تشهد البحار الشمالية الأوروبية، من بحر البلطيق إلى بحر الشمال، تصاعداً ملحوظاً في وتيرة التحضيرات العسكرية وإعادة التموضع البحري بين روسيا والدول الأوروبية، في سياق يعكس تحولاً متسارعاً في البيئة الأمنية للقارة منذ الحرب في أوكرانيا. هذه التحركات تكشف عن مرحلة جديدة من رفع الجاهزية وتعزيز الردع، خصوصاً في المناطق البحرية الحساسة التي باتت تحتل موقعاً مركزياً في الحسابات الاستراتيجية للطرفين.
قبل أيام، أعلنت بريطانيا إنشاء قوة بحرية أوروبية مشتركة تضم 10 دول، بهدف تعزيز التنسيق البحري ورفع سرعة الاستجابة في بحر البلطيق وبحر الشمال. وتكمن أهمية هذه القوة في طبيعة تشكيلها، إذ تعمل هذه الدول للمرة الأولى على دمج قدراتها البحرية تحت قيادة عملياتية موحدة مقرها لندن، مع خطط حرب مشتركة، وتدريبات موحدة، وتكامل مباشر بين السفن الحربية والغواصات والطائرات المسيّرة البحرية.
في المقابل، تعمل روسيا على تطوير قوتها البحرية بوتيرة متسارعة. وكانت موسكو قد أعلنت تخصيص أكثر من 100 مليار دولار لتحديث قواتها البحرية، يذهب القسم الأكبر منها إلى تعزيز أسطولي البلطيق والشمال، عبر تحديث الغواصات النووية والسفن الثقيلة ومنظومات الحرب الإلكترونية البحرية، في إشارة واضحة إلى أن البحر بات جزءاً أساسياً من العقيدة القتالية الروسية الجديدة.
حرب البلطيق: ساحة احتكاك استراتيجية
السبب المباشر لهذا الاستعداد هو بحر البلطيق تحديداً، الذي تحول إلى نقطة احتكاك استراتيجية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو). وفي قلب هذا التوتر يقع اقليم كالينينغراد بين بولندا وليتوانيا، والذي يشكل قاعدة عسكرية متقدمة لروسيا داخل الجغرافيا الأوروبية.
يضم الإقليم مقر أسطول البلطيق الروسي، وقواعد جوية، ومنظومات دفاع جوي، وصواريخ إسكندر الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية، ما يمنح روسيا قدرة ضرب مباشرة في عمق أوروبا. لكن على الرغم من قوتها العسكرية، فإن موقع كالينينغراد المعزول يجعله بحاجة إلى وصلة برية مع الأراضي الروسية.
هنا يظهر ممر سوالكي، الشريط البري الضيق الممتد لنحو 65 كيلومتراً فقط بين بولندا وليتوانيا، والذي يفصل كالينينغراد عن بيلاروسيا، الحليف الأقرب لروسيا. وقد تحول هذا الممر إلى أخطر نقطة ضعف في الجبهة الشرقية للناتو، لأنه إذا سيطرت روسيا عليه، فإنها تربط كالينينغراد مباشرة ببيلاروسيا، وتفتح ممراً برياً مباشراً نحو البلطيق، وفي الوقت نفسه تعزل دول البلطيق الثلاث عن بقية أوروبا وتقطع وصول التعزيزات البرية إليها. لهذا تصف مراكز الدراسات العسكرية الأوروبية والأميركية هذا الممر بأنه "كعب أخيل الناتو"، أي نقطة الضعف القاتلة في دفاعاته الشرقية.
في المقابل، رفعت التحركات العسكرية البيلاروسية الأخيرة مستوى القلق الأوروبي، بعدما تحدثت تقارير أوكرانية عن إنشاء طرق جديدة وتحريك وحدات مدفعية وقوات قرب الحدود.
لكن رغم التحضيرات، لا يزال سيناريو الهجوم الروسي-البيلاروسي على المعبر، بعيداً، فأي هجوم روسي على بولندا أو ليتوانيا يعني تلقائياً تفعيل المادة الخامسة من حلف الناتو، أي دخول الحلف كله بالحرب. في المقابل، تتهم روسيا الناتو بأنه يتدرب على سيناريو معاكس، أي الاستيلاء على كالينينغراد خلال مناوراته البحرية الأخيرة في البلطيق، وهو احتمال بعيد أيضاً وما يجري هناك لا يعكس بأي من الأحوال خطة واضحة للدخول إلى كالينينغراد، لكنه يعكس مستوىً متزايداً من انعدام الثقة والتأهب المتبادل بين الطرفين.
بحر الشمال: المواجهة الأخطر
إلى جانب البلطيق، يكتسب بحر الشمال أهمية متزايدة في الحسابات الاستراتيجية الروسية والأوروبية، نظراً لدوره العسكري والاقتصادي معاً. وبحسب تقارير استخباراتية أوروبية، المواجهة في البلطيق إذا أوجبتها التطورات، مرشحة للتمدد إلى بحر الشمال، حيث يتمركز الأسطول الشمالي الروسي، الذي يمثل الذراع النووي البحري الأساسي لروسيا.
وما يجعل بحر الشمال ساحة مواجهة خطيرة هو ارتباطه المباشر بالصراع على القطب الشمالي وموارده الضخمة. ولهذا تعزز روسيا وجودها العسكري في محيط شبه جزيرة كولا، التي تمثل مركز الثقل النووي الروسي، إذ تضم أكبر تجمع للرؤوس النووية الروسية وقواعد الغواصات النووية.
في الجهة المقابلة، أصبحت فنلندا لاعباً أساسياً في معادلة حرب الشمال بعد انضمامها إلى الناتو. فحدودها الطويلة مع روسيا، والتي تتجاوز 1300 كيلومتر، جعلتها الجبهة البرية المباشرة للحلف في الشمال، ما دفع الناتو إلى إنشاء وجود عسكري بري متقدم ودائم في شمال فنلندا، بهدف رفع الجاهزية لأي مواجهة روسية محتملة قرب القطب الشمالي.
وفي المقابل، لا تبدو بريطانيا مستعدة لترك الساحة الشمالية لروسيا. فقد بدأت لندن بتحويل عقيدتها البحرية نحو الشمال ضمن استراتيجية دفاعية جديدة تحمل اسم "فايركريست"، وتركز على الجبهة الشمالية عبر إرسال مجموعة حاملة طائرات بريطانية إلى شمال الأطلسي والقطب الشمالي، في خطوة تعكس بوضوح أن بريطانيا تستعد لمواجهة طويلة في هذه الجبهة.
وتكتسب المواجهة في بحر الشمال أهمية أكبر لأنها تتعلق بالبنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الأوروبي كله. فبحر الشمال هو الممر البحري الذي يربط بريطانيا بشمال أوروبا، من النرويج والدنمارك إلى ألمانيا وهولندا، ما يجعله شرياناً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الحساسية. وأي ضربة على كابلات الإنترنت أو خطوط الطاقة في أعماقه قد تعطل جزءاً كبيراً من الاتصالات والتجارة الأوروبية.
إعادة رسم خرائط الردع
ما يجري في البلطيق وبحر الشمال والفضاء يعكس بوضوح مرحلة جديدة من إعادة بناء التوازنات الأمنية بين روسيا وأوروبا. فالطرفان يعيدان تنظيم قدراتهما البحرية والعسكرية في مناطق تعتبر حساسة استراتيجياً، في ظل بيئة دولية أكثر توتراً، وتراجع قنوات الثقة التقليدية، واتساع مفهوم الأمن ليشمل البحر والفضاء والبنية التحتية الحيوية.
وبين الردع ورفع الجاهزية، تبدو البحار الشمالية اليوم واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل التوازن العسكري في أوروبا خلال السنوات المقبلة. لكن احتمال الحرب المباشرة الشاملة لا يزال منخفضاً، لأن كلفتها كارثية على الجميع، وما يجري أقرب مرحلة حرب باردة جديدة أوروبية-روسية ذات طابع بحري وتقني.




