الحياة السياسية شبه معدومة في الساحل السوري رغم كثرة الأحزاب

محمد كساحالخميس 2026/05/07
Image-1771346026
وجود فراغ سياسي بالساحل السوري وسوريا عموماً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يعيش الساحل السوري حالة فراغ سياسي بالرغم من نشوء أحزاب وقوىً سياسية جديدة منذ اندلاع الثورة السورية وحتى وقت قريب. ويرى سياسيون ومتابعون أن الأحزاب التقليدية مثل الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي باتت من الماضي، بينما لا تزال الأحزاب الجديدة التي تحمل أفكاراً حديثة تعاني من تحديات العمل السياسي على أرض الواقع بسبب جمود الحياة السياسية بشكل عام، في عموم البلاد.

ووفق ما رصدت "المدن" تتعدد القوى السياسية التي نشأت في فترة الثورة السورية في الساحل، وهي: "الحركة المدنية الديمقراطية"، "حركة الشغل المدني"، "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا"، "التيار السوري المدني الحر"، الذي يعتبر من أواخر ما تم تأسيسه من هذه القوى في كانون الثاني/ يناير 2025.

وتتبنى معظم هذه التيارات أفكاراً ديمقراطية وعلمانية وتدعو إلى المواطنة، ويصعب تصنيف خطها السياسي بشكل دقيق بسبب عدم قدرتها حتى الآن على العمل السياسي الجماهيري، مكتفية بالنشاط الإلكتروني وإصدار البيانات وخروج ناشطيها على وسائل الإعلام للتعليق على الأحداث، خصوصاً الأحداث الدامية التي جرت في الساحل ربيع العام 2025.

 

لا أفكار ناضجة 

ويلاحظ الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن ما تبقى من أحزاب تقليدية في الساحل السوري بتوجهاتها النمطية والتاريخية، مثل التوجه الشيوعي والقومي العربي والقومي السوري، "باتت صفحة من الماضي تم طيها في ظل التطورات المتسارعة منذ اندلاع الثورة السورية التي أفرزت تغييراً كبيراً جداً في بنية القوى السياسية".

ويضيف في حديث لـِ "المدن" أن القبضة الأمنية للنظام وسياسته الضابطة لإيقاع العمل السياسي أخّرت عملية التطوير في التوجهات والأفكار السياسية، وينطبق هذا الحال على الساحل السوري وعلى عموم سوريا على حد سواء. 

ويرى علوان أن ما نشأ في ظل الثورة من أحزاب وقوى سياسية في الساحل "لم يحمل أفكاراً وبرامج ناضجة، بل لا تزال هذه القوى في مرحلتي التنظيم وإعادة تشكيل إنتاج فكر سياسي جديد"، مؤكداً أن هذه الأحزاب الجديدة لا تزال تحتاج إلى كثير من العمل.

وعلى العموم، يتوقع علوان أن تشهد الساحة السورية كاملة بروز أفكار وأيديولوجيات سياسية جديدة مختلفة عن الأيديولوجيات التقليدية، بالموازاة مع وعي أكبر يتجاوز مرحلة بناء التيارات السياسية على أساس مناطقي أو إثني.

 

بانتظار قانون الأحزاب

ويتفق رئيس حركة الشغل المدني التي تأسست في العام 2012 عيسى إبراهيم مع علوان في وجود فراغ سياسي بالساحل السوري وسوريا عموماً، عازياً هذا الفراغ إلى ضعف الحياة السياسية وعدم وجود المستوى المجدي والمنتج بالعمل العام أو العمل السياسي.

تعارض حركة الشغل المدني السلطة السورية الجديدة، وتنتقد عبر رئيسها انعدام الحياة السياسية بعد ما تراه انهياراً لمفهوم الدولة، وتتهم السلطة بعدم القدرة على إدارة المؤسسات العامة، بسبب انعدام الخبرات وسيطرة عقلية الفصيل الفئوي، في مجتمع متنوع حتى داخل الاثنية أو الطائفة الواحدة. 

ويؤكد إبراهيم خلال حديث لـِ "المدن" أن الحركة تأسست من أجل البدء والمساهمة ببناء حياة سياسية تعتمد الديموقراطية في الوصول إلى السلطة بعيداً عن "الأدلجة".

يتابع إبراهيم أن "سوريا حالياً تعاني انعدام مفهوم الدولة كمفهوم قانوني بعناصره الثلاث: الشعب، الأرض، والسيادة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن حراك سياسي للقوى السياسية في الساحل، بالمعنى الطبيعي للكلمة". 

وحول الفرصة التي قد يتيحها إصدار قانون جديد للأحزاب عقب انعقاد جلسات البرلمان السوري التي قد تتم نهاية الشهر الحالي، يرى إبراهيم أنه "لا يوجد الآن أي فرصة لعمل حزبي سياسي مجدي مأمول، لافتاً إلى أن النشطاء السياسيين في الساحل يعملون على الممكن والمتاح، وعلى درب طويل لاستعادة مفهوم الدولة والعمل السياسي"، وفقاً لتعبيره.

 

خصوصية الساحل السوري

بشكل عام، يمثل الساحل السوري نموذجاً لمعظم المناطق السورية في تجميد الحياة السياسية وجفافها، لكن للساحل خصوصية يوضحها الناشط السياسي نبيه محمد نبهان وهو أحد النشطاء المعارضين للنظام المخلوع من قلب طرطوس، وتتمثل هذه الخصوصية بـ"الوضع شديد البؤس أمنياً واقتصادياً، نظراً للأحداث الدموية السابقة ولتسريح آلاف الجنود ما يوقع أسرهم في فخ البطالة". 

ويوضح نبهان في حديث لـِ "المدن" أنه "لا فرص حقيقية حالياً لممارسة أي نشاط سياسي فردي أو جماعي في الساحل، لأن السكان يعيشون في ما يشبه السجن الكبير"، مستثنياً محافظة طرطوس التي يرى أنها تعيش "حالة شبه طبيعية وآمنة مع بعض المنغصات التي يتسبب بها خطاب التحريض والكراهية، لكن وجود كوادر عاقلة من السلطة سهل اقترابها من الشارع العلوي".

لا يضع نبهان مسؤولية الفراغ السياسي في الساحل على عاتق العهد الجديد، بل يؤكد أن "الأسدية تتحمل معظم المسؤولية لأنها أفرغت المجتمع من السياسة وحولت الأحزاب السياسية السورية إلى ديكور للسلطة"، في المقابل ينتقد نبهان السلطة الجديدة لأنها "ترفض التعامل مع أي تجمع ككيانات سياسية"، لافتاً رغم ذلك إلى أن "سقف الحريات بالتعبير ارتفع مليمترات تسمح بعقد ندوات وحوارات"، ويشير إلى أن العمل العام الممكن والمتاح حالياً هو الانخراط بالعمل الإغاثي وتطويره ليصبح عملاً مدنياً يفتح أفقاً للتغيير.

أما بخصوص القوى السياسية الجديدة التي تم تأسيسها في الساحل السوري، فيلاحظ نبهان أنها "ليست مؤثرة في الميدان مع كثرتها في العالم الافتراضي"، مشيراً إلى وجود حراك خجول يتلطى بجمعيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، غير أن الهيئة السياسية المنبثقة عن وزارة الخارجية تحكم قبضتها لكن بنعومة حتى الآن على هذه الجمعيات، وتم إحداث هيئة جديدة باسم المنطقة هي أشبه بالحاجب بين المجتمعات المحلية والمحافظة.

ويؤكد أن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل مقيدة بالتعليمات التي تردها من السلطة في دمشق للتقييد على حركة الجمعيات عبر طلب الموافقات المسبقة لأي نشاط يحدد فيها مكان وزمان النشاط والضيوف المحاضرين والمشاركين ومحاور النشاط، بينما تتنافس الهيئة السياسية مع المنطقة في التحكم بعمل الجمعيات والمجالس المحلية والمخاتير والنقابات وغرفة التجارة والصناعة وغرفة السياحة وغرفة الملاحة البحرية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث