الحرب الإيرانية: إخفاقات ترامب.. إنجازات إيران

رأيطهران - مجيد مراديالخميس 2026/05/07
Image-1774373376
ترامب خلق مشكلة جدیدة للاقتصاد العالمي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد مرور أکثر من شهرین على اعتدائه على إیران، لم یحقق الرئیس الأميرکي دونالد ترامب أي من أهدافه، بل یتخبط فی مستنقع صنعه بنفسه. 

 

إخفاقات ترامب

أخفق ترامب في محاولته إسقاط نظام الجمهوریة الإسلامیة وتدمير البرنامج النووي الإیراني والمخزون الصاروخي والقدرات الصاروخیة لإیران، كما أخفق في استخراج الـ 410 کیلوغراماً من الیورانیوم المخصب بنسبة 60 في المئة وفي فتح مضیق هرمز، رغم تهدیداته المتكررة، وبعد جميع تلك الإخفاقات توسل إلى إسلام آباد للتوسط بينها وبين إيران ثم اضطر إلى الاستسلام بشروط إيران العشرة مبدئياً ولكنه عاد بعد الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد الى لغة التهديد ليحصل خلال المفاوضات على انجازات أخفق من تحقيقها خلال الحرب. 

 

إغلاق مضيق هرمز

لكن ترامب خلق مشكلة جدیدة للاقتصاد العالمي لم یسانده أحد فی حلها، لا فرنسا ولا ألمانیا ولا بریطانیا ولا غیرها، وهي إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران كرد فعل طبيعي للأجواء الحربية.

وبعد أن یئس من أوروبا، أصبح یتوسل إلى عدوه الاستراتیجي، الصین، لفتح مضیق هرمز.

فی حرب الـ 12 یوماً، کان المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، یقود إیران التي لم تبادر بإغلاق المضیق، ولم تهاجم أي دولة مجاورة فی منطقة الخلیج، بل اكتفت بعد هجوم المقاتلات الأميركية على منشئات فوردو بإطلاق عدة صواریخ على قاعدة العدید الأميرکیة فی قطر، وقد تم ذلك بعد علم الحکومة القطریة وموافقتها. 

أما فی الحرب الأخیرة التی بدأت باغتیال خامنئي الأب وقادة إيران العسكریین، فقد أخرج ترامب المارد من القمقم وتسبب في توسيع الحرب إلى المنطقة.

علّم ترامب الإيرانيين أنه في العلاقات الدولية التي تسودها الفوضى وينقصها نظام قائم على القانون الدولي، وفي مواجهة قوى لا تعتمد إلا على القوة والعدوان، لا يمكن لبلد أن يظل ملتزماً بالمبادئ والتعهدات إلى الأبد، ولا أن يدفع ثمن الالتزام بتعهداته بالمزيد من العقوبات أو خرق الاتفاق من الطرف الآخر أو بقصفه الهمجي المدمر. علّم ترامب، بهجومه الجنوني إيران أن تخوض تجربة لعبة "الرجل المجنون".

 

توحيد معارضي النظام وأنصاره

ترامب وحده من استطاع أن یوحد جزءاً كبيراً من المعارضين للجمهوریة الإسلامیة مع مؤیدیها.

قبل هذه الحرب، شهدت المدن الإيرانية ومدن مختلفة في أوروبا وأمیرکا وأسترالیا مظاهرات للمعارضین وفی 14 شباط/ فبرایر تظاهر أکثر من 200 ألف مغترب إیرانی فی مدينة ميونیخ الألمانية، واستمعوا إلى خطاب لیندسی غراهام ورضا بهلوی اللذین وجدا أن سقوط النظام بات قاب قوسین أو أدنى. ولكن خلال الشهرین الأخیرین، عاد نحو 600 ألف مغترب إلى إیران. أما السلطات الترکیة التی کانت تتوقع تدفق اللاجئین الإیرانیین الفارین من الحرب إلى ترکیا، فقد أعلنت أن عدد الإیرانیین العائدین إلى إیران عبر الحدود المشترکة خلال الحرب يفوق عدد أولئك الذین غادروا عبرها.

فی الفضاء الافتراضي، نُشرت مقاطع مصورة لمعارضین سیاسیین إیرانیین هربوا من إیران منذ عقد أو عقدین إلى أوروبا أو أمیرکا، وعادوا مع اندلاع الحرب عبر الأراضي الترکیة أو الأرمينية إلى إیران لیضعوا خبراتهم فی خدمة بلدهم. مثلًا: جراح صدر بحقه حكم غیابی بالسجن، وعند دخوله قیل له إن علیه أن يسلم نفسه للسجن تنفیذاً للحكم، فأجاب أن المستشفیات تحتاجه حالياً لعلاج جرحى القصف الأميركی الإسرائيلي، وطلب إیقاف تنفیذ الحکم، فاستجابت السلطة القضائیة.

 

انكشاف زيف الوعود الأميركية

خلال احتجاجات كانون الثاني/ ینایر الدامیة فی إیران، وعد ترامب المحتجين بأن مساعداته في الطريق وحثهم على مواصلة احتجاجاتهم في الشوارع، لكن أظهر قصف مدرسة میناب الابتدائیة إضافة للأماكن المدنية والبنى التحتية المدنية للشعب، أن الأعداء فعلاً يقومون بتكرار مجازرهم في غزة حيث قتلوا ودمروا وشردوا. 

وهكذا انضم جزء کبیر من المحتجین، بدلاً من تسییر إسقاط النظام لأمیرکا عبر الضغط الداخلي، إلى صفوف المدافعين عن النظام.

من بين المعارضين، هناك جزء من القومیین الإیرانیین داخل البلاد وخارجها، الذین کانوا بطبیعتهم تحت خیمة الملكیین أو الجمهوریين الإیرانیین، غیروا مواقفهم بعد هذه الحرب والتهدیدات المتكررة من ترامب بمحو إیران من الكرة الارضیة، أو إعادتها إلى العصر الحجری، أو تدمیر بنیتها التحتیة.

أقنع ترامب ونتنیاهو أغلبية الإیرانیین أن هدفهما الرئیسي هو تدمیر إیران، ولهذا استهدفا مصانع الحدید والبتروکیمیاء والألمنیوم ومنشآت الغاز والنفط والجامعات والمدارس، بل دمّرا أهم المنتجات والمراكز الصناعية التي أقامتها الجمهوریة الإسلامیة طیلة 47 عاماً من الحصار الأميركي والأوروبي والأممي.

 

من إسقاط النظام إلى تحديث خطابه

الحرب الأميركية الصهيونية ضد إيران لم تسقط النظام، بل جعلت الخطاب الرسمي للجمهوریة الإسلامیة يتغیر ويتجه نحو العقلانية. فالإعلام الرسمي للجمهوریة الإسلامیة یرکز الآن على العناوين الوطنية أکثر مما یرکز على الإسلام. والشعارات التی رُفعت فی التجمعات اللیلیة بعد الحرب فی جمیع مدن إیران کانت تركز على اسم إیران والهویة والرموز الوطنیة الإیرانیة أکثر مما تركز على الإسلام والشعارات الدینیة. ولهذا یمكن القول إن الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة قد اتخذت الآن من "إیران" نقطة محوریة لها لإذكاء الروح الوطنية. یتضح هذا بوضوح فی بث التلفزيون الحكومي نشید "إی إیران!" (يا إيران) الذی یعود إنتاجه إلى العهد الشاهنشاهي وتحديداً إلى فترة الحرب العالمية الثانية، حین کانت إیران تحت احتلال الحلفاء. هذا النشید الملحمي والمثیر الذي يحتوي على مضامين قومية ونضالية ضد الأجنبي المحتل والاستعداد للعمل الفدائي دفاعاً عن إيران یُردد جماعیاً فی تجمعات المدن الإیرانیة، وقد تحول إلى بیان لجمیع الإیرانیین من الإسلامیین إلى القومیین. 

العدوان العسکري الأميرکي والإسرائيلي على إیران، جعل قادة إیران یدرکون مدى تفاهة کثیر من حساسیاتهم وأولویاتهم الداخلیة، خصوصاً ما یتعلق بالحجاب الإجباري ومعاقبة السافرات والتضییقات الاجتماعیة عليهن.

کثیر من المسؤولین والمدافعين عن النظام کانوا قبل الحرب الأخیرة یعتقدون أن الحجاب هو الرمز الرئیس للجمهوریة الإسلامیة والنقطة المحوریة فی خطابها، ورفع إلزامية الحجاب سيؤدي إلى محو هویة هذا النظام. ولكن الإعلام الرسمي للجمهوریة الإسلامیة یُغطي الآن باستمرار صور هؤلاء النساء السافرات، وهن یتصدین للدفاع عن الوطن ضد العدو المعتدي في المسيرات الشعبية.

ملخص القول إن الحرب التي فرضتها الولايات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران جعلت نظام الجمهورية الإسلامية أقوى. فقد جعلت إيران واعية بقوتها الردعية في مضيق هرمز، وأظهرت عزلة أميركا بين حلفائها، وعززت الوحدة الوطنية الإيرانية وأنهت الخلافات الداخلية، وأحيت روح الوطنية لدى الإيرانيين حول القومية الإيرانية، وأجبرت الجمهورية الإسلامية على تخفيف قيودها تجاه النشطاء السياسيين والاجتماعيين، خصوصاً تجاه الأحزاب والنساء، ونسيان قانون الحجاب الإجباري. ما بعد الحرب في إيران لن يكون مثل ما قبلها. لن يعود النظام منخرطاً في مشاريع فارغة كالحجاب الإجباري الذي قاده إلى حرب مع نصف المجتمع، ومع عقد سلام دائم بين أطراف الحرب الذي يبدو أقرب من أي وقت مضى، سيتشكل مستقبل مختلف في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث