مشروع الحرية بعد سقوطه: اتفاقٌ مرتقب من قلب الفشل؟

ملاك عبد اللهالخميس 2026/05/07
Image-1778165689
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يحتَج "مشروع الحرية" وقتاً طويلاً ليسقط. المشروع الذي قُدِّم بوصفه مخرجاً إنسانياً لأزمة الملاحة في مضيق هرمز، تحوّل سريعاً إلى عبء سياسي وعسكري قبل أن يُعلّق ويُطوى الحديث عنه، ليفسح المجال أمام تسريبات متزايدة عن اتفاق وشيك بين الولايات المتحدة وإيران.

غير أن هذا التحول السريع من مشروع ميداني كبير إلى مسار تفاوضي كما هي التسريبات، كشف عن وظيفة خفية له، فإن لم يكن محاولة ناجحة لتحرير الملاحة، فإنه وفقاً للنتائج سيغدو محاولة محسوبة لدفع الصراع إلى الحافة التي لا تترك المشهد معلقاً في حالة لا سلام لا حرب. لكن ولفهم كيف تحوّل هذا الفشل إلى مسار تفاوضي، لا بد من العودة إلى لحظة ولادة المشروع نفسها، والشروط التي أُطلق فيها، والسردية التي حاولت واشنطن بناءها منذ البداية. 

عند لحظة الإعلان، كان دونالد ترامب يحاول أن يقدم المشروع بوصفه لحظة مفصلية في الصراع الأميركي الإيراني الدائر. وهو مشروع وُلد بعد أن رفض ترامب قبله بساعات مقترحاً إيرانياً من 14 بنداً لوقف الحرب تضمّن وقف إطلاق نار، تجميد تخصيب اليورانيوم عند مستويات منخفضة ورفعاً تدريجياً للعقوبات. لكن واشنطن اعتبرته غير كافٍ مطالبة بتنازلات أكبر.

 

المشروع الذي قُدم على أنه استجابة لأزمة مئات السفن وآلاف البحّارة العالقين منذ أواخر شباط/فبراير 2026 (ما بين 800 إلى ألفي سفينة عالقة داخل وحول المضيق، وعلى متنها نحو 200 ألف بحّار)، يأتي مدعّماً بقوة عسكرية ضخمة -أكثر من 100 طائرة قتالية ومنصات مسيرات ونحو 15 ألف جندي-، ما يجعله خطوة تحمل في جوهرها تعقيداً كبيراً وتفتح الأفق أمام احتمالات شتى.

عملياً فإن الرئيس الأميركي إذ تعمّد تصوير السفن العالقة بوصفها ضحايا لسياسات إيران، فإنه أراد من ذلك تقديم سردية جديدة تنطلق من الزاوية الإنسانية، بالتحديد بعد تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة بأن الحرب ضد إيران كانت اختيارية. هذا الدور الإنساني للحرب يحاول ترامب استثماره داخلياً بحيث يصبح "مشروع الحرية" أداة لإعادة بناء الشرعية الداخلية، عبر تقديم أي تصعيد لاحق بوصفه دفاعاً عن النظام الدولي وعن الضحايا من دول شتى، لا استمراراً لقرار سياسي سابق. علماً أن التوقيت الذي أُطلق فيه المشروع يتزامن مع انتهاء المهلة التي تتيح للرئيس الأميركي إدارة العمليات العسكرية دون العودة إلى الكونغرس، ليبدو وكأنه محاولة لإعادة ضبط الإطار القانوني للصراع من خلال خلق مسار جديد يمكن من خلاله تقديم أي مواجهة قادمة كاستجابة لعرقلة عملية إنسانية، لا كامتداد لعملية عسكرية.

 

الاستثمار الداخلي لمشروع الحرية يتساوق مع محاولة استثمار خارجي من بوابة تدويل الأزمة وإشراك أطراف من دول أخرى متضررة فيها. ولعلّ هذا التدويل هو الهدف المأمول في الاستراتيجية الأميركية، بحيث لا يخاض الصراع بشكل ثنائي بل في إطار تحالف تقوده أميركا، والهدف العميق هو تثبيت قواعد النظام الدولي في هذا الصراع وفق التصور الأميركي. وفي هذا السياق تحديداً، لا يبدو إخضاع أوروبا نتيجة جانبية للمشروع، بل أحد مخرجاته الأساسية. 

ستظهر هنا أوروبا مرة أخرى بوصفها الساحة الأكثر قابلية لإعادة التشكيل والإخضاع. كانت التجربة الأوكرانية النموذج الأول لهذا المسار. لم تكن أوروبا ابتداءً شريكاً في قرار الحرب حينها، بل مالت إلى الوساطة مع موسكو، خصوصاً في ملف الطاقة، والذي شكّل لسنوات ركيزة العلاقة الأوروبية الروسية. حتى أن الخطاب الأوروبي عموماً والفرنسي خصوصاً كان يلمّح إلى إمكانية دمج روسيا في بنية اقتصادية أوروبية أوسع. تم تفكيك هذا المسار تدريجياً تحت ضغط أميركي متراكم. وجدت أوروبا نفسها في نهاية المطاف داخل حرب لم تختَر توقيتها ولا شروطها، ثم تحولت إلى ممول رئيسي وداعم سياسي وعسكري لأوكرانيا، دون أن تمتلك القدرة على إنهاء الحرب أو التحكم بمسارها. 

هذا النموذج يعاد إنتاجه في الصراع الحالي في الشرق الأوسط وإن بأدوات مختلفة. أوروبا التي حاولت في البداية اتخاذ مسافة من مسألة التدخل لفتح مضيق هرمز، بدأت عملياً بالانخراط التدريجي فيها. التصريحات الألمانية الأخيرة تعكس هذا التحول بوضوح، إذ أعلن المستشار الألماني أن بلاده مستعدة للمساهمة في استعادة حرية الممرات البحرية في أسرع وقت ممكن، بل أكد الاستعداد لإرسال قوة للحفاظ الدائم على حرية الممرات البحرية إذا توفرت الشروط اللازمة، بالتزامن مع تحرك أول سفينة ألمانية نحو شرق المتوسط للتموضع ضمن إجراءات تأمين الملاحة. أوروبا لم تعد خارج المعادلة إذاً. لقد باتت عنصر دعم لوجستي وأمني لمشروع تُحدّد معالمه في واشنطن.

 

الأمين العام للناتو مارك روته أكد مؤخراً أن الأوروبيين "فهموا رسالة ترامب بوضوح". لقد بدأت أوروبا تتكيّف مع رؤية ترامب للعالم، وبدأ النمط الأوكراني ذاته يتكرر بالفعل: رفض أولي، ثم ضغط سياسي واقتصادي، ثم انخراط تدريجي ينتهي بخضوع وظيفي داخل إطار قرار خارجي. علماً أن أدوات الضغط الأميركية هنا كانت متعددة. وقد جرى مؤخراً استخدام البعد العسكري عبر التهديد بتقليص الوجود الأميركي التقليدي في بعض القواعد الأوروبية (سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا مثلاً) وإعادة توزيع الأدوار الأمنية، بما يرسل رسالة واضحة حول حدود الاعتماد الأوروبي على المظلة الأميركية. ومن جهة أخرى استُخدم الضغط الاقتصادي عبر التلويح برسوم جمركية تطال الصناعات الأوروبية، خصوصاً الألمانية، بما يمس العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي الصناعي. والنتيجة كانت واضحة!

ما يجري في الملف الإيراني يتجاوز أوروبا إلى محاولة أوسع لتدويل الأزمة عبر إدخال قوى كبرى أخرى في المعادلة، وعلى رأسها الصين. وزير الخزانة الأميركية دعا صراحة إلى أن تضطلع الصين بدور في فتح المضيق. تريد واشنطن بطريقة أو بأخرى إشراك بكين كطرف مسؤول داخل منظومة تقودها هي، بينما تعمل الصين في الاتجاه المعاكس. وقد اتجهت بكين مؤخراً إلى تبني مقاربة تعتبر العقوبات الأحادية الأميركية غير مُلزمة قانونياً، وتدفع الشركات الصينية إلى عدم الامتثال لها إذا تعارضت مع القوانين الصينية أو مصالحها الاقتصادية. وهذه خطوة تحاول تقليص قابلية النظام القانوني الدولي لفرض قواعده الأحادية.

