أفادت صحيفة "الغارديان البريطانية" في تقرير نشرته السبت، بأن المناوشات النارية بين إيران والولايات المتحدة تُظهر مدى خطورة الوضع في الشرق الأوسط. وقالت الصحيفة إنه رغم أن الضربات الأميركية التي شُنّت في وقت متأخر من مساء الخميس كانت مجرد "مناوشة ودية"، بحسب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن الواقع يشير إلى أنه لا يمكن لأي من الطرفين الاستمرار في هذه المواجهة الخطيرة في مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى.
وبحسب التقرير، أظهرت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تفوقاً عسكرياً شاملاً على إيران، حيث تكبدتا خسائر ضئيلة خلال الحرب التي استمرت 38 يوماً، غير أن واشنطن فشلت في ترجمة ذلك إلى هيمنة استراتيجية، وسمحت لإيران بالسيطرة على المضيق، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.
انهيار مشروع الحرية
وأشار التقرير إلى أن أبرز تطورات هذا الأسبوع كان انهيار مشروع ترامب المعروف باسم "مشروع الحرية" يوم الثلاثاء بعد 50 ساعة فقط. وكان المقترح الأميركي الأحادي الجانب يهدف إلى إنشاء منطقة آمنة للسفن التجارية على الجانب الجنوبي العماني من المضيق، باستخدام أكثر من 100 طائرة مقاتلة وعدة مدمرات بحرية، وقد استفادت سفينتان تجاريتان من هذا المشروع.
لكن المشروع انتهى وسط اعتراضات سعودية، إذ لم يتم التشاور مع الرياض قبل إطلاقه، ورفضت السعودية السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي وقواعدها، خشية أن يؤدي "مشروع الحرية" إلى إعادة إشعال حرب شاملة. كما لم يُناقش المشروع مع شركات الشحن الكبرى، ولم يكن واضحاً مدى فعاليته.
ونقلت الصحيفة عن محرر مجلة "لويدز ليست" المتخصصة في صناعة الشحن، ريتشارد ميد، قوله هذا الأسبوع: "لم يتم التواصل مع أي من المنظمات الصناعية الكبرى التي نعرفها من قبل الولايات المتحدة لعقد أي نوع من جلسات الإحاطة". وأضاف: "لا تزال فرق الأمن في المنطقة غير متأكدة مما يحدث، ولم يكن لدى أي من مالكي السفن الذين تحدثت إليهم خلال الـ24 ساعة الماضية أي ثقة بأن هذا سيغير أي شيء".
تهديدات إيران قائمة
وأوضح التقرير أن إيران لا تزال قادرة على تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز وإلحاق الضرر بها، ما قد يؤدي فعلياً إلى توقف حركة الملاحة البحرية الأخرى. ولا تزال أكثر من 1550 سفينة عالقة في الخليج، بينما لم تعبر أي سفن تجارية المضيق يومي الأربعاء والخميس، وفقاً لبيانات "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس".
ونقلت الغارديان عن الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في معهد الخدمات الملكية المتحدة للأبحاث، بورجو أوزجيليك، قولها: "لقد أثبتت إيران أنها خصم قوي، حيث أظهرت مرونة لم يتوقعها الكثيرون ممن كان ينبغي أن يكونوا أكثر دراية". وأضافت: "أراد ترامب نصراً سريعاً، ولم يكن مستعداً لإشراك القوة العسكرية الكبيرة التي كانت ستكون مطلوبة لإزاحة النظام بشكل صحيح".
نظام إيران راسخ
ورغم أن عملية صنع القرار تبدو متشرذمة، وأن صحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لا تزال غير مؤكدة علناً، فإن معظم التقييمات وفق الصحيفة، تشير إلى أن نظام طهران قد ترسخ في الوقت الراهن بفعل حملة القصف التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المسربة هذا الأسبوع إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنسبة 70 في المئة من صواريخها و75 المئة من منصات إطلاقها، وقد تحتفظ أيضاً بنصف طائراتها المسيرة الهجومية من طراز شاهد.
وأضاف التقرير أن إيران تبدو واثقة من قدرتها على رفض مطالب الولايات المتحدة بإنهاء برنامجها النووي بالكامل، بما يتضمن دعوات لتفكيك مواقعها النووية، ووقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاماً، وتسليم مخزونها من اليورانيوم شبه القابل للتخصيب.
وتلاحظ إيران، وفق التقرير، أن ترامب يبدو غير راغب في استئناف حملة قصف شاملة، ربما في ضوء انخفاض مخزون الصواريخ الأميركية المتطورة بنسبة تتراوح بين الربع والنصف خلال حملة "إبيك فيوري" التي بلغت تكلفتها 25 مليار دولار.
شكوى من طهران
وقال التقرير إن دبلوماسيين تعاملوا مع المفاوضين الإيرانيين يشتكون من أن طهران تتصرف وكأن لديها متسعاً من الوقت، وهو أمر غير صحيح. كما أن الحصار الأميركي الموازي شرق المضيق، حيث تعمل حالياً مجموعتان من حاملات الطائرات الأميركية، يمنع إيران من تصدير نفطها الخام.
وأضاف أن القيادة المركزية الأميركية أعادت 52 سفينة منذ 13 أبريل/نيسان، وهناك تقارير من داخل إيران عن ارتفاع التضخم والبطالة وعدم دفع الأجور.
وأشار التقرير إلى أنه يوم الأربعاء، سعى كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إلى دعم المقاومة الإيرانية، مدعياً أن الولايات المتحدة تسعى إلى "تدمير وحدة البلاد" من خلال "حصار بحري، وضغوط اقتصادية، وتلاعب إعلامي".
وأضاف التقرير أن تقييماً استخباراتياً أميركياً سُرّب إلى صحيفة واشنطن بوست هذا الأسبوع، أشار إلى أن إيران قد تصمد لثلاثة إلى أربعة أشهر قبل أن تواجه صعوبات اقتصادية أشد. وختمت الغارديان بالإشارة إلى أن إيران لا تملك حلفاء مقربين في هذه المرحلة من العزلة.




