حروب المستقبل تولد في أوكرانيا.. الآلة تتقدم والانسان يتراجع

شفيق طاهرالثلاثاء 2026/05/05
GettyImages-2166525576.jpg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في الحرب الأوكرانية التي تحولت منذ وقت طويل إلى مختبر مفتوح لتكتيكات حروب القرن الحادي والعشرين، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة في ساحة القتال، بل غدت جزءاً من بنيته الأساسية. تتحدث كييف عن نجاح قواتها، للمرة الأولى في التاريخ، في السيطرة على موقع روسي عبر عملية نفذت بمنظومات غير مأهولة فقط، جمعت بين طائرات مسيرة وروبوتات أرضية، من دون مشاركة مباشرة لجنود المشاة في لحظة الاقتحام. فيما يبدو ان أوكرانيا تدفع بمستقبل الحروب نحو نموذج يقل فيه حضور البشر في الخطوط الأولى، فيما تتقدم الآلة إلى الواجهة. 

 

المسيرات والروبوتات في قلب الهجوم

هذا التحول لا يعكس مجرد رغبة أوكرانية في تحقيق سبق تقني أو دعائي، بل يكشف عن منطق أعمق فرضته حرب الاستنزاف الطويلة. فالمسيرات التي بدأت أداة للاستطلاع وتصحيح النيران وتنفيذ ضربات دقيقة، باتت اليوم جزءاً من منظومة هجومية متكاملة تراقب وتقترب وتضرب وتربك الخصم وتفتح الطريق أمام المشاة. والهدف هو تقليص الخسائر البشرية في جبهة مرهقة، حيث لا تقل قيمة الحفاظ على الجنود عن قيمة السيطرة على المواقع. وفي هذا المعنى، لم تعد التكنولوجيا مجرد عامل دعم لجنود المشاة، بل اصبحت وسيلة لتخفيف الحاجة إلى زجهم المباشر في أكثر المهمات كلفة وخطورة. 

 

كيف غيرت الآلة وظيفة المقاتل؟

الأهم أن كييف لا تعرض هذا التطور باعتباره حادثة استثنائية، بل كجزء من نموذج قتالي جديد قيد التوسع. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، أنها تطبق نظاماً يدمج المسيرات الجوية والأنظمة الأرضية غير المأهولة مع تكتيكات المشاة ضمن وحدات هجومية موحدة. وقال القائد العام للجيش الاوكراني أولكسندر سيرسكي، إن هذا الأسلوب أسهم في استعادة نحو 50 كيلومتراً مربعاً خلال شهر آذار/مارس الماضي وحده، على جبهة يتجاوز طولها ألف كيلومتر وتتعرض لضغط روسي متواصل.

لكن هذا لا يعني أن الحرب تتجه إلى نهاية سلاح المشاة، كما قد توحي بعض القراءات المتحمسة. فالسيطرة المستدامة على الأرض، وتثبيت المواقع، وحمايتها، وتحويل الاختراق التكتيكي إلى مكسب عسكري وسياسي دائم، لا تزال جميعها وظائف يصعب فصلها عن العنصر البشري. الروبوت قد يقتحم ويفجر ويستطلع ويخفض الخسائر، لكنه لا يبني بمفرده واقع السيطرة فوق الأرض. ولذلك، تبدو أوكرانيا أقرب إلى إعادة تعريف دور المقاتل لا إلى إلغائه، الإنسان يتراجع خطوة إلى الخلف، لأنه بات أثمن من أن يُستهلك بأساليب القتال القديمة، وبالتالي لا نزال بعيدين عن شعار جيش بلا جنود. 

 

خصخصة الدفاع الجوي!

والأهم أن هذا التحول لا يقتصر على الجبهة. ففي العمق أيضاً، تمضي كييف في إعادة توزيع أعباء الحرب عبر إشراك الشركات الخاصة في حماية المنشآت الحيوية من الطائرات المسيرة الروسية. ووفقاً لوكالات أنباء دولية، بدأت بالفعل أولى وحدات الدفاع الجوي الخاصة التي شكلتها مؤسسات صناعية أو خدمية أوكرانية خاصة، مهامها القتالية، ضمن تنسيق كامل مع سلاح الجو الأوكراني. وذكر وزير الدفاع الاوكراني أن هذه الوحدات أسقطت بالفعل مسيرات روسية من طرازي "شاهد" و"زالا" في منطقة خاركيف. هذا النموذج الخاص للدفاع الجوي لا يحل محل الأنظمة التقليدية، لكنه يضيف طبقة حماية أقل كلفة على الجيش، وأسرع انتشاراً حول المصانع ومحطات الطاقة والبنية التحتية، ويخفف في الوقت نفسه الضغط عن القوات المسلحة.

إن ما نشهده في أوكرانيا ليس تغير لأدوات الحرب فقط، بل إعادة توزيعها بين الجبهة والعمق، وبين الجيش والمجتمع، وبين الإنسان والآلة. ففي الخطوط الأولى، تتقدم الروبوتات والمسيرات لتقليل الكلفة البشرية الاقتحام، وفي الداخل، تستدعى الشركات الخاصة للمشاركة في الدفاع عن الاقتصاد والبنية التحتية. هكذا تبدو أوكرانيا اليوم أقل شبهاً بساحة حرب تقليدية، وأكثر شبها بمختبر لحروب المستقبل، حيث تصبح فيها المعركة موزعة على شبكات متداخلة من البشر والآلات الشركات الخاصة.

ربما لم تكشف كييف اليوم فقط عن طريقة جديدة للسيطرة على موقع روسي أو إسقاط مسيرات معادية، بل عن ملامح حروب المستقبل نفسها، تلك التي يتراجع فيها الإنسان من الصفوف الأولى، لأن كلفة حضوره المباشر باتت أعلى من أن تستمر المعارك كما كانت في الماضي القريب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث