "الارتباك الاستراتيجي" لدى العدو، الأمر الذي دفعه إلى إعادة تقييم انتشاره العسكري والانسحاب التدريجي نحو "المنطقة الأمنية" بحلول عام 1985. كما اعتمدت المقاومة في تلك الفترة على "العين البشرية" والمراقبة الميدانية البسيطة، مستغلة الثغرات في الإجراءات الأمنية التقليدية التي لم تكن تتوقع هذا المستوى من التضحية والابتكار القتالي.
وتميزت تكتيكات تلك الحقبة بالارتباط العضوي بين المقاتل وبيئته الحاضنة، إذ كان العمل العسكري ينبثق من صلب المجتمع المقاوم، فيما اعتمد المقاتلون على الكمائن السريعة، والعبوات الناسفة المزروعة على طرق الإمداد، وعمليات القنص، وهي أدوات تبدو متواضعة تقنياً، غير أنها تتسم بفعالية عالية في استنزاف الروح المعنوية للجنود الإسرائيليين. كذلك تمثل الهدف الاستراتيجي من هذه العمليات في رفع كلفة الاحتلال إلى حد يفوق المكاسب السياسية أو الأمنية المتوخاة منه، وهو ما تحقق بالفعل عبر سلسلة من العمليات التي جعلت من البقاء الإسرائيلي في لبنان جرحاً نازفاً لا يتوقف.
ومع مرور الوقت، تطورت بنية الفاعلين في تلك الفترة من مجموعات صغيرة مشتتة إلى تنظيمات أكثر انضباطاً وأيديولوجية، حيث لعب الدعم الإقليمي دوراً محورياً في توفير الخبرات الفنية والمواد المتفجرة. ومع ذلك، بقيت "المبادرة الفردية" المحرك الأساسي؛ إذ كان المقاتل في الثمانينيات يتمتع بهامش واسع من الحركة بعيداً عن أجهزة الرصد التكنولوجية التي تهيمن على سماء المعارك اليوم.
الذكاء الاصطناعي في العقيدة الإسرائيلية
مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في العقد الأخير، انتقلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى مرحلة "الرقمنة الشاملة" للحرب. فلم يعد الهدف يقتصر على مجرد الرد على العمليات، وإنما اتجهت العقيدة نحو "الاستباق الخوارزمي" الذي يسعى إلى تصفية التهديدات قبل تبلورها. وفي حروب غزة الأخيرة، وتحديداً حرب الإبادة منذ أكتوبر عام 2023، أطلق الجيش الإسرائيلي العنان لأنظمة ذكاء اصطناعي مرعبة، حوّلت قطاع غزة إلى مختبر مفتوح لتقنيات القتل الآلي.
ويُعد نظام "لافندر" (Lavender) الذروة التي وصل إليها العقل الاستخباراتي في توظيف البيانات الضخمة لأغراض التصفية الجسدية؛ إذ يقوم هذا النظام بتحليل المعلومات المجمعة عن 2.3 مليون إنسان في غزة، ويصنفهم وفق مقياس احتمالية انتمائهم للفصائل المسلحة. كما أن هذا التحول يعني أن "الهدف العسكري" لم يعد يُحدد استناداً إلى نشاط ميداني ملموس، وإنما وفق "نمذجة سلوكية" تخطئ وتصيب بنسبة تصل إلى 10%.
كما تتعدد الأنظمة التي يستخدمها الاحتلال لتشكيل ما يسمى "مصنع الأهداف"، وهي منظومة متكاملة تبدأ من الرصد وتنتهي بالضغط على زر الإطلاق. فإلى جانب نظام "لافندر"، يبرز نظام "هبسورا" (The Gospel) الذي يختص بتحديد الأهداف الجغرافية والمنشآت، منتجاً مئات الأهداف يومياً بشكل تلقائي لضمان استمرار القصف المكثف. ومن الناحية اللوجستية، يظهر نظام "مصنع النيران" (Fire Factory) لإدارة جداول الضربات وحساب الذخيرة المطلوبة بدقة. أما في الميدان، فيستخدم الاحتلال تطبيق "الذئب الأزرق" (Blue Wolf) للتعرف على الوجوه ومراقبة الفلسطينيين عبر الهواتف الذكية، في حين يتولى نظام "عمق الحكمة" تحليل البيانات الجيوفيزيائية لرسم خرائط دقيقة لشبكات الأنفاق التحت أرضية.