 

لكن أميركا تحاول أن تمسك بزمام الأمور لتحافظ على هيمنتها. وهي تدفع اليوم بالتوازي إلى مسار داخل الأمم المتحدة يهدف إلى نزع الشرعية القانونية عن أي قرار إيراني بإغلاق مضيق هرمز، باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الدولي. وهو مسار اصطدم سابقاً باستخدام روسيا والصين لحق النقض "الفيتو"، وتمثل إعادة طرحه اليوم اختباراً لإمكان قدرة أميركا على إعادة بناء تحالفات أو تفكيك مواقف سابقة. وتأتي زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين في منتصف أيار/مايو الجاري، في صلب هذا الاختبار. يحاول الرئيس الأميركي إدخال الملف الإيراني كجزء من هندسة جديدة للتوازنات العالمية تقودها أميركا، لكن التباين الصيني-الأميركي والذي ظهر أكثر في القرار الآنف الذكر، حول العقوبات، سيضع مشروع التدويل الأميركي أمام مفارقة أنه كلما اتسعت دائرة الأطراف المشاركة، تقلصت قدرة واشنطن على التحكم الكامل بمخرجات الأزمة.

 

ومع ذلك تستمر محاولة إعادة صياغة النظام الدولي عبر مزيد من إشعال الأزمة وإعادة إدارتها. ففي الميدان،  تحول شعار حرية الملاحة إلى صدام مباشر. وبينما دعت واشنطن إلى مرور السفن عبر المضيق على أن تتولى قواتها البحرية حمايتها فور خروجها من نطاق نفوذ الحرس الثوري، برزت منطقة سيطرة إيرانية فعّالة داخل الممر نفسه، جرى توصيفها عملياً كحزام رقابة كامل يغطي أكثر نقاط العبور حساسية. 

وقد أعلن الحرس الثوري  أن النطاق الجديد للسيطرة على المضيق هو من الجنوب الخط الواصل بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات، ومن الغرب الخط الواصل بين نهاية جزيرة قشم في إيران وأم القيوين في الإمارات. هذا التموضع وضع حركة التجارة والطاقة أمام معادلة معقدة، والممر الذي تسعى الإمارات إلى استخدامه لتوسيع صادراتها عبر ميناء الفجيرة وتزويد السفن بالوقود أثناء العبور، بات عملياً تحت تقاطع نفوذ يمنع أي طرف من العمل بحرية كاملة، ويحوّل المضيق إلى مساحة اشتباك بين الحرس الثوري والولايات المتحدة. في هذا السياق بالتحديد جاء الهجوم الإيراني على أهداف داخل الإمارات بعد إعلان "مشروع الحرية"، ليعكس انتقال التصعيد من مستوى الرسائل السياسية إلى اختبار ميداني مباشر لحدود الردع وإعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم. ومن هذا المنظور تصبح الخطوة الإيرانية التصعيدية أداة ضغط سياسية تهدف إلى دفع واشنطن نحو تفاهمات تنهي التصعيد وتخفف القيود البحرية، وفي الوقت نفسه تمنع محاولات التفاف إقليمية على واقع الشلل الجزئي في المضيق، لتتحول المواجهة الراهنة إلى أعقد مراحل عضّ الأصابع بين الطرفين، ومؤشرات التصعيد في نهايتها تبقى احتمالاً قائماً بالفعل. يكفي في ذلك أن فكرة إقامة تحالف دولي ارتبطت تاريخيا بمرحلة ما قبل العمليات العسكرية الكبرى.. ومع التجهيزات اللوجستية والعسكرية الأوروبية، ومع قبول أوروبا باستخدام قواعدها في الحرب، يصبح ترجيح اللجوء إلى التصعيد العسكري في حال فشلت المفاوضات في إجبار الطرف الإيراني على تقديم تنازلات تريدها واشنطن أمراً غير مستبعد أبداً، وهو ما ينتظره نتنياهو بفارغ الصبر. 

 

وعلى الرغم أن ترامب قد أعلن في تصريح لاحق، تعليقاً مؤقتاً للمشروع بهدف اختبار إمكانية الوصول إلى اتفاق، مع الإبقاء على الحصار قائماً، فإن هذا التعليق في ضوء الحديث المتزايد عن التوصل إلى اتفاق، يكشف عن أن المشروع تحوّل من أداة ميدانية إلى أداة تفاوضية أعادت تشكيل شروط التفاوض، خصوصاً وأن الممر البحري لم يُحرَّر بالكامل، لكن مسار التفاوض نفسه قد تحرّر من قيوده السابقة.

فشلٌ في تنفيذ المشروع إذاً، يقابله نجاح في إعادة ضبط التوازنات إن صحّت التسريبات. لقد كان "مشروع الحرية" مناورة أو محاولة لإجبار الحرب على أن تنتهي، ولكن بشروط مختلفة. والأيام المقبلة ستكشف عن حقيقة المشهد المستجد في إطار هذا الصراع الكبير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث