من يوقف الحرب فعلاً ترامب أم توازنات العالم؟

ملاك عبد اللهالاثنين 2026/05/04
Image-1777918247
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، ذكرت النائب الديمقراطية سارة جاكوبس، أن مكتبها يتلقى بشكل متكرر اتصالات من مواطنين يعبرون فيها عن قلقهم ويسألون عن الحالة الذهنية للرئيس دونالد ترامب، وما إذا كان في وضع صحي يؤهله لاتخاذ قرارات حساسة تتعلق بقيادة البلاد والقوات المسلحة.

ليس الأمر بمستغرب. ظاهرة ترامب ستُتبع لاحقاً بالعديد من الدراسات والوثائقيات. رجلٌ واحد في أميركا يُراقص كوكباً بأكمله بنشوة. ومع ذلك، ورغم تلذّذه بالترنح ذات اليمين وذات الشمال، يؤرقه في ساعات ليله كابوسان. أحدهما قديم، يتعلق بالرئيس الأسبق باراك أوباما نفسه، والآخر استجد، أمكن للمراقب أن يختار له عنوان الفخ الإيراني. وما بين كابوسين تكثر التفاصيل، يولد شكل جديد للعالم، ويعاد تشكيل توازنات النظام الدولي.

 

في أواخر نيسان/أبريل المنصرم، وفي سياق المفاوصات بين طرفي الصراع، برز عرض إيراني قُدّم إلى الولايات المتحدة عبر وسيط باكستاني، يقضي بفتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وتجديد وقف إطلاق النار، تمهيداً للدخول في مفاوضات أوسع حول البرنامج النووي. غير أن هذا العرض قوبل برفض أميركي واضح. وقد ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن القرار اتُّخذ خلال اجتماع في غرفة متابعة الأزمات، حيث رأت الإدارة الأميركية أن الطرح لا يلبي الحد الأدنى من شروطها، وعلى رأسها تجميد البرنامج النووي لعشرين عاماً على الأقل، كما اعتبرته محاولة إيرانية لإعادة التموضع سياسياً عبر تخفيف الضغوط ثم العودة إلى التفاوض من موقع أقوى. 

وكشفت الصحيفة أن الخيارات المطروحة أمام ترامب شملت استئناف القصف، أو الانسحاب من الشرق الأوسط، أو الاستمرار في الحصار المفروض منذ 13 نيسان/أبريل، قبل أن يُحسم القرار لصالح الخيار الثالث باعتباره الأقل كلفة سياسياً والأكثر قدرة على إيلام إيران. 

 

هذا الاختيار لم يكن تفصيلاً تقنياً بقدر ما كان انعكاساً لحسابات تفصيلية، إذ إن التصعيد العسكري قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية تستهدف المصالح الأميركية أو البنية التحتية للطاقة في الخليج بما يهدد بارتفاع أسعار النفط وانعكاسات داخلية سلبية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. أما الانسحاب فيحمل كلفة سياسية مرتفعة باعتباره اعترافاً ضمنياً بالفشل. فيما نُظر إلى الحصار الذي وصفه ترامب بالفكرة "العبقرية"، كاستراتيجية فعّالة ومجدية لخنق الاقتصاد الإيراني تدريجياً، على اعتبار أن استمرار إنتاج النفط دون القدرة على تصديره قد يدفع طهران إلى أزمة تخزين، ومع محدودية السعات التخزينية قد تضطر إلى تقليص الإنتاج أو إيقافه، الأمر الذي يحمل مخاطر تقنية تتمثل في احتمال تلف بعض حقول النفط نتيجة تسرب المياه الجوفية. 

ومع ذلك، فإن برقية سرية حصلت عليها الصحيفة نفسها من وزارة الخارجية الأميركية، أشارت إلى مساعٍ لحشد دعم دولي لفتح مضيق هرمز بالقوة، ما يعكس إدراكاً بأن الحصار وحده قد لا يكون كافياً لتحقيق الأهداف. طرح هذا السيناريو بجانب سيناريوهات أخرى، بينها تنفيذ ضربات عسكرية، يعكس أن الحصار ليس نهاية المسار، بل مرحلة ضمن استراتيجية مفتوحة على احتمالات التصعيد، وإن كان ترامب قد أعلن مؤخراً انتهاء العملية العسكرية في إيران. هذا الإعلان يقاس بالموازين الداخلية الأميركية، لكن لا يعوّل عليه لإنهاء حالة الاستقطاب في الخيارات التي كرّسها الفخ الإيراني. هذا يعني أن الحصار الأميركي لإيران يحمل في طياته مسارين متناقضين: إما أن يقود إلى تصعيد اقتصادي عالمي إذا اختلت تدفقات الطاقة بحيث تخاض حرب عالمية ثالثة أيا تكن أدواتها، أو أن تفرض لاحقاً تسوية قسرية تحت ضغط الاستنزاف. تسوية قد لا تتيح لترامب أن يأتي باتفاق أفضل من الذي أتى به أوباما، والذي قال عنه يوماً إنه أسوأ اتفاق في التاريخ. وهذا سمّ إن تجرّعه الرئيس الأميركي لن ينجو منه إطلاقاً. لا هو، ولا الجمهوريين ممن يمثل، ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحرّك والتابع في آن.

 

لكن أيضاً ثمة في المشهد ما يستحق التوقف عنده. فمضيق هرمز الذي لطالما اعتُبر أحد أخطر أوراق الضغط، لن يعود شيئاً فشيئاً، سلاحاً حاسماً وبديلاً عن النووي كما ساقت التحليلات والكتابات بقدر ما سيغدو سلاحاً يستهلك قيمته مع كل مرة يُلوَّح به، ذلك أن العالم لم يعد ينتظر لحظة الإغلاق كي يتحرك، بل بدأ يتصرف مسبقاً عبر تغيير المسارات ورفع كلفة التأمين وبناء خطوط بديلة وإعادة توزيع الإمدادات، وكأنما يتحول التهديد نفسه إلى عامل يسرّع تآكل أثره مع الوقت، ما يعني أن القوة تتحول من القدرة على التحكم بالممر إلى تقليل الاعتماد عليه.

هذا التحول لا يمكن فصله عن الصورة الكُليّة الأكبر للعالم المتحول، حيث يبدو هذا الأخير فعلاً وكأنه يعيد إنتاج ملامح مرحلة ما بين الحربين العالميتين، حين تراكبت الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في مسار واحد أدى إلى انهيار النظام الدولي القديم. اليوم تتكرر السمات نفسها: تعدد الجبهات، تصاعد العقوبات والتعرفات الجمركية، تراجع القواعد الدولية وتبدل نقاط القوة وشلل مؤسسات الضبط الجماعي... ما يحصل يجعل الحرب في الشرق الاوسط غير منفصلة عن أي نقطة في العالم. 

 

وجب النظر إلى كل النزاعات اليوم وكأنها بنية صراع واحدة تدور حول إعادة توزيع النفوذ العالمي: روسيا تسعى لتثبيت موقعها في أوكرانيا، أوروبا تبحث عن بدائل للغاز الروسي وتواجه في الوقت نفسه انقسامات داخلية تعكسها التحولات السياسية، ومنها نتائج الانتخابات الأخيرة في المجر التي أعادت طرح النقاش حول طبيعة النموذج الليبرالي الأوروبي وحدود تماسكه. 

وبالموازاة تمتد هذه التحولات إلى الداخل الأميركي، حيث تكشف استطلاعات الرأي عن تراجع غير مسبوق في تأييد إسرائيل، خصوصاً بين الفئات الشابة، وهو ما انعكس أيضاً في عمليات تصويت داخل الكونغرس على صفقات السلاح. هذا التحول قد يمهد لمرحلة تعيد فيها الولايات المتحدة ضبط علاقتها بإسرائيل بشكل تدريجي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات أوسع على بنية التحالفات. كذلك يبرز البعد المالي كعامل حاسم في إعادة توزيع النفوذ، إذ إن استمرار التوترات قد يدفع دول الخليج إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الداخل، ما يضغط على السيولة العالمية ويرفع تكلفة التمويل، ويجعل النظام المالي أكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية. 

وضمن هذا الإطار أيضاً تبدو دول مثل العراق ولبنان ساحات مباشرة لإعادة توزيع النفوذ. ففي العراق، تعكس ترتيبات تشكيل الحكومة محاولة لإعادة ضبط التوازن بين واشنطن وطهران، بينما يظل لبنان عالقاً بين هدنة هشة واحتمالات تصعيد، في ظل مسارات تفاوضية مفخّخة وغير مستقرة مع إسرائيل. 

 

كأن العالم برمته أمام مخاض ستطول مدته وسيكون له هزات ارتدادية كثيرة قبل أن يهدأ على شكل جديد، وربما لن يهدأ بلا اختفاء أهم الفواعل عن المشهد، سواء ترامب أم نتنياهو، علماً أن ترامب يحاول أن يثبت وجوده و"انتصاراته" قبل الذهاب إلى الصين منتصف أيار/مايو الجاري، وأن نتنياهو يحاول أن ينتزع انتصاراً لبنانياً صورياً (اللقاء مع عون) قبل الموعد المذكور. قطبان يريدان من العالم كله أن يعترف بانتصاراتهما، ولن يملّا ابتكار حروب ولو وهمية لأجل شراء بطولات وهمية أو حقيقية، ولأجل تأبيد الحاجة إلى تجديد الانتصارات عبر تجديد الحروب. 

هما لن يملّا. لكن في نهاية المطاف فإن من يوقف الحرب فعلاً ليس شخصاً، بل لحظة يتقاطع فيها الإنهاك مع الحسابات وتصل فيها الكلفة إلى درجة تجعل الاستمرار أقل عقلانية من التراجع. هذا ما حصل بالضبط، وبهذا المنطق تُستكمل المفاوضات. وهذا ما جعل توازنات العالم متقدمة على أي إرادة فردية، بحيث يصبح القرار أكبر من صاحبه وأثقل من قدرته على التحكم به!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث