"إيران عاجزة عن توحيد صفوفها"!!..هكذا يحب دونالد ترامب أن يردد هذه العبارة بمزيج من الفخر والاستقواء، بينما يتظاهر بالتماس العذر للإيرانيين في تأخر الرد من جانبهم قبل أن تنقضي مهلة بلا سقف لوقف إطلاق النار. إيران بدورها أيضاً لا تستنكف الادعاء بحدوث انقسام في موقع القيادة لديها بين متشددين وحمائم، دون أن يسمح ما تبقّى من رصيد السلطة لدى المرشد مجتبى خامنئي بإنهاء هذا الانقسام.
ترامب يخشى المخاطرة بالتصعيد فيتظاهر برغبته في تجنب الحرب، وحكام طهران يخشون اندلاع الحرب مجدداً فيتظاهرون بالخلاف فيما بينهم إزاء مقترحات ترامب للتسوية.
صقور وحمائم.. هكذا هي اللعبة في إيران منذ الإطاحة بالحكم الشاهنشاهي في 1979.
حكاية الإنقسام في إيران قديمة قدم الثورة الإيرانية ذاتها، إذ طالما احتدم الصراع داخل إيران بين نخبة إصلاحية تتمركز في منصب الرئاسة، وتريد - أو تتظاهر بأنها تريد- استعادة الدولة الطبيعية في إيران، و بين نخبة ثورية تتمترس داخل الحرس الثوري، ذلك الذي أراده الخميني مختبراً يجري داخله إعداد قادة إيران الجدد.
على مدى عقود منذ استيلاء الملالي على الحكم، برع الصقور في زحزحة الحمائم عن مركز القرار، سواء بالسياسة، او بالإقصاء القسري، وهو ما حدث مثلاً في الإطاحة بالرئيس "المعتدل" أبو الحسن بني صدر الذي جرى التضييق عليه حتى اضطر إلى الهرب عبر تركيا متخفياً في ثياب النساء!
لعبة صقور وحمائم تبدو إذن لعبة مثمرة، طالما هيمن الصقور على موقع المرشد بصلاحياته الهائلة، وطالما استطاعت منظومة الحكم في إيران تأهيل من تشاء لموقع الرئاسة، بما ينسجم مع مقتضى الحال، فيصبح الرئيس حمامة مثل هاشمي رفسنجاني عند الحوار مع الغرب أو مع الجوار، ويصبح صقراً عند المواجهة، مثل محمود أحمدي نجاد. وفي كل الاحوال فالرئيس يوقع قراراته بقلم الرصاص، بينما يحتكر المرشد الأعلى للثورة التوقيع بقلم الحبر الذي لا يقبل المحو أو التعديل.
حكاية شراء الوقت لدى الإيرانيين، مهارة حياتية يكتسبونها منذ الطفولة، وهي بين المهارات الأساسية لمن يصنعون السجاد، ولمن يحملونه للبيع في البازار، أما عندما يتعلق الأمر بقضايا الحرب والصراع، كما هو الحال في الأزمة الراهنة، وهي أعتى الأزمات التي تواجهها إيران في تاريخها الحديث كله، يفضّل الإيرانيون شراء المزيد من الوقت بالحصول على وقف ممتد لإطلاق النار، بينما يخشى دونالد ترامب العودة مجدداً إلى حرب كبرى لإخضاع إيران، وهكذا يتلاقى الطرفان على اجتراح الحيل لتأجيل المواجهة مؤقتاً، أو لتجنبها كلياً.
أبرز صور الاحتيال لدى ترامب لتجنب المواجهة، تتراوح بين ادعائه بأن حربه قد حققت غاياتها بالفعل، فالبرنامج النووي جرى تدمير مكوناته من مفاعلات وأجهزة طرد مركزي، وحتى مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، يقول ترامب عنه إن قاذفات "بي-2" قد دمرته، ويحلو له أن يصف هذا المخزون بأنه "الغبار النووي" يعني اللاشيء!!
لكنه يعود من وقت لآخر ليلوح بعصا غليظة آملاً أن يتحرك الإيرانيون تجاه التوقيع على شروط يراها الملالي مذلة، ومستحيلة، إذ يعني قبولها استسلاماً قد يدفع البلاد إلى الفوضى أو إلى الانقسام.
تحتاج إيران إلى هدنة طويلة جداً قبل أن تستعيد بعض قدرتها على ملاحقة أهداف تبنتها قبل 47 عاماً، وتحتاج واشنطن إلى هدنة طويلة تأمل أن تتمكن خلالها من تفكيك النظام الحاكم في إيران، لكن الهدنة لم تعد مجرد قرار يتخذه أحد الطرفين أو كليهما، فثمة أطراف في الإقليم تتطلع إلى نهاية المشهد على طريقة "نكتفي بهذاالقدر"، وثمة أطراف أخرى تخشى أن يكتفي الطرفان بهذا القدر، دون تغيير حاسم للنظام في طهران، تستريح بعده دول في الجوار، جرى قصفها في الحرب ربما لأول مرة في تاريخها كله.
ضخامة الجائزة لمن يفوز بالحرب الدائرة، وفداحة الثمن لمن يخسرها، لا تدع فسحة للحلول الوسط، فالخاسر في الحرب الدائرة ربما يخسر صميم وجوده، والرابح في نفس الحرب قد يحصد جوائز تمنحه السيطرة المطلقة على كل الحاضر وأغلب المستقبل.
ولهذه الأسباب، تلتبس أهداف بنيامين نتنياهو في هذه الحرب، مع أهداف أطراف خليجية لا ترى بديلاًعن استسلام إيراني كامل، يسقط معه النظام الحاكم في طهران. لكن إسقاط النظام ليس خياراً سهلاً ولا هو منخفض التكلفة كما قد يظن البعض، بل إن تفكيك إيران قد يقود بذاته إلى تفكيك جوار إيران، وقد يمهد الطريق لاحقاً أمام مشروع إسرائيل الكبرى حيث لا يكتمل الطموح الاسرائيلي بغير السيطرة على فلسطين التاريخية بكل الضفة وكل غزة وكل القدس، وكذلك على أجزاء من السعودية ومصر والأردن وسوريا ولبنان!!
كل الخيارات في الأزمة الراهنة تبدو باهظة الكلفة لكل الأطراف، وكل مشاريع التسوية ما زالت تحتاج إلى عوامل إنضاج سواء بالحرب أو بمزيد من التأزيم، حتى تبلغ الأزمة محطة يفتش فيها الأطراف عن مشاريع تسوية لا تقتل الذئب ولا تفني الغنم، وهذا النوع من التسويات يستطيع تأجيل الحسم في بعض الصراعات، لكنه لا يستطيع تبديل المواقف، دون استبدال قسري لعناصر معادلات الحل.
الحرب لم تعد وشيكة، والسلام لم يعد قريباً، ولا تسويات نهائية في الأفق، حيث لا تسمح الأزمة بما يتجاوز هدنة ساخنة، أو حرب باردة وفق أكثر القراءات للمشهد تفاؤلاً.




