تشهد السياسة الخارجية السورية تحولاً لافتاً في مقارباتها للتوازنات الإقليمية، مع سعي واضح لإعادة تعريف دورها من ساحة تتقاطع فيها الصراعات إلى طرف فاعل يقدم نفسه كجزء من الحلول.
وبحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، فقد استثمرت دمشق التطورات الأخيرة لتعزيز علاقاتها مع دول عربية وغربية، مستندة إلى التزامها الحياد منذ اندلاع موجة المواجهات الإقليمية الأخيرة.
ونقل التقرير عن مصدر في وزارة الخارجية السورية، تأكيده على أن سوريا الجديدة تسعى لتقديم نفسها كحل للأزمات الاستراتيجية، مشدداً على أن سوريا لا ترى مصلحة في الاصطفاف مع أي من أطراف النزاع.
مسار اقتصادي بديل
ضمن هذا التوجه، تحاول دمشق توظيف موقعها الجغرافي كعنصر قوة، عبر طرح نفسها كممر بديل للطاقة، في ظل تعطل مسارات تقليدية بفعل التوترات. وتشير المعطيات إلى أن شحنات نفط تُنقل براً من العراق إلى الأراضي السورية، قبل إعادة تصديرها عبر ميناء بانياس إلى الأسواق الأوروبية، في مسار يتجاوز القيود التي فرضها إغلاق مضيق هرمز.
وعلى الرغم من ارتفاع كلفة النقل البري مقارنة بالشحن البحري، إلا أن هذا الخيار منح سوريا فرصة لتقديم نفسها كشريان بديل للطاقة، ما يعزز من موقعها في الحسابات الاقتصادية والسياسية للدول المعنية.
وينظر إلى هذا التطور باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز أدوات القوة الناعمة، من خلال الاقتصاد والتكامل الإقليمي.
سياسة الحياد الإيجابي
في قراءة أوسع، يرى مراقبون أن دمشق تعتمد سياسة الحياد الإيجابي، التي تقوم على الحفاظ على مسافة متوازنة من مختلف الأطراف، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. هذه المقاربة سمحت لها باستعادة جزء من دورها كوسيط محتمل في ملفات معقدة، خصوصا في لبنان والعراق.
ويقول المحلل السياسي علي تمي، لـ"المدن"، إن "سوريا اليوم هي محل اهتمام ومحط أنظار العالم بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وبحكم السياسة الديناميكية التي تلعبها القيادة السياسية السورية مع دول المنطقة"، معتبراً أن "سياسة لا عداوة معمقة مع أحد ولا صداقة دائمة، هو نهج ساهم في خلق توازن في العلاقات السياسية بين دمشق ومحيطها العربي والإسلامي، وبالتالي باتت سوريا لاعباً أساسيا في المشهد الإقليمي والدولي".
ويلفت تمي إلى أن "عدداً من القضايا أُديرت بذكاء، من بينها إعادة صياغة العلاقات مع الأردن وتركيا ودول الخليج، مع التركيز على عدم الدخول في اتفاقات منفردة مع تل أبيب، إلا ضمن مظلة عربية"، معتبراً أن هذا النهج "عزز موقع سوريا كفاعل أساسي لا يمكن تجاوزه".
وذكر أن دمشق تعرضت لضغوط دولية للمشاركة في مساعي نزع سلاح "حزب الله"، لكنها تجنبت الانخراط في هذا المسار لأسباب عدة، أبرزها الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ما جعلها محط اهتمام إقليمي ودولي.
تكريس الاستقرار الإقليمي
من جهته، يقول أنس البو، وهو مستشار سياسي ومختص بالعلاقات الدولية، لـ "المدن"، إن "دمشق تتجه بثبات نحو إعادة تموضعها الجيوسياسي، بما يعكس انتقالها من موقع التأثر بتقاطعات الصراعات إلى موقع الفاعل المسؤول الساعي للإسهام في صياغة الحلول الإقليمية"، مضيفا أن "هذا التوجّه لا يأتي بمعزل عن تطورات ملموسة في مقدمتها استعادة قدر معتبر من الاستقرار الداخلي، والانفتاح المتدرّج على العمق العربي، إلى جانب تنامي القناعة لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية بأن أي مقاربة واقعية ومستدامة لأزمات المنطقة لا يمكن أن تكتمل دون دور سوري محوري ومتوازن".
ويتابع أنه "في هذا الإطار تنتهج دمشق سياسة تقوم على مبدأ الحياد الإيجابي، بما يتيح لها الحفاظ على مسافة متوازنة من مختلف الأطراف مع إبقاء قنوات التواصل والحوار مفتوحة"، معتبراً أن "هذه السياسة لا تعكس فقط خياراً تكتيكياً، بل تعبّر عن رؤية استراتيجية تسعى إلى تكريس الاستقرار الإقليمي عبر أدوات دبلوماسية مرنة تعزّز من حضور سوريا كجسر تواصل بين مختلف القوى، لا كساحة لتقاطعها".
كما أن هذا التوجّه، حسب البو، يتعزز بإدراك متنامٍ لأهمية تفعيل عناصر القوة الناعمة وفي مقدمتها الاقتصاد، من خلال توسيع مجالات التعاون الإقليمي وتحفيز بيئة الاستثمار والانخراط الفاعل في مشاريع إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي".
ومع ذلك فإن استمرارية هذه المقاربة ونجاحها يظلّان مرتبطين بطبيعة البيئة الإقليمية المتحوّلة وبقدرة دمشق على إدارة توازن دقيق في علاقاتها الدولية والإقليمية بما يحفظ استقلالية قرارها ويجنّبها الانخراط في محاور متقابلة.
وعليه، يمكن القول إن "سوريا تمضي بخطى واثقة نحو استعادة دورها الطبيعي كركيزة للاستقرار والتوازن في المنطقة، مستفيدةً من موقعها الجغرافي ومكانتها السياسية والتاريخية، لتتحول إلى منصة للحوار والتلاقي الإقليمي، بما يعزز فرص بناء مقاربات مشتركة تُفضي إلى حلول أكثر استدامة وشمولاً"، وفق ما تحدث به البو.
تحديات البيئة الإقليمية المتقلبة
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن البيئة الإقليمية تظل عاملاً حاسماً في تحديد مدى نجاح هذه السياسة، فتصاعد التوترات واستمرار النزاعات المفتوحة، قد يحدان من قدرة أي طرف على البقاء خارج الاصطفافات.
وفي هذا السياق، يرى المحامي والسياسي طارق الكردي، في حديث لـ"المدن"، أن "سوريا الجديدة تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور توازني في المنطقة، عبر تبني سياسة الابتعاد عن المحاور والاستقطابات"، مشيراً إلى أن البلاد "تحتاج الجميع كما أن الجميع بحاجة إليها”.
ويعتبر الكردي أن "هذا التوجه يعد سياسة حكيمة، لكنه ربط نجاحها بتعقيدات المشهد الإقليمي، ولا سيما الدور الإسرائيلي الذي يدفع نحو التصعيد وعدم الاستقرار، كما يظهر في غزة ولبنان وسوريا، مع استمرار التهديدات تجاه دمشق".
ويضيف أن "الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا يفرض تحديات كبيرة تتطلب دقة في إدارة التحالفات، خاصة مع تضارب المصالح بين الحلفاء أحياناً"، لافتاً إلى أن "سعي الحكومة لتحويل سوريا من ساحة صراع إلى منصة لحل الأزمات يتناسب مع إمكاناتها، وقد يكون مفيداً للبلاد"، لكنه شدد على أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بتطورات المنطقة، التي قد لا تسمح بالحياد الكامل أو البقاء خارج الاستقطابات.
ووسط كل ذلك، تبدو دمشق أمام فرصة لإعادة صياغة موقعها في الإقليم، مستفيدة من مزيج من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، غير أن هذه الفرصة ترافقها تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على سياسة الحياد في بيئة تميل بطبيعتها إلى الاستقطاب.




