كوبا وانتخابات الكونغرس الأميركية: لا سقوط قريب ولا انفراج

شفيق طاهرالخميس 2026/04/30
Image-1777489815
كوبا تعيش واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

شفيق طاهر

تعيش كوبا واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية منذ سنوات، لكن هذا لا يعني أن نظام الرئيس ميغيل دياز-كانيل برموديز الحاكم يقف على حافة انهيار سريع. فالمشهد في الجزيرة يوحي أكثر بنظام منهك يفقد تدريجياً قدرته على إدارة شؤون الحياة اليومية، من دون أن يفقد أدوات البقاء الأساسية. فانقطاعات الكهرباء الطويلة، ونقص الوقود، وتعثر النقل، وتدهور الخدمات الصحية والسياحية، وتراجع القدرة الشرائية، كلها لم تعد مجرد مؤشرات على أزمة اقتصادية، بل تحولت إلى أزمة حكم كاملة تمس صميم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

النظام يملك أدوات الصمود 

المواطن الكوبي لم يعد يواجه فقط تضخماً أو ندرة في بعض السلع، بل يواجه صعوبة يومية في حفظ الطعام، والحصول على المياه، والوصول إلى المستشفى، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. هكذا تتحول الأزمة الاجتماعية إلى تهديد سياسي مباشر.

ورغم هذا الإنهاك العميق لمصادر الدولة، ما زال الحديث عن سقوط وشيك للنظام مبالغاً فيه. فالنظام الكوبي يحتفظ بقبضة أمنية قوية، كما أن النخبة الحاكمة لم تظهر بعد انقسامات يمكن أن تفتح الباب أمام تفكك داخلي. وهذا ما يجعل السيناريو الأقرب ليس الانهيار المفاجئ للنظام، بل البقاء المتآكل، نظام عاجز عن تحسين الأمور المعيشية، لكنه قادر في الوقت نفسه على منع الانفجار الكامل.

هذا النوع من الأوضاع قد يستمر طويلاً. فالسلطة تستطيع قمع الاحتجاجات المتفرقة، واحتواء الغضب المحلي، وشراء الوقت عبر إجراءات طارئة أو دعم خارجي محدود من البرازيل وإسبانيا، لكنها لا تبدو قادرة على إطلاق إصلاح اقتصادي واسع يخفف أصل الأزمة. لذلك، فإن مستقبل النظام في المدى المنظور لا يرتبط بوجود معارضة منظمة قادرة على إسقاطه، بقدر ما يرتبط بقدرته هو على منع تحول الانهيار المعيشي إلى دورة متكررة من الاحتجاجات والاضطرابات في المدن والأقاليم.

 

ترامب يستثمر في الضغط

في المقابل، تتعامل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع كوبا باعتبارها ملفاً خارجياً ذا قيمة انتخابية داخلية، خصوصاً في فلوريدا. ولهذا تبدو السياسة الأميركية قائمة على رفع الكلفة الاقتصادية على هافانا إلى أقصى حد ممكن، عبر تشديد العقوبات، وخنق التحويلات، والضغط على مصادر الطاقة، والإبقاء على السقف السياسي مرتفعاً. لكن هذا لا يعني أن واشنطن تريد انهياراً فوضوياً للنظام في هذه المرحلة.

والسبب بسيط، أي انفجار غير منضبط في كوبا قد يتحول سريعاً إلى عبء على الولايات المتحدة نفسها، سواء عبر موجات نزوح بحري، أو أزمة إنسانية قريبة من السواحل الأميركية، أو فوضى أمنية في منطقة حساسة سياسياً وانتخابياً. لذلك، يبدو أن الرئيس ترامب يفضل إنهاك النظام ودفعه إلى مزيد من الاختناق، من دون التورط في مشروع تغيير مباشر قد يفرض على واشنطن تحمل نتائج ما بعد الانهيار.

 

فلوريدا والانتخابات

تكمن أهمية كوبا انتخابياً في الولايات المتحدة، في وزنها الرمزي داخل المزاج السياسي لجنوب فلوريدا، حيث يشكل الكوبيون الأميركيون، إلى جانب الفنزويليين وشرائح أخرى من اللاتينيين، جزءاً مهماً من البيئة الانتخابية التي راكم فيها الجمهوريون مكاسب كبيرة في السنوات الأخيرة. والتشدد تجاه هافانا ظل طويلاً عنواناً سياسياً جاذباً لهذه القاعدة، لأنه يلامس الذاكرة والمنفى والعداء التاريخي للنظام الكوبي.

لكن انتخابات 2026 لن تحسم بالرمزية وحدها. فداخل القاعدة اللاتينية نفسها تظهر مؤشرات إلى تعب سياسي متزايد بسبب ملفات الاقتصاد وكلفة المعيشة والهجرة. وهذا يعني أن الورقة الكوبية قد تساعد ترامب في شد عصب مؤيديه التقليديين، لكنها ليست كافية وحدها لتوسيع القاعدة أو ضمان مكاسب صافية.

من هنا، تبدو كوبا في حسابات ترامب ملفاً مزدوج الوجه، مفيد في الخطاب السياسي، لكنه محفوف بالمخاطر في التطبيق. فكلما بقيت الأزمة تحت سقف السيطرة، أمكن استثمارها انتخابياً بوصفها دليلاً على الحزم. أما إذا خرجت عن السيطرة، فقد تبدأ بإنتاج أسئلة محرجة داخل فلوريدا نفسها حول جدوى هذه السياسة وكلفتها الإنسانية والسياسية.

 

لا سقوط قريب

بناء على ذلك، يبدو أن الاحتمال الأرجح حتى انتخابات الكونغرس النصفبة في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 هو استمرار الوضع الحالي بصيغة أكثر إنهاكاً، نظام كوبي يضعف من الداخل من دون أن يسقط، وإدارة أميركية تواصل الضغط من دون الذهاب إلى مغامرة تغيير مباشر. وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس هل يسقط النظام غداً، بل كم يستطيع أن يبقى وهو يفقد تدريجياً مقومات الحكم الفعلي، وكم تستطيع واشنطن أن تستثمر هذا الضعف انتخابياً من دون أن تدفع ثمن انهياره.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث