شهدنا حدثين في الأسبوع الجاري يؤكدان السعي لترتيب العلاقة بين فلسطين وسوريا الجديدة ولبنان الجديد، بشكل مؤسساتي ومنظم بعيداً عن ذهنية الزواريب والطرق الالتفافية والخطوط العسكرية، مع الانتباه إلى أننا لا نستطيع الحديث عن فلسطين الجديدة، وبالتأكيد لا نقصد المصطلح الذي طرح في صفقة القرن لدونالد ترامب، وخطط صهره جاريد كوشنير لتصفية القضية لا حلها بشكل عادل ونزيه، وإنما قيادة شابة جديدة تأخذنا على طريق فلسطين الجديدة الفعلية، لا اسمها الحركي مثلما طرحه الرئيس وصهره.
وبالعموم، فقد زار نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ دمشق على رأس وفد رفيع، حيث التقى الرئيس أحمد الشرع، وكان نقاش حول ترتيب العلاقة بين فلسطين وسوريا الجديدة بشكل مؤسساتي شفاف ونزيه، وقد جرى هذا بالتزامن مع اعتقال السلطات اللبنانية السفير السابق أشرف دبور في مطار بيروت، بناء على مذكرة اعتقال صادرة عن الإنتربول الدولي بطلب رسمي من القيادة الفلسطينية الرسمية والشرعية، مع ملاحظة أن أشرف بريء بالطبع حتى تثبت إدانته، ويقال وثمة شواهد عديدة على أن المذكرة كيدية وسياسية بانتظار الحسم من القضاء النزيه المستقل في لبنان الجديد، ولكن الدلالة الأهم بالحدثين أن ثمة علاقات تدار بين القيادات الشرعية الرسمية المعترف بها عربياً ودولياً بعيداً أيضاً عن سطوة وتدخل جهات غير شرعية لا يحق لها التدخل لا في السلطة القضائية، ولا أي سلطات تشريعية وتنفيذية أخرى.
العلاقات الفلسطينية السورية
إذن حل نائب الرئيس حسين الشيخ في دمشق نهاية الأسبوع الجاري على رأـس وفد رفيع ضم رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، ومسؤول المخابرات ماجد فرج، ومستشار الرئيس القانوني وائل لافي، والسفير الفلسطيني سمير الرفاعي- للنقاش مع القيادة الجديدة حول سبل وآليات ترتيب العلاقات الفلسطينية السورية.
ووفق مصادر مطلعة، فإن قاعدة ما يجرى النقاش حوله، خصوصاً من جانب القيادة السورية الجديدة، تتمثل بمأسسة العلاقة بشكل رسمي وصحيح بالقنوات الشرعية بعيداً عن ذهنية الزواريب، واستخدام الفصائل للضغط أو التشكيك بشرعية القيادة أو التلاعب والمتاجرة بالقضية كما كان يفعل نظام الأسد لنصف قرن تقريباً.
هنا لابد من التذكير أن ثمة علامات استفهام عديدة دستورية، وديموقراطية، وسياسية حول القيادة في رام الله، لكن هذه ليست مسؤولية القيادة السورية، وإنما فلسطينية بامتياز، سياسية وحزبية وشعبية، ولا دخل أو يفترض أن لا دخل للحكومات العربية فيها دون استبعاد تقديم المساعدة إذا ما طلب منها، ضمن دعم القضية العادلة والشعب الفلسطيني على نيل حقوقه المشروعة.
من هذه الزاوية، وبحسب مصادر مطلعة، يمكن تأكيد نقاش ثلاثة ملفات أساسية، إضافة الى مأسسة العلاقات وتنظيمها لتمر عبر القنوات الشرعية حصراً، فهناك ملفين أساسين الأول هو التنسيق السياسي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وممارسات الاحتلال الإسرائيلي، مع دعم قوي وواضح للحقوق والمطالب الفلسطينية المشروعة يأتي أساساً في سياق الدفاع عن الحقوق والمصالح السورية المتماهية والمتطابقة معها.
أما الملف الثاني فيتعلق بوضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، ولا نية لتخلى الدولة عن مسؤوليتها واستمرار تمتعهم بحقوقهم الكاملة كالمواطنين "السوريين باستثناء الحقوق السياسية". وبالرغم من المهام الجسام المطروحة أمام الدولة السورية، لكنها تريد العمل والتنسيق الثلاثي عبر هيئة شؤون اللاجئين التابعة للدولة "تم تعيين سيد المصري كمدير فلسطيني جديد شاب لها منذ أيام" مع القيادة الفلسطينية الرسمية ووكالة الأونروا التي تتحمل مسؤولية مركزية عنهم وفق قرار تفويضها حتى عودتهم إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم المحتلة.
انتزاع ورقة تمثيل اللاجئين
في هذا السياق، ثمة فراغ سياسي كبير فيما يخص اللاجئين في سوريا مع طي حقبة الفصائل برمتها، بعدما تماهت مع النظام الساقط وربطت مصيرها بمصيره، وهنا تقع مسؤولية كبرى على عاتق القيادة الفلسطينية الرسمية والسفارة التي تتعاطى معها القيادة السورية كممثل لها، كما ثمة مسؤولية تقع على عاتق اللاجئين أنفسهم في أخذ المبادرة وتأسيس هيئات ومنظمات مجتمع مدني غير حكومية للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، على قاعدة الاحتفاظ بهويتهم الوطنية.
لكن للأسف لا تفكر القيادة الفلسطينية الرسمية على هذا النحو، وهي تريد أولاً انتزاع ورقة تمثيل اللاجئين دون تحمل المسؤولية الفعلية عن أحوالهم بعدما تخلت عنهم فعلاً خلال سنوات، بل عقود طويلة، وسكتت عن ممارسات وجرائم نظام الأسد بحقهم بما في ذلك تدمير مخيم اليرموك بكل ما يحمله من رمزية كعاصمة للجوء والشتات.
وبالعموم تمثل المعطيات السابقة جدول الأعمال الرسمي المفترض للزيارة، أو على الأقل المطروح من وجهة نظر القيادة السورية، والذى كان مدخل الوفد الفلسطيني والعنوان العام للنقاش، لكن بالحقيقة وحسب مصادر مطلعة، يتمثل الغرض الأساسي للزيارة بملف الأملاك الفلسطينية لمنظمة التحرير وفتح والفصائل الأخرى في سوريا وهى كبيرة وهائلة جداً، - بينها مدينة جامعية بمساحة 100 دونم، صادرها نظام الأسد بشكل غير شرعي إثر الخلافات، وقطع العلاقات مع القيادة الشرعية ممثلة بالرئيس ياسر عرفات منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
هذا يفسر وجود المستشار القانوني للرئيس "وائل لافي"، لا الدبلوماسي "مجدى الخالدي" كما جرت العادة بالوفود الفلسطينية الرسمية التي تريد القيام باستردادها والتصرف بها كما يخلو لها.
في هذا الملف أبدت القيادة السورية تعاوناً وانفتاحاً وقبولاً مبدئياً لإعادة الممتلكات لأصحابها الشرعيين، شرط أن تتم العملية بشكل مؤسساتي و قانوني شفاف ونزيه وعادل.
إنزال بالباراشوت
وفق مصادر مطلعة فقد تم تكليف ياسر نجل الرئيس محمود عباس أو ولي العهد بهذا الملف ضمن ما بات يعرف بمشروع التوريث واقحامه وإنزاله بالبراشوت على المؤسسات الحزبية والفلسطينية الرسمية، مع سعي لترشيحه لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وحسب مسؤولين فتحاويين، فإن هذا يمثل أحد أسباب الدعوة لمؤتمر الحركة الصيف المقبل، لا من أجل اجراء الإصلاحات المطلوبة بل الالتفاف عليها كما جرى بالانتخابات البلدية في نيسان/أبريل الماضي.
ووفق المصادر المطلعة نفسها، كان يفترض أن يتسلم ياسر عباس المسؤولية الفعلية عن اللاجئين الفلسطينيين "والأملاك" في سوريا، وبقاءها شكلاً مع السفير سمير الرفاعي كما يجري في لبنان -عزام الأحمد بات مسؤولاً شكلياً فقط-، ولكنه تلقى رفضاً وكتفاً باردة وممانعة من القيادة السورية الجديدة.
وفي السياق اللبناني ثمة تصحيح للعلاقة الفلسطينية -اللبنانية كي تمر عبر القنوات الرسمية والشرعية، ومن هنا يأتي تجاوب السلطات اللبنانية مع مذكرة توقيف السفير الفلسطيني السابق في بيروت أشرف غربال -بالتزامن مع زيارة الشيخ إلى دمشق- ورغم أقاويل كثيرة عن المذكرة الكيدية والرغبة بتصفية حسابات داخلية، إلا أن الخطوة تأتي في السياق الصحيح لعلاقة طبيعية وشفافة بين الأشقاء، أما الحديث عن الخلافات الداخلية وهيمنة ياسر عباس على الساحة وإجرائه تغييرات كبيرة فيها، فيفترض أن يكون الأمر برسم الفتحاويين واللاجئين الفلسطينيين والطبقة الفصائلية بشكل عام، وهو ما سيكون محور قراءة قادمة إن شاء الله.




