لا تبدو ميزانية وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) المقترحة للعام 2027، مجرد تعديل مالي في صندوق مكافحة "داعش"، بل إعادة توزيع سياسية لأوزان الشركاء في المشرق. فطَلَب صندوق تدريب وتجهيز الشركاء في مكافحة داعش "CTEF"، يبلغ نحو 303 ملايين دولار، موزعة على العراق وسوريا ولبنان والأردن. العراق يتراجع إلى نحو 119 مليون دولار، وسوريا تبقى عند 130 مليوناً، فيما يظهر لبنان بحصة مستقلة تبلغ 36 مليون دولار، والأردن بما يقرب 18 مليوناً. والأهم أن الوثيقة تضع الجيش اللبناني صراحة بين القوات الشريكة المكلفة بمنع عودة "داعش"، لا كمؤسسة تتلقى دعماً عاماً فقط.
صفر البشمركة رسالة إلى أربيل
في المقابل، يهبط تمويل التدريب والتجهيز المخصص لوزارة شؤون البشمركة في حكومة أربيل، من نحو 61 مليون دولار في 2026، إلى صفر في 2027، ولا يبقى لها سوى دعم طبي محدود بقيمة 1.35 مليون دولار. هذا لا يعني قطيعة أميركية مع الأكراد، لكنه يعني تراجع امتياز الشريك العسكري المستقل. واشنطن، في مرحلة ما بعد الذروة القتالية ضد "داعش"، تميل أكثر إلى القوات المرتبطة بالحكومات المركزية، وإلى وحدات يمكن ضبطها ضمن بنية الدولة العراقية.
لبنان من هامش الدعم إلى قلب الحدود
لبنان هو الدلالة الأوضح في هذا التحول. فوثيقة "صندوق تدريب وتجهيز الشركاء في مكافحة داعش" تقول إن التمويل اللبناني يستهدف تعزيز قدرة الجيش اللبناني وقواته الخاصة، على تنفيذ عمليات ضد داعش، ومنع التنظيم من استخدام الحدود اللبنانية السورية للتزود والتجنيد وإعادة التموضع. وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك حين تعتبر أن "داعش" يستخدم لبنان كمسار تسهيل لعملياته في سوريا، مستفيداً من هشاشة الحدود وكثرة المعابر غير الشرعية، خصوصاً في الشمال والبقاع.
هذا يعني أن لبنان لم يعد يُقرأ أميركياً فقط من زاوية الاستقرار الداخلي أو موازنة حزب الله، بل أيضا من زاوية كونه عمقا لحدود سوريا الغربية. في الرؤية الأميركية، إذا تراجعت القدرة على العمل المباشر داخل سوريا، يصبح الجيش اللبناني أداة إغلاق للخاصرة السورية الغربية التي يمكن أن يستفيد منها "داعش" في التمويل والحركة والتجنيد.
دعم الجيش أم منع انهياره؟
تفاصيل الحزمة اللبنانية تكشف طبيعة القلق الأميركي. فالـ36 مليون دولار لا تذهب إلى السلاح وحده، بل تنقسم غلى 14.75 مليون دولار للتدريب والتجهيز، بينها أسلحة خفيفة وذخائر ومركبات مدرعة وأجهزة رؤية ليلية واتصالات، و1.5 مليون دولار لخدمات الاتصال وتبادل المعلومات، و11.55 مليون دولار كرواتب تحفيزية لنحو 3 آلاف و400 عنصر، و4 ملايين دولار لترميم منشآت تدريب في رياق ورومية وحمانا، و4.2 ملايين دولار للاستدامة الطبية واللوجستية والتموينية.
هنا تصبح مكافحة "داعش" عنواناً أمنياً لسياسة أوسع: منع تآكل الجيش اللبناني. فالوثيقة نفسها تربط الدعم بالأزمة الاقتصادية، وتقول إن رواتب العسكريين المتدنية أدت إلى نزف في الأفراد وإضعاف القدرة العملياتية. أي أن واشنطن لا تمول فقط قدرة الجيش على القتال، بل قدرته على البقاء كمؤسسة رسمية متماسكة في دولة مأزومة.
داعش في العنوان… و1701 في الخلفية
البعد اللبناني لا يقتصر على الحدود الشرقية. فمنذ وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بات الجيش اللبناني محوراً في تنفيذ القرار 1701 جنوب الليطاني. نصّ التفاهم يربط صراحة حصر السلاح بالقوات الرسمية اللبنانية، ويدعو إلى دعم انتشار 10 آلاف جندي لبناني في الجنوب، وإلى تمكين الجيش من تفتيش المواقع وتفكيك البنى العسكرية ومصادرة السلاح غير الشرعي.
لذلك، يبدو إدخال لبنان في "CTEF" أكثر من مجرد بند ضد "داعش". إنه جزء من هندسة أميركية أوسع، جيش لبناني يمسك الحدود مع سوريا شرقاً وشمالاً، ويتقدم جنوباً تحت عنوان 1701، ويُبقى القناة الرسمية التي يمكن لواشنطن الاستثمار فيها داخل دولة تنافسها جماعات مسلحة خارج قرارها.
بهذا المعنى، لا يطوي البنتاغون صفحة البشمركة وحدها، بل يفتح صفحة جديدة عنوانها الجيوش الرسمية والمنصات الحدودية. تتراجع أربيل لمصلحة بغداد، ويصعد لبنان من هامش المساعدات إلى دور إقليمي، ظاهره منع "داعش" من التنفس عبر الحدود، وباطنه تثبيت الجيش كآخر مؤسسة لبنانبة قابلة للرهان، وموازنة النفوذ الإيراني من داخل الدولة لا من خارجها.




