في المسافة ما بين عالمين، عالم الحرب الباردة حيث يتواجه قطبان، وعالم القطب الأوحد بعد انهيار ذاتي أحادي للقطب الثاني (الاتحاد السوفياتي)، جربت أميركا الاستمتاع بتجربة فائض قوتها في عالم كان قد دخل لتوه طور القطب الأوحد، فكانت مثل زوج تحرر للتو من رابطة زوجية رآها طول الوقت قيداً على النزق الجميل، فراح يعيد اختبار فحولته، ويجرب المغامرة تلو المغامرة غير مبالِ بتكاليفها الراهنة، ولا بأعبائها اللاحقة، ولا بما يمكن ان تلحقه به تالياً، من عوامل ضعف ومخاطر إنهيار.
سنوات النزق واختبار الفحولة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الفائت، زجت بأميركا في آتون صراعات ذاقت فيها شهوة استعراض القوة، وجربت أنواع جديدة من السلاح لم تكن حسابات توازن القوى تسمح بتجربتها طوال عقود من الحرب الباردة، ثم جاء سقوط جدار برلين، وانهيار الكتلة السوفياتية، وتفكيك الاتحاد السوفياتي، ليمنح الولايات المتحدة خياراً لم تمتلكه قبلها أمة منتصرة عبر التاريخ، فهي تشرف على تفكيك أوصال خصومها السابقين، وتصطنع تحت ناظريها، أعداء جدد، تجدد بهم حوافز القوة عندها، وتشحذ بمحاربتهم أسلحتها، خشية أن ينال منها الصدأ.
بدت هجمات الحادي عشر من أيلول سبتمبر، على كل من نيويورك وواشنطن في العام الاول من الألفية الثالثة، وكأنما هي مفتاح غرفة الذرائع، حيث يحتفظ البيت الأبيض بماكينة تدشين الأسباب لشن حروب متزامنة، أو متتابعة، تتحقق بها غايات واشنطن في الانفراد بالزعامة في طور جديد من أطوار العلاقات الدولية.
مع نمط جديد للاستعمار، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا جلياً حرص واشنطن على انتقاء ضحاياها بحذق، مع حسابات تكاليف منخفضة للحرب، وحسابات غنائم مثيرة ومغرية بعد إحكام السيطرة على الهدف.
حروب أميركا بعد الاستفراد بعالم ما بعد انهيار جدار برلين، يجب أن تستهدف دول تكون غنية بالثروات، ومنهكة بفعل الحصار والحروب، وهذا بالضبط ما جرى في كل الحروب التي شنتها أميركا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حدث ذلك في غزو العراق، وفي غزو أفغانستان، وفي الحرب على صربيا، ثم راهناً بالحرب على إيران التي أنهكها حصار على مدى سبعة وأربعين عاماً تخللته حروب قاربت التسع سنوات. ثالث شروط الحرب الأميركية في زمن القطب الأوحد، هو أن يكون هناك تحالف ما، يتحقق من ورائه تحمل الأعباء المالية للحرب أو جزء منها، أو حتى في بعض الأحيان أن تحصل أميركا على أرباح مالية جراء الانخراط في الحرب، أو حصص كبيرة من ثروات البلد أو الطرف المهزوم في الحرب.
مع قوة عسكرية فريدة، وبانتشار عسكري باتساع العالم، ومع تآكل بعض المنافسين ذاتياً، وانهيارهم هكذا دون حرب كبرى مباشرة، تمكنت واشنطن من شن حربين متتاليتين أو متداخلتين، ظنت وقتها أنها اختارت في كل منها، خصماً مناسباً لاستعراض قوتها كدولة عظمى وحيدة، وكلنا نعرف الآن ماذا زرعت أميركا وماذا حصدت في أفغانستان ثم العراق، وها هي ذي توشك أن تقتحم إيران بتحريض إسرائيلي مفرط، لا يكف عن المطالبة باستكمال حرب شاملة ضد إيران تفتح أمامه الطريق للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط كلها.
سيناريوهات السيطرة الكاملة على إيران، لم تمضِ كما تخيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا كما أوهمه حليفه بنيامين نتنياهو، فالحرب الأميركية-الإسرائيلية لم تحقق حتى الآن بعد قرابة ستين يوماً أي من أهدافها الرئيسية المعلنة، فالملف النووي الإيراني ما زال يجسد فشل الحملة على إيران باعتباره الهدف الرئيسي للحرب، والملف الصاروخي ما زال يصفع من استهدفوه، بما يتكشف عن حجمه وقوته وأثره، وملف أذرع إيران الإقليمية ما زال مصدر ازعاج لكل خصوم طهران، أما ملف مضيق هرمز، فقد أضيف الى الملفات الثلاثة باعتباره كارت إزعاج أو ابتزاز، لكنه تحول مع الوقت إلى الورقة الأثقل وزناً على طاولة مفاوضات معلقة فلا هي تنفض ولا هي تنعقد.
ترامب الذي شنّ الحرب على إيران متأثراً بمجريات حربه على فنزويلا، تفاجأ بطول أمد الحرب وبفداحة تأثيرها على الداخل الأميركي، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة التوقف برهة، لاستخلاص العبر، وبناء استراتيجية خروج، تتيح له الاحتفاظ بماء وجه القوة العظمى الوحيدة. أما طهران، فقد حققت حتى الآن ما يتجاوز أفضل تقديراتها في الأزمة، على الرغم من فداحة ما لحق بها من دمار، وما فقدته من قياداتها من الصف الأول وحتى الصف الرابع.
وبسبب ضخامة الجائزة التي قد ينالها الطرف الظافر في الأزمة، فإن بلوغ محطة التسوية وتوزيع جوائز الاستحقاق وشهادات الجدارة، سيظل أمراً عصياً على البلوغ.
الانتظار يرهق أميركا بأكثر مما يرهق إيران، وبرغم فداحة الدمار الذي لحق بإيران، والموت الذي يحلق طول الوقت فوق كل رؤوسها، فما زال بوسع طهران أن تثير انزعاج واشنطن، كلما لوّحت بجاهزيتها للرد على كل هجوم بقدره.
حسابات القوة المجردة وموازينها تميل حتماً إلى جانب الولايات المتحدة، لكن النتائج في هذا النوع من الصراعات لا تحسمها الموازين وحدها مهما فاضت القوة عندها، أو مهما خارت، وإنما يحسمها أو يضعها قريبة من الحسم مقدار الجسارة عند اتخاذ القرار بالمواجهة أو بالمقارعة، قولاً بقول أو فعلاً بفعل.
أقوى ما في ترسانة الردع الايرانية، حتى الآن هو مبدأ يجسده قول ابو فراس الحمداني:
"إذا مت ظمآن..فلا نزل القطر"!!... فهل يكفي المبدأ لهزيمة القدرة؟!