في هذا السياق، فإن استخدام هذه التكنولوجيا، خاصة نظام "هبسورا" في حرب 2024، أتاح للجيش الإسرائيلي إنتاج أهداف بمعدلات غير مسبوقة؛ فبينما كان الجيش يجد صعوبة في توفير 50 هدفاً سنوياً في السابق، أصبح النظام ينتج 100 هدف يومياً، الأمر الذي يفسر حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية في غزة. كما يسعى هذا النمط من الحروب إلى تقليص الاحتكاك البري المباشر، وتفادي فخ الاستنزاف الذي ميز فترة الثمانينيات، عبر الاعتماد على التفوق الجوي المسند بالخوارزميات.
وتثير هذه التكنولوجيا تساؤلات معقدة حول "أنسنة الحرب" وحدود المسؤولية القانونية. وتشير الشهادات المسربة من ضباط استخبارات إسرائيليين إلى أن الاعتماد على نظام "لافندر" جعل من المراجعة البشرية للأهداف مجرد "ختم شكلي" لا يستغرق أكثر من 20 ثانية لكل هدف. علاوة على ذلك، فإن العقيدة العسكرية الحالية تسمح بقتل ما بين 15 إلى 20 مدنياً كأضرار جانبية عند استهداف مقاتل عادي، وقد يصل الرقم إلى المئات عند استهداف قيادي بارز.
هل تفشل الخوارزمية؟
بالرغم من السطوة التكنولوجية الهائلة، أثبتت التجربة الميدانية في غزة ولبنان خلال الأعوام الماضية، أن هناك حدوداً واضحة لما يمكن للذكاء الاصطناعي تحقيقه أمام إرادة المقاومة وتكتيكاتها المبتكرة. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تباهي بـِ "مصنع الأهداف"، كانت المقاومة تعود إلى الجذور، متبنيةً ما يمكن وصفه بـِ "حرب الأشباح" أو "التكتيكات تحت الأرضية" التي تعطل مفعول الأجهزة الرقمية.
وتقوم استراتيجية المقاومة المضادة على تحويل الميدان إلى مساحة عمياء للذكاء الاصطناعي؛ ففي مواجهة المسح الشامل بالمسيرات، تلجأ المجموعات المقاتلة إلى التخفي في شبكات الأنفاق العميقة. وحين يسعى الاحتلال إلى تحديد المواقع عبر تتبع الهواتف، تعتمد المقاومة على شبكات اتصال سلكية بدائية تحبط محاولات التجسس الرقمي. بناءً على ذلك، تجري مواجهة القصف المساحي بالانتشار في خلايا صغيرة جداً لتقليل الخسائر، كما يتم تعطيل الروبوتات والكلاب الآلية عبر تفخيخ مداخل الأنفاق بعبوات ضغطية يدوية الصنع.
في السياق نفسه، تعتمد المقاومة اليوم في مواجهة التوغل البري الإسرائيلي على تقنيات الاستدراج التي تذكرنا بعمليات خلدة وصور في الثمانينيات، ولكن بأدوات أكثر فتكاً مثل قذائف الياسين 105 وعبوات "العمل الفدائي". ويتم نصب الكمين بحيث يجري تحييد التفوق التكنولوجي للآليات عبر الضرب من مسافة الصفر، وهي المسافة التي يصبح فيها نظام "فاير ويفر" أو "الذئب الأزرق" عديم الفائدة لأن الاشتباك أصبح جسدياً ومباشراً.
من هنا، فإن ما جرى في غزة، وما يلوح في أفق جنوب لبنان، يشير إلى أن إسرائيل تجد نفسها أمام معضلة كبرى؛ فالتكنولوجيا التي تبرع فيها تمنحها القدرة على التدمير، غير أنها تعجز عن منحها القدرة على السيطرة الكلّية أو الحسم العسكري النهائي. لقد تحول المقاتل المقاوم إلى "شبح" رقمي لا يترك بصمة خلفه، الأمر الذي يضطر الجيش الإسرائيلي في نهاية المطاف إلى الاحتكاك البري الذي يخشاه، لتبدأ مجدداً دورة الاستنزاف التي أخرجته من لبنان عام 2000.
وفي المقابل، بينما يجري أحياناً تصوير المواجهة الراهنة بوصفها مجرد تكرار لتكتيكات الثمانينيات، يكشف الواقع أننا أمام "هجين" قتالي جديد يدمج بين الإرث الكلاسيكي لحرب العصابات وبين تعقيدات الحرب الرقمية الحديثة. فالمقاومة اليوم تجمع بين الروح الاستشهادية القديمة وبين محاولة فهم، تنجح أحيانا، للثغرات التكنولوجية الإسرائيلية، كما أن استحضار نموذج أحمد قصير لم يعد يعني بالضرورة تكرار عملية بسيارة مفخخة، وإنما يعبر عن القدرة على إنتاج "صدمة عسكرية" غير متوقعة تتجاوز حدود التنبؤ الخوارزمي وتربك منظومات الرصد والسيطرة، وهذا ما شهدته إسرائيل حين توسعت الحرب في لبنان بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2024، حيث قتل عشرات الجنود الإسرائيليين في العملية البرية جنوب لبنان بالاشتباك الجسدي من مسافات قريبة جداً.
أما إسرائيل، فتسعى جاهدة إلى تفادي "وحل لبنان" الجديد عبر تشديد المراقبة الرقمية وتوسيع نطاق السيطرة الجوية الشاملة، وهو أيضا ما يمنحها قدرة كبيرة على تعقب المقاتلين واستهدافهم قبل الوصول إلى "مسافة الصفر"، الأمر الذي قلّص من فعالية كثير من أساليب الاشتباك التقليدية ومنح التكنولوجيا دوراً حاسماً في تقليل الخسائر الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي خلق في الوقت نفسه نوعاً من "العمى الميداني"، حيث تتراجع القدرة على تقدير العامل البشري خارج نطاق الشاشات والبيانات، وهو ما يفتح ثغرات تستفيد منها تكتيكات حرب العصابات المتجددة كلما فُرض على الجيش الإسرائيلي الاحتكاك البري المباشر.
نهايةً، يبدو أن الصراع في المنطقة انتقل من "التكافؤ في الإرادات" إلى "صراع الإرادة ضد الآلة"، حيث تظل تكتيكات الثمانينيات مرجعاً أساسياً لأي جهد مقاوم يسعى لكسر التفوق المادي، مع استمرار تطويرها بما يواكب عصر البيانات الضخمة. وقد أظهرت الحرب في غزة أن التكنولوجيا الإسرائيلية، رغم دقتها، تعجز عن فهم "سيكولوجية المقاتل" غير القابل للاختزال في نماذج رياضية، فيما أدى الاعتماد المفرط على الأنظمة الخوارزمية إلى فشل الحسم العسكري وتوسيع نطاق الدمار دون إنهاء بنية المقاومة، مع عودة الاستنزاف كعامل ضاغط على الاقتصاد والردع. كما برزت الأنفاق والكمائن كوسائل تعطل التفوق التقني وتعيد فرض الاشتباك البشري المباشر، لتصبح معادلة القوة مرتبطة بالقدرة على التخفي من المراقبة الرقمية واستهداف ثغراتها، بما يجعل إرث الثمانينيات حاضراً كفلسفة، ربما تنجح، لو بشكل جزئي، أمام منظومات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية.




