السلطة غير المرئية.. من يملك الشرعية في سوريا اليوم؟

دمشق - طارق عليالجمعة 2026/05/01
Image-1777651920
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد قرابة عام ونصف من إسقاط نظام الأسد، لا يمكن الجزم بأن القضاء السوري تعطّل تماماً أو توقف عن الفصل في طيف واسع من القضايا الجزائية والمدنية، لكن إعصاراً عصف بالهيكلية القضائية بشكلها العام، حيث استحوذت السلطات الجديدة على القرار المرجعي الفعلي عبر تمكين أنصارها الأشد قرباً في المواقع القضائية الحساسة على صعيد منصب المحامي العام أو رؤساء النيابات أو النقابات الحقوقية، وفي أتون ذلك باتت كثير من المرجعيات تصبّ في خانة التحول من البعد القانوني – الحقوقي إلى الشرعي لتصير المرجعيات الدينية فيصلاً قائماً على الولاء في مرحلة معقدة ودقيقة لتتجاوز الرؤية الدينية النص القانوني في سياقات كثيرة، وهذا حال عام ينطلق من القضاء ويمكن تعميمه على بقية مؤسسات الدولة.

 

المصحح المنهجي

الشيخ هنا يلعب كثيراً الدور البديل عن القاضي أو المدير أو الوزير، ودور مصحح منهجي لسلوك يجب أن يتماشى مع تصورات الحكم الجديد في خلق بيئة علاقات متشابكة لا يمكن اختراقها وبالتالي كشف ظهر الدولة لخصومها بحسب ما عبّر الرئيس الشرع نفسه عن الأمر ضمن سياق موازٍ حين قال: "إنّ المرحلة الحالية تتطلب التجانس"، وفي ذلك كان التبرير لإقصاء الآخرين عن المشهد. وتالياً، صارت الكلمة الأخيرة للشيخ.

هذا الشكل من التداخل لا يعطي مؤشراً على انهيار مركزي مباشر، إنما يتيح تواجد الدولة بمؤسساتها المعنوية أو الصورية، وبالتالي إعادة إنتاج القرار الاجتماعي عبر مرجعية قانونية محكومة بالشريعة، وفي ذلك نمط لإدارة النزاع ومن شأنه إعادة تعريف الوزن الفعلي للتأثير على الأرض.

ويقول الباحث السياسي محمد بلال لـ "المدن": "كان هناك ترهل وفراغ فادح مع وصول الحكم الجديد، ولسدّ ذلك الفراغ كانت المرجعيات الدينية جاهزة ومتاحة ومقبولة شعبياً من البيئة التي أنتجت التحرير، وهي لم تكن تحتاج لإثبات شرعيتها بين مناصريها، وبالتالي صار وجودها وظيفياً محكماً لا موضوعاً ظرفياً"، مضيفاً أن "الدور الذي يتولاه الشيوخ في سوريا اليوم على كبر حجمه، جاء كاستجابة طبيعية لأمر واقع، وهذه المرجعيات تمكنت من سدّ الفراغ السابق". ويتابع: "السلطة الجديدة مرّت بسلسلة تحولات معقدة لكنّ الملف الشرعي ظلّ الحاكم الأساس فيها خلال حصارها في إدلب".

 

تجاوز الدور

خلال عقود طويلة من عمر الدولة الحديثة في سوريا، لم تعرف رجال الدين إلّا كواعظين ومرشدين وفي حالات أخرى أدوات بيد السلطة، لكن سنوات النزاع نقلت موضع المرجعية الدينية نحو التغلغل في الفضاء العام والتفاصيل الحياتية اليومية للمجتمع.

ويقول الشيخ ناصر وردة لـ"المدن"، إن "المسار هنا كان تراكمياً، فطبيعة البيئة الثائرة كانت تعتمد على التعبئة العقائدية، ومع وصولهم إلى الحكم اتضح مدى دورهم وتأثيرهم في الخلافات العميقة والسطحية بل وأحياناً التمكن من لعب دور الحسم فيها".

ويضيف "اليوم خطبة على منبر في جامع يمكنها أن تحرك الشارع". ويدعو إلى الانتباه للفرق بين الشيوخ التقليديين والشيوخ الأمنيين، ولكلٍّ منه دوره في سوريا اليوم، "فالشيوخ تستطيع حل مشاكل تتعلق بالسياسة والاقتصاد والأمن والتدخل بها بشكل مباشر ضمن إطار تحديد الحلول ومساراتها، وكذلك إعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض في الدولة وشكلها، ولا يشترط بالشيخ هنا أن يكون بزيه التقليدي، فقد يكون ارتدى ربطة عنقه لكنّ العقل الشيخي هو الحاكم، وهذا كان واضحاً في قرارات عديدة مثل فرض ملابس سباحة معينة ومنع الكحول وقرارات كثيرة".

 

أحقية تمثيل "الدين"

لا يمكن القول إن المرجعية الدينية واحدة وبخطاب موحد، بل هي نفسها متباينة في الأهداف والاتجاهات والسلوك والصراع الخفي على الاستئثار والامتياز، وبالتالي يكون لكلّ شيخ وزنه ومكانته داخل السلطة وخارجها، في الشارع وفي المؤسسة.

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي كريم عابدين، أنه "ليس من الضرورة أن تظهر هذه الخلافات للعلن، لكنّها واضحة في السلوك والممارسة، كما يفعل مثلاً السياسيين أو العسكريين. الصراع هنا على المكانة والنفوذ، وهذا الاختلاف بصورته العامة ليس سيئاً، لأنّه يفرز تبايناً بعضه ينحو باتجاه التهدئة في مواجهة تصعيد الآخرين، فحادثة هجوم البدو على أحياء العلويين في حمص قبل مدّة دفع بها شيوخ، ولجمها وأوقفها شيوخ آخرون".

بدوره يعتقد الخبير العسكري فؤاد مهذب، أن "السلطة اليوم تدرك أبعاد حدود التحرك المقبول، فلا تمضي في انتهاكات تدينها دولياً، وفي ذات الوقت تراعي خصوصية جمهورها بتمرير قرارات لصالحه لكنّها لا تجرّ لصدامات فعلية تؤخذ عليها"، لكنه يرى أن "الآفة الكبرى التي لم تستطع السلطة إيجاد حلول لها هي مسألة التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً من المقيمين في الخارج".

وضيف مهذب لـ"المدن"، أن "حافظ الأسد امتلك الشارع السني بالمفتي التاريخي أحمد كفتارو والعلامة محمد رمضان البوطي، وهذه سياسة تنجح دائماً، لأن النجاح الخارجي ينطلق من الأرضية الصلبة في الداخل، الدين دائماً هو أقوى سلاح على الإطلاق".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث