في وقت تشتعل فيه الساحة السياسية والحزبية في اسرائيل، وتتسارع الاحداث وتبنى التحالفات الانتخابية، ويتم اعادة صياغة المعسكرات الحزبية، يصر بنيامين نتنياهو على خوض الانتخابات الاسرائيلية القادمة على رأس قائمة حزب "الليكود" الذي هيمن عليه منذ وقت طويل، ونجح في اقصاء كافة خصومه ومعارضيه داخل الحزب، بل حوّل الحزب الى أشبه بولاءات شخصية لكل من يقف معه ويسانده، اما من يعارضه فلا مكان له داخل الحزب جلعاد اردان، يولي أدليشتاين، كحلون، نموذجا لهؤلاء.
وعلى الرغم من تفرد نتنياهو باتخاذ القرار الحزبي في "الليكود" وممارسة سياسة إقصاء خصومه، الا ان استطلاعات الرأي ما زالت تمنح الحزب بزعامة نتنياهو الاغلبية في الانتخابات القادم، فقد أظهر استطلاع رأي لقناة "كان" العبرية، أن "الليكود" بزعامة نتنياهو يتبوّأ المركز الاول في عدد المقاعد التي يحصل عليها لو اجريت الانتخابات في هذه الايام، على الرغم من الاعلان عن تحالف جديد بين رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة الحالي يائير لابيد تحت مسمى "معاً" لخوض الانتخابات القادمة في قائمة واحدة.
على الجانب الاخر فان الصورة تبدو أكثر تعقيداً عند النظر الى خارطة المعسكرات، حيث أظهر استطلاع للقناة 12 العبرية أن خارطة المعسكرات الانتخابية تميل لصالح المعارضة على حساب نتنياهو وائتلاف اليمين الحاكم في اسرائيل، اذا منح ائتلاف المعارضة (60) مقعداً، مقابل (50) لائتلاف نتنياهو، و (10) للأحزاب العربية، وهذا بالطبع يشكل معضلة نتنياهو في عدم قدرته على تشكيل حكومة جديدة في اسرائيل.
نتنياهو اللاعب الأقوى سياسياً
في هذا السياق، قالت الباحثة السياسية وعضو الكنيست السابق عن "التجمع الوطني الديمقراطي" نفين أبو رحمون لـ"المدن" إن نتنياهو "لا يزال اللاعب الأقوى في الحلبة السياسية، لكنه يفتقر إلى "الفريق" الذي يضمن له البقاء في السلطة بسهولة دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مواجهة تحالفات معارضة غير مسبوقة"، مضيفة أنه "سيحاول تقديم نفسه بأنه القائد الوحيد القادر على مواجهة "التهديدات الوجودية" من إيران وحلفائها، وتحويل السردية من إخفاق أكتوبر إلى الانتصار الإقليمي".
وفي الوقت ذاته، تشير أبو رحمون الى أن الائتلاف اليمين يواجه شرخاً داخلياً كبيراً بسبب قانون تجديد إعفاء "الحريديم" من الخدمة العسكرية، وهو ما قد يدفع بعض القوى اليمينية القومية للابتعاد عن نتنياهو، ومن المتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى انسداد سياسي جديد، حيث لا يملك أي طرف أغلبية واضحة، مما قد يضطر نتنياهو للبحث عن شركاء غير متوقعين أو الذهاب إلى جولات إنتخابية متكررة.
في ظل هذه التجاذبات، يبقى المشهد الانتخابي الاسرائيلي ضبابياً وغير قابل للحسم الى حد ما، حتى يتم اغلاق باب تقديم القوائم الانتخابية الى لجنة الانتخابات، وحينها تصبح التحالفات واضحة بشكلها النهائي ويمكن التنبؤ بشكل الحكومة القادمة بناء على القوائم النهائية، اضافة الى التطورات الأمنية القادمة، فربما يذهب نتنياهو الى مغامرة عسكرية قبيل الانتخابات لتعزيز شعبيته وشعبية معسكر اليمين في الرأي العام الاسرائيلي ليزيد من حظوظه لتشكيل الحكومة القادمة.
الساحر بدأ يفقد سحره
من زاوية أخرى، يرى الباحث في الشأن الاسرائيلي فايز عباس في حديثه لـ"المدن" أن فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة القادمة قد تكون شبه معدومة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن المزاج العام الإسرائيلي متقلب ويتأثر بالتطورات الأمنية والسياسية، ومن المبكر التنبؤ بالنتيجة النهائية للانتخابات القادمة على الرغم من ان كافة استطلاعات الرأي التي أُجرِيَت حتى قبل أيام قليلة تمنح حزب "الليكود" ان يكون الحزب الأكبر، لكن نتنياهو لن يتمكن من تشكيل الائتلاف الحكومي، ويبدو أن حظوظ نتنياهو أن يصبح رئيساً للحكومة القادمة قد تصل إلى الصفر.
ويذهب عباس الى أبعد من ذلك، ليؤكد أن نتنياهو الذي يوصف بالساحر في توجهه للرأي العام الاسرائيلي، يبدو أنه بدأ يفقد سحره، بعد السابع من اكتوبر 2023، ويحاول جاهداً إبعاد هذا الملف الأسود عنه، محملاً قادة الاجهزة الامنية والعسكرية المسؤولية عن هزيمة السابع من اكتوبر، وسيستمر بالكذب كعادته ليقنع الرأي العام بأنه الوحيد الذي بإمكانه ان ينتصر على الأعداء، وسيحاول أيضاً توظيف الحرب على ايران ولبنان وغزة كانتصار شخصي، وأنه تمكّن من القضاء على القيادة الإيرانية والمشروع النووي الذي شكل تهديداً وجودياً لإسرائيل.
لكن المعارضة الاسرائيلية، ما زالت له بالمرصاد، إذ تتهمه بالفشل والإخفاق في توفير الأمن للمواطنين في اسرائيل، ويستغل القطب في المعارضة الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان ما يحدث على الجبهة الشمالية المشتعلة مع لبنان هذه الظروف ليوجه انتقادات حادة لنتنياهو ويتهمه بأنه ضعيف وغير قادر على الحسم ويخضع للقرار السياسي الأميركي، وأن إسرائيل أصبحت اليوم تحت الوصاية الأميركية.. أمام هذا الواقع، فإن المهمة أصبحت معقدة أكثر أمام نتنياهو، فرغم تفوق حزب "الليكود"، إلا أنه يبقى عاجزاً عن تشكيل أي حكومة مقبلة نظراً لتفوق معسكر المعارضة على معسكر اليمين الممثل بنتنياهو وشركائه الحاليين.
انتخابات بلا بديل سياسي
في المقابل، يطرح أستاذ العلوم السياسية سهيل ذياب رؤية مختلفة، تستند الى أن الحملات الانتخابية لن تكون على أجندة سياسية بديلة لأجندة بنيامين نتنياهو، وانما فقط على استبدال شخص نتنياهو، وستركز المعارضة على اجندة داخلية بالمطالبة بلجنة تحقيق رسمية حول السابع من اكتوبر، ومحاولة رأب الانقسام والتصدع في المجتمع الاسرائيلي، وليس على رؤيا سياسية بديلة. أما نتنياهو واليمين الحاكم، فسيركزان بالأساس على "تخوين" المعارضة ويتهمانها ببيع الدولة لـ"حماس" وللحركة الاسلامية ومنصور عباس، واحتمالية توجه نتنياهو الى ما وصفه "بالفخ الكبير" بأن يجد الذريعة المناسبة لتأجيل الانتخابات بشن حرب جديدة أو أن يقوم بخطوات قانونية وارهابية لمنع الصوت العربي من التأثير في الانتخابات القادمة.
خياران لا ثالث لهما
يختم ذياب بقوله: "نتنياهو الآن أمام خيارين: إما يربح نفسه ويعتزل السياسة ضمن صفقة قضائية، أو يفقد نفسه والسلطة في الانتخابات القادمة. فهو يخوض حرب في آخر جبهة، وهي الجبهة الداخلية، والجبهات السبع التي خاضها لم يحقق حسماً في أي منها، وعزلة اسرائيل غير مسبوقة، وحتى الولايات المتحدة ينقلب رأيها العام ضد سياسة إسرائيل".
وفي ظل هذا الحيز السياسي الاسرائيلي، يبدو أن نتنياهو يواجه مرحلة صعبة قد تنهي حياته السياسية، حيث يخوض معركة معقدة وحساسة جداً في ظل تعثر محاولات العفو عنه من قبل رئيس الدولة، واستعصاء تشكيل ائتلاف يمني يمكّنه من تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة.

