تركيا الرابح الأكبر من الحرب على إيران

أنس وهيب الكرديالاثنين 2026/05/04
تركيا.jpeg
أنقرة تلتزم موقف الحياد في الحرب على إيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رسخت تركيا مكانتها الشرق أوسطية في العقد الأول من القرن العشرين، وعززت نفوذها في شمال أفريقيا، لكن تبوأها لمقعد القوة الإقليمية لم يحصل إلا عندما ساهمت في حسم الصراع المديد على سوريا في العام 2024. برعايتها الفعالة للثورة السورية على مدار 14 عاماً ودعمها متعدد الأوجه لعملية "ردع العدوان" التي أطاحت بنظام الأسد. لم تهزم تركيا كلاً من إيران وروسيا في الحرب السورية فحسب، بل أجبرت إيران على الانتقال إلى وضعية الدفاع على مستوى المنطقة، وباتت صاحبة الكلمة العليا في تحديد مصير بقايا الوجود الروسي العسكري على الساحل السوري. واللافت، أن أنقرة قد أنفقت لتحقيق هذا الإنجاز تكاليف منخفضة مقارنة بما تكبدته روسيا وإيران لدعم نظام الأسد، وأنها لم تخسر نفوذها في ساحات أخرى، بل هي عززته، كما حصل في القوقاز وآسيا الوسطى، بخلاف إيران وروسيا اللتين فقدتا موقعهما السامي في سياسات تلك المنطقتين، وتراجع تأثيرهما في أفريقيا إلى أدنى مستوى له منذ عقدين.

 

إيران ترفض التعاون

مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الإيرانية بعد "طوفان الأقصى" تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نأت أنقرة بنفسها عن المعارك والتزمت جانب الحياد، وإن انتقد مسؤولون أتراك جرائم الحرب الإسرائيلية. إبان تلك الحرب، انتبه المسؤولون الأتراك إلى خطورة مخططات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الرامية إلى تفكيك المنطقة واحتلال المزيد من الأراضي العربية تحت ذرائع شتى. تحركت تركيا، مع إضعاف الإسرائيليين للإيرانيين، بهدف ملء الفراغ الناشئ في بلاد الشام، ومنع تل أبيب من التمتع وحيدةً بثمار تراجع القوة الإيرانية. 

أمسكت أنقرة بميزان القوى الإقليمي بين الإسرائيليين والإيرانيين في الحقبة التي تلت انهيار نظام الأسد. لعبت دور رقاص التوازن بين النزعة الإسرائيلية العدوانية المتزايدة، والنزعة الإيرانية الاستشهادية، التي تعمقت بعد هزيمة طهران الإقليمية. أثبتت الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران في حزيران/ يونيو، عجز تل أبيب، حتى مع الدعم الأميركي، عن حسم الصراع مع إيران بالضربة القاضية. لكن الفترة التي تلت حرب الإثني عشر يوماً، أظهرت رفض طهران التعاون مع جهود أنقرة والرياض لمساعدتها على تخفيف حدة التوتر مع واشنطن، وعجزها عن القبول بالحقائق الجيوسياسية الجديدة في المنطقة. عملياً، كان الإسرائيليون والإيرانيون منهمكين في التحضير لجولة جديدة من القتال على أمل أن تكون نهائية هذه المرة. اجتذب نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى صفه. وفي المقابل، نالت طهران دعماً عسكرياً وتقنياً من الصين وروسيا، وخطّت مع وكلائها في المنطقة (تحديداً حزب الله) استراتيجية جديدة للمواجهة. اتفق الجانبان على أن أنقرة كانت مثار شك عميق. لم يغفر الإيرانيون ما اعتبروه طعنة تركية نجلاء لنفوذ بلادهم الإقليمي، عندما دعمت أنقرة إسقاط نظام الأسد فيما طهران منشغلةً بإسناد حركة "حماس". أما نتنياهو، فقد رفض التأقلم مع الدور التركي المتوسع في قلب بلاد الشام، والذي حظي بموافقة مزدوجة من السعوديين والأميركيين، لم يكن ليتصور حصولها أي زعيم صهيوني. 

في مطلع العام 2026، بدا أن الإيرانيين والإسرائيليين سيخوضون الجولة التالية فيما بينهما، لا لشيء، إلا ليتفرغ المنتصر منهما للانتقام من أنقرة.

 

ثلاثي الوساطة الإسلامي

مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أواخر شباط/فبراير الماضي، التزمت أنقرة موقف الحياد انسجاماً مع حرصها على موازين القوى في الشرق الأوسط، وفضلت عدم ظهور بمظهر المنتصر الواضح بنهاية الحرب. وفي الوقت ذاته، اتخذت عدة خطوات من أجل مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب.

تواصلت أنقرة مع دمشق لإبعادها عن خط المواجهة مع حزب الله، وردعت كل من إيران وإسرائيل عن إدخال سوريا في آتون الحرب. وعرض المسؤولون الأتراك بيع منظومات دفاع جوي على دول الخليج العربي التي واجهت الغدر الإيراني، في خطوة جديدة على طريق تحقيق طموح تركيا بعيد المدى لتوسيع مظلتهم الأمنية في الخليج العربي. كما شكل الأتراك مع نظرائهم المصريين والباكستانيين ثلاثي الوساطة الإسلامي بين الولايات المتحدة وإيران. 

إن احتمال عودة النفوذ الإيراني إلى بلاد الشام، بما قد يؤدي إلى اهتزاز المعادلة التي رسمتها أنقرة للدور الروسي في سوريا ما بعد نظام الأسد، حيث يمكن لإيران وروسيا إحياء تعاونهما القديم وتوحيد جهودهما لزعزعة حكم الرئيس أحمد الشرع، دفع المسؤولين الأتراك إلى إدخال العامل الأوكراني على الساحة السورية، لكن بشكل منضبط، لا يثير حفيظة الروس. ولمواجهة العدوانية الإسرائيلية المتزايدة في سوريا، رفعت أنقرة من مستوى تنسيقها مع الرياض، القاهرة وواشنطن واتخذت في جنح الظلام خطوات عسكرية داخل الأراضي السورية. 

 

بين غضب طهران وعداء أنقرة

مع إطلاق الصاروخ الأول في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حلت لحظة الوعد التي انتظرها الجانبان الإسرائيلي والإيراني. خطط نتنياهو لاستخدام المجموعات الكردية المناوئة لطهران والمتمركزة في إقليم شمال العراق كرأس حربة لإسقاط نظام ولاية الفقيه، ومن المؤكد أنه كان سيلعب الورقة ذاتها ضد أنقرة لاحقاً. أما قيادات الحرس الثوري، فقد جهزت لتوجيه ضربات لتركيا من أجل الحط من شأنها، وإظهار عجزها أمام أذربيجان، أرمينيا ودول الخليج. 

لكن لحظة الوعد تلاشت أمام حقائق الواقع الصلبة. انهارت خطة نتنياهو لإثارة انتفاضة كردية ضد النظام الإيراني، نتيجةً لتدخل تركي من وراء الكواليس. وفي المقابل، لوحت أنقرة بورقة حلف "شمال الأطلسي" (الناتو) أمام طهران، وهذا ما اضطر المرشد الغائب السيد مجتبى خامنئي إلى إيقاف هجمات الحرس على تركيا، متعللاً بأن الصواريخ التي أسقطتها دفاعات حلف "الناتو" فوق الأجواء التركية لم تكن سوى خدعة صهيونية هدفها جر الأتراك إلى القتال ضد إيران. 

هكذا، وجد نتنياهو نفسه، وقد فشلت حربه التي شاركته فيها أقوى دولة في العالم، محاصراً بين غضب طهران العارم وبالأخص بعد تلاعبه بالمكونات الإيرانية، وبين عداء أنقرة الصريح، التي تجاهل قوتها ومكانتها في موازين القوى الإقليمية. أما القيادة الإيرانية العليا، فلم تعد قادرة على المطالبة بالثأر من تركيا على دورها في إسقاط نظام الأسد، وأصبحت موزعةً بين احترام صنيع أنقرة الذي أنقذها من مخاطر التفكك الداخلي، وحاجتها إلى هذه الأخيرة على وجه الخصوص، من أجل حماية ما تبقى لها من نفوذ في الهلال الخصيب.

هكذا، شاهدت أنقرة كل من طهران وتل أبيب، اللتين فاتهما أن ممارسة النفوذ في ساحة مشهورة بتقلبات رمالها المتحركة كالشرق الأوسط، وهما تقعان في فخ التقدير المبالغ فيه لقوتهما، وراقبتهما، بسرور لا يخفى، وهما تصطدمان بمحدودية قدراتهما. 

 

مكاسب تركية

وبينما تكتوي إيران وإسرائيل بنيران الحرب، اللتين نفختا في أورها، برزت تركيا كقطب الرحى في الشرق الأوسط، على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري. وعلى الرغم من ذلك، فضلت أنقرة أن تظل متوارية عن الأنظار كي لا تضاعف مهانة الإيرانيين أو الإسرائيليين. وانسلت الدبلوماسية التركية بين ارتدادات الفشل الإسرائيلي والهزيمة الإيرانية، لتثّبت مكاسبها، وهي كثيرة، وتجني المزيد منها. ولعل أبرز مكاسب لتركيا: أولاً، تثبيت دورها في الشرق الأوسط كقوة إقليمية لا غنى عنها، ثانياً، رسوخ مكانتها كمرساة استراتيجية للولايات المتحدة (بعد فشل نتنياهو) ووسيط القوة الأكثر نفوذاً في سوريا، ثالثاً، رفع مستوى علاقاتها مع العواصم الخليجية إلى آفاق جديدة، رابعاً، توسيع هامش مناورتها في حوارها مع الروس، الصينيين والأوروبيين، خامساً، وربما كان الأهم انزلاق المزيد من القوى الكردية في إقليم كردستان العراق إلى المدار التركي. سادساً، تحول الممرات التجارية بعيداً عن إيران والخليج ومضيق هرمز باتجاه تركيا وبلاد الشام وشرقي البحر الأبيض المتوسط.

وفيما الصراع في إيران وحولها لما يشارف على نهايته، برزت بلاد الشام على مسرح الأحداث، وهي لا تزال تبحث عمن يطالب بإرث حافظ الأسد لإدارة توازناتها المعقدة. ويبدو أن أنقرة تتقدم الصفوف للمطالبة بهذا الإرث، أو على الأقل هذا ما أوحى به عرضها للوساطة بين حزب الله وإسرائيل. 

وتجد طهران وحزب الله نفسيهما مدينين لأنقرة، لذلك، من الصعب أن يرفضا هذا العرض، وإن لم تعترف طهران بعد بأن التغيير في موازين القوى بالهلال الخصيب بعد سقوط نظام الأسد، لا رجعة عنه. أما تل أبيب المتحفزة لإحباط الوساطة التركية، فستجد أن موقفها لن يغير كثيراً، من حقيقة أن أنقرة هي واحدة من القوى الإقليمية المشكلة للميزان الاستراتيجي حول لبنان، وأنها قد تكون قاب قوسين أو أدنى، من أن تصبح القوة المتحكمة بهذا الميزان.

بينما يمني ما تبقى من قيادات الحرس الثوري أنفسهم، باستعادة إرث قائد "فيلق القدس" الجنرال قاسم سليماني الذي صال وجال في صحاري ومدن الهلال الخصيب، تحت سمع وبصر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ويسلي نتنياهو نفسه بمخطط "ممر داود" تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى، تتقدم أنقرة، ببطء لكن ثبات، ومن دون لفت الأنظار، لتحتل موقع القوة الإقليمية الكبرى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث