اندلعت يوم الثلاثاء في 28 الجاري حرب تصريحات بين أوكرانيا وإسرائيل على خلفية استيراد تل أبيب المتكرر للحبوب التي تسرقها روسيا من الأراضي الأوكرانية المحتلة. واستدعت الخارجية الأوكرانية السفير الإسرائيلي في أوكرانيا وسلمته مذكرة احتجاج (تلقت "المدن" نصها من الخارجية الأوكرانية) على تجاهل السلطات الإسرائيلية "للنداءات الرسمية الأوكرانية وطلبات المساعدة القانونية الدولية، بما في ذلك طلب احتجاز السفن والشحنات". واعتبرت أوكرانيا أن هذا التجاهل "يخلق في الواقع ظروفاً لإضفاء الشرعية على الحبوب الأوكرانية المسروقة".
تشير المذكرة بالتواريخ إلى المرات التي تم فيها إبلاغ الجانب الإسرائيلي بأمر السفن التي تنقل الحبوب الأوكرانية المسروقة ويتم تفريغها في الموائي الإسرائيلية. وتؤكد أن الرد الإسرائيلي الوحيد من وزارة الخارجية الإسرائيلية كان في 20 الجاري، وكان يتعلق بتحذير أوكرانيا من تفريغ باخرة تحمل القمح المسروق. وقالت المذكرة بأنه يمكن تلخيص جوهر الرد بأن "إسرائيل لا تعتزم اتخاذ إجراءات حقيقية لوقف التجارة غير المشروعة أو مصادرة شحنات الحبوب المسروقة أو السفن التي نقلتها".
وكالة الأنباء الإسرائيلية cursor الناطقة بالروسية نقلت في 27 الجاري عن مصدر دبلوماسي وصفه بـ"الصفعة" تجاهل إسرائيل للتحذيرات الأوكرانية المتعددة بشأن السفن التي تنقل الحبوب الأوكرانية المسروقة إلى إسرائيل.
كما نقلت الوكالة عن صحيفة هآرتس إشارتها إلى أنه في 27 الجاري لوحظت في خليج حيفا السفينة التي، حسب المعلومات الأولية، تنقل حبوباً جرى شحنها بصورة غير قانونية من الأراضي الأوكرانية المحتلة.
موقع الخدمة الروسية في BBC أشار في نص نشره في 28 الجاري إلى تصريح للرئيس الأوكراني هدد فيه بفرض عقوبات على الأشخاص الإسرائيليين الطبيعيين والمعنويين المتورطين في استيراد الحبوب الأوكرانية التي تسرقها روسيا.
أشار الموقع إلى أن زيلينسكي صرح عبر شبكات التواصل الإجتماعي بأن سفينة أخرى على متنها حبوب أوكرانية سرقتها روسيا قد وصلت إلى ميناء إسرائيل وتستعد لتفريغها. وأضاف، أن السلطات الإسرائيلية لا يمكن ألا تكون على علم بالسفن والبضائع التي تصل إلى موانئ بلادها. وقال "نتوقع" من سلطات إسرائيل إبداء الإحترام لأوكرانيا، وألا تتخذ خطوات تضعف العلاقات بين البلدين.
كما ينقل الموقع عن زيلينسكي إشارته إلى أن المتاجرة بالحبوب المسروقة تشكل خرقاً للقوانين الإسرائيلية. وأكد الرئيس أن أوكرانيا، وبناءً على معطيات المخابرات الأوكرانية، هي بصدد إعداد حزمة عقوبات تشمل كلاً من أولئك الذين ينقلون هذه الحبوب مباشرة، والأفراد والكيانات القانونية التي تحاول تحقيق الأرباح من هذا المخطط الإجرامي.
يشير الموقع إلى رفض الناطق بإسم الكرملين دمتري بيسكوف التعليق على أنباء الإشتباك الدبلوماسي الأوكراني الإسرائيلي، وقال "لا نرغب في التعليق على هذا الأمر بأي شكل من الأشكال أو التدخل فيه".
توقف الموقع عند التحقيقات التي قامت بها صحيفة هآرتس في هذا الصدد. ونقل عنها تأكيدها بأن سفينتين على الأقل محملتين بالحبوب المسروقة وصلتا إلى إسرائيل منذ العام 2023، وواحدة منهما على الأقل قد تم إفراغ حمولتها.
تقول هآرتس إن معلوماتها قد أكدتها الوثائق وتحليل معطيات تتبع السفن وصور الأقمار اللإصطناعية. وتفيد معطيات لصحيفة عن سبع سفن أخرى يشير سلوكها المشبوه إلى محاولاتها التستر على مصدر الحبوب التي تحملها. وتضيف الصحيفة بأن الوثائق التي تحتفظ بها السلطات الروسية في الموانئ الأوكرانية المحتلة تحتوي على سجلات لأكثر من 30 شحنة من البضائع المصدرة كانت وجهتها إسرائيل.
أشار الموقع إلى تصريح وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا في 28 الجاري، والذي أشار فيه إلى تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي بأن الاتهامات التي تسوقها أوكرانيا لا تدعمها الأدلة. وأضاف جدعون ساعر قائلاً بأنه لا ينبغي البحث في العلاقات الدبلوماسية بين الدول الصديقة عبر وسائل الإعلام أو الشبكات الاجتماعية. وتوجه إلى الجانب الأوكراني بالقول "أنتم حتى لم تتقدموا بطلب للحصول على مساعدة قانونية قبل اللجوء إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي". لكنه مع ذلك وعد بأن إسرائيل سوف تتابع هذه المسألة.
وكما كان متوقعاً، لم يبق الاتحاد الأوروبي بعيداً عن هذا الاشتباك الدبلوماسي. فقد ذكر الموقع أن موقف بروكسل من تفريغ شحنات الحبوب الأوكرانية المسروقة في الميناء الإسرائيلي اتسم بالتشدد: أي صفقات تساعد في تمويل حرب روسيا أو تسمح بتجنب العقوبات "سوف يتم التصدي لها".
"المدن"، وكعادتها حين يتعلق الأمر بالشأن الأوكراني، تطرح الأسئلة على المسؤولين والخبراء الأوكران.
الناطق بإسم الخارجية الأوكرانية غيورغي تيخي رأى أن الصورة التي أرسلها إلى "المدن" عن مذكرة الاحتجاج التي قدمها صباح الثلاثاء إلى السفير الإسرائيلي في كييف، تتضمن الإجابات على معظم الأسئلة.
البوليتولغ فلاديمير فيسينكو رأى أن الوضع الناشئ بين أوكرانيا وإسرائيل إذا كان يوصف بالأزمة "فهي أزمة ظرفية مؤقتة". وقال بأن العلاقات مع إسرائيل (وبشكل أدق مع حكومة نتنياهو) كانت باردة قبل ذلك. وهي ليست صراعية، لكنها ليست علاقات شراكة أيضاً. فإسرائيل، وعلى عكس الغالبية المطلقة من الدول الغربية، لم تفرض عقوبات على روسيا، ولم تقدم مساعدة تذكر لأوكرانيا.
من الممكن حدوث أزمة أكثر جدية في العلاقات بين أوكرانيا وإسرائيل إذا استمرت حكومة نتنياهو في تجاهل موقف أوكرانيا بشكل واضح بشأن عدم جواز استيراد الحبوب المسروقة من الأراضي الأوكرانية المحتلة.
وعن العقوبات التي توعد زيلينسكي بفرضها، قال فيسينكو بأن سياسة العقوبات المعمول بها في أوكرانيا، تفترض الحجر على الأصول، القيود على العمليات التجارية والشحن وحظر دخول اوكرانيا. لكن بوسع أوكرانيا فرض هذه العقوبات على الأراضي الأوكرانية، وليس الإسرائيلية. لكن بالنسبة للشركات والأفراد الإسرائيليين الذين يشترون الحبوب المسروقة من الأراضي الأوكرانية المحتلة، قد تنشأ مشكلة إذا انضم الاتحاد الأوروبي إلى العقوبات الأوكرانية.
وعن تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي بعد استلام الوثائق المطلوبة من أوكرانيا، قال البوليتولوغ أنها ليست المرة الأولى التي تسوق بها إسرائيل مختلف التبريرات لمثل هذه التصرفات. وأضاف ساخراً: "ولماذا لا تطلب الخارجية الإسرائيلية من أوكرانيا إبراز تأكيد من الخارجية الروسية؟"
المستشرق الأوكراني البارز إيغور سيميفولوس، رأى أن الأزمة واضحة للعيان، لكن السؤال يبقى حول مدى عمقها. والأمر برأيه لن يبلغ حد القطيعة الكاملة، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً. ففي ظل ظروف الحرب المشتعلة، لا تستطيع كييف أن تقدم على ذلك، وهذا بالذات ما تبني عليه إسرائيل حساباتها، وسلوكها ليس إهمالاً، بل قرار واعٍ. فقد احتسبت إسرائيل ما يمكن أن ترد به أوكرانيا، وتيقنت من أن ثمن التصعيد مقبول.
لكن انضمام الاتحاد الأوروبي إلى العقوبات الأوكرانية المفترضة يحدث تغييراً في مدى شموليتها. والاتحاد الأوروبي يبحث في شأن فرض العقوبات على الأشخاص الإسرائيليين الطبيعيين والمعنويين المشاركين في إشكالية الحبوب.وهذا يعني قطع العلاقات مع النظام المصرفي والموانئ الأوروبية، وهو ما لم يعد مجرد احتجاج دبلوماسي، بل ضغط اقتصادي ذو عواقب وخيمة. "وهنا يكمن الضغط الحقيقي على تل أبيب".
وعن رد الفعل الإسرائيلي على تصريحات زيلينسكي والإنشغال الأوكراني بقضية استيراد إسرائيل الحبوب التي تسرقها روسيا من الأراضي الأوكرانية المحتلة، قال سيميفولوس إن ما يميز رد فعل إسرائيل، هو أنه بلا أي محتوى. فقد اقتصر رد الخارجية الإسرائيلية على معادلة: "سوف يتم بحث القضية، وستعمل الأجهزة الإسرائيلية وفقاً لمقتضيات القانون".




