شكَّلت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الى روسيا في 27 نيسان/أبريل الجاري، والاتصال المطوَّل الذي جرى بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس دونالد ترامب في 29 منه؛ حدثان لهما دلالات كثيرة. ولا يمكن فصلهما عن مجرى تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل ضد إيران، ولا التقليل من شأن تأثيرهما عليها. والمعلومات في هذا السياق شحيحة، أو متناقضة احياناً، لكن المؤكد أن لكل من الفريقين المتحاربين أهدافه الخاصة من وراء التواصل مع موسكو في هذه اللحظة السياسية والعسكرية الحساسة.
مصادر متابعة لتفاصيل لقاء عراقجي مع الرئيس بوتين في سان بطرسبرغ؛ أشارت الى أن الجانب الإيراني طلب دعماً عسكريا بالدرجة الأولى، لا سيما تنفيذ التفاهم السابق الذي جرى بين البلدين على تزويد طهران بنظام الدفاع الجوي المتطور "إس-400"، وموسكو لم تعطِ جواباً قاطعاً على هذا الطلب، والكلام عن زيادة وتيرة التعاون العسكري مستقبلاً؛ ليس دقيقاً كما تقول المصادر. أما المسألة الثانية؛ فكانت عرض ايران لفكرة وضع كمية اليورانيوم الايراني المُخصَّب تحت الإشراف الروسي، داخل ايران أو خارجها. والموضوع الثالث كان التمني على روسيا التدخُّل لحل مشكلة الحصار القائم على الموانئ الإيرانية في الخليج، والمساعدة في تسويق جزء من النفط والغاز الإيراني عن طريق بحر قزوين والبرّ الروسي.
من ناحية ثانية؛ فالمكالمة الهاتفية بين بوتين وترامب، والتي استمرَّت لما يزيد عن 90 دقيقه؛ تناولت وفقاً للمعلومات المتوافرة، مسألة انهاء الحرب مع ايران، عن طريق تمديد الهدنة القائمة، والتفاهُم على المرحلة الأولى التي تتضمن فتح مضيق هرمز وفكّ الحصار عن الموانئ الإيرانية، على أن تليها مفاوضات على الملف النووي في المرحلة الثانية – كما اقترح عراقجي على بوتين - لكن ترامب رفض هذا الاقتراح، وطلب من موسكو ابلاغ طهران بأن التسوية تبدأ من إنهاء النزاع على الملف النووي، عن طريق تسليم اليورانيوم المُخصَّب الى واشنطن، او إخراجه من ايران بالحد الأدنى.
وتُشير معلومات لمتابعين في واشنطن؛ أن الرئيس ترامب قدَّم مُغريات سياسية كثيرة للرئيس بوتين، تتعلَّق بالضغط على الأوكرانيين وحلفائهم الأوروبيين لفرض إنهاء الحرب في أوكرانيا، وفقاً للوثيقة السابقة التي تضمَّنت 20 بنداً، ومنها تغيير الحدود بين البلدين، بما يعطي لروسيا سيادة على دونباس وزاباروجيا وقسم من خيراسون، وتعترف لها أوكرانيا بضمّ القرم. وشملت المغريات؛ تسهيل تحرُّر الصادرات الروسية من بعض العقوبات، لا سيما صادرات النفط والغاز، وبكميات كبيرة، وشمل اقتراح التعاون أيضاً، إقامة مشروعات اقتصادية مشتركة في القطب الشمالي وبالقرب من ولاية ألاسكا. لكن الموقف الروسي لم يتحمَّس كثيراً للمقترحات الأميركية في هذا الوقت بالذات، لأن ذلك يعني تخليه عن أوراق دولية مهمة، ومنها العلاقة مع ايران ومع كوبا، وفي ذات الوقت لم يرفض الاقتراحات، ولم يمانع تطوير التنسيق مع واشنطن.
يهمّ واشنطن أن لا تزيد روسيا من منسوب معارضتها للحرب التي تشنها على إيران، وهي حريصة على الحؤول دون تقديم مساعدات عسكرية واستخباراتية روسية لطهران. لكن واشنطن تفضِّل وساطة باكستان في التفاوض لإنهاء الحرب، هروباً من الاحراجات التي قد تقع فيها بمناسبة طرح الملفات الحساسة التي تتعلَّق بمضيق هرمز، حيث صوَّتت موسكو ضد قرار فتحه بالقوة العسكرية، وهي لا توافق على تقديم جوائز ترضية في هذا الممر، تخالف القوانيين الدولية، ولا سيما اتفاقية أعالي البحار للعام 1982 التي تعتبِر مياه المضيق دولية، ولا يخضع المرور فيه لأية شروط.
إيران التي كانت تنتظر من موسكو موقفاً على درجة أعلى من التعاطف، لا يبدو أنها مُمتعضة من الدور الروسي، وهي تقدِّر ظروف موسكو الصعبة الناتجة عن انخراطها في حربٍ قاسية مع أوكرانيا، وبالتالي هي عُرضة للابتزاز فيما لو زادت من منسوب مساندتها لإيران، وهذه الأخيرة ترى في استخدام موسكو وبكين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار يفرض استخدام القوة ضد طهران لفتح مضيق هرمز؛ مساندة دبلوماسية واضحة، وهناك مساعدات أُخرى لم يكشف النقاب عنها، برغم أن عراقجي عبَّر عن رغبة بلاده بدور روسي لإنهاء الحرب، لكون الضمانات التي تقدمها موسكو كراعية لأي اتفاق مع واشنطن، أكثر فعالية من ضمانات دول أخرى.
في المقابل فلموسكو حسابات خاصة تُلزمها في مراعاة مصالحها مع دول المنطقة المحيطة بايران، ولا سيما الخليجية منها، وهي أدانت استهداف المنشآت المدنية في هذه البلدان التي لم تشارك بالحرب. وموسكو بطبيعة الحال تراقب التعارض الكبير القائم بين الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين حول حرب الشرق الأوسط وملفات أخرى، وهي ربما تكون مستفيدة من هذا الخلاف، لأن مصالحها الاستراتيجية تفرض عليها عدم تسهيل الانفلاش الأميركي الذي قد يؤدي لعودة الأحادية القطبية، كما أنها تراقب عن كثب تطور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وهي حليفة للأخيرة بطبيعة الحال.




