إسلام آباد: محطة صفقة أم عتبة انفجار!

WhatsApp Image 2025-05-02 at 1.20.48 PM.jpeg
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

وصلت حرب 2026 في الشرق الأوسط إلى مرحلة لم يعد يحكمها منطق الانتصار المطلق، كما لم تعُد هناك إمكانية للعودة إلى ما قبل الحرب. فهذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تعريف توازنات القوى الإقليمية، واختبار الاستراتيجيات المتعارضة للقوى الفاعلة الرئيسية. وفي هذا السياق، تأتي مفاوضات إسلام آباد، كمحاولة لإدارة هذا الانسداد الاستراتيجي، حيث تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الميدان بأهداف وحسابات مختلفة.

من منظور واشنطن، ولا سيما ضمن رؤية الرئيس دونالد ترامب، لا تُخاض الحرب بهدف الانزلاق إلى نزاع استنزافي طويل، بل بوصفها أداة لفرض "صفقة كبرى". فالضغط العسكري والعقوبات والتهديدات صُمّمت، في هذا الإطار، لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف. وتسعى الولايات المتحدة إلى تحويل الحرب إلى مكسب سياسي وجيوسياسي، عبر اتفاق تقدم فيه إيران تنازلات في الملفات النووية والصاروخية ونفوذها الإقليمي، من دون أن تتحمل واشنطن كلفة حرب طويلة الأمد.

 

في المقابل، تنطلق طهران، استناداً إلى ما يمكن تسميته بـ"الواقعية الإيرانية"، من اعتبار أن الميدان هو الذي يحدد إطار التفاوض. ومن وجهة النظر الإيرانية، لا يكتسب الحوار معنىً إلا إذا بقي توازن القوى قائماً في ساحة المواجهة. وعلى الرغم من الضغوط والخسائر، ما زالت إيران تتمسك بالردع النشط، والحفاظ على قدراتها الإقليمية، ورفض أي اتفاق يفتقر إلى الضمانات. وعلى الصعيد الداخلي، وعلى الرغم من وجود تباينات بين المتفائلين والمتشائمين حيال المفاوضات، فإن ثمة إجماعاً عاماً على أن أي تراجع أحادي الجانب يُعد بمثابة استسلام.

أحد المحاور المهمة في هذا التحليل، يتعلق بأوراق القوة لدى الطرفين. ففي حين تستند الولايات المتحدة إلى التفوق التكنولوجي، والحصار الاقتصادي، وقدرات العمليات المركبة، تمتلك إيران بدورها أوراقاً حالت دون تحقيق واشنطن انتصاراً حاسماً. ويأتي مضيق هرمز وقدرة التأثير في أمن الطاقة العالمي، والقدرة النووية بوصفها أداة ردع، إضافة إلى شبكة الحلفاء الإقليميين ونمط الحرب اللامتماثلة، في مقدمة الأدوات الإيرانية التي تعقّد الحسابات الأميركية. وهذه العوامل دفعت استراتيجية "الضغط الأقصى" إلى نقطة باتت فيها كلفة استمرارها مرتفعة على جميع الأطراف.

 

في هذا السياق، تمثل إسرائيل متغيراً حاسماً يتمتع بنفوذ واسع داخل واشنطن. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى بصورة أكبر إلى الصفقة والاحتواء، فإن إسرائيل تنظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإحداث تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية. فهدف تل أبيب لا يقتصر على إضعاف إيران، بل يتعداه ـ إن أمكن ـ إلى ضرب بنيتها الاستراتيجية وتقويض محور حلفائها الإقليميين. وهذا الاختلاف في المقاربة أوجد فجوة مهمة بين منطق الولايات المتحدة ومنطق إسرائيل. ومع ذلك، تدرك إسرائيل أن تحقيق أهدافها يبقى رهناً بالدعم الأميريكي المباشر، ولذلك تسعى إلى إقناع واشنطن بالانخراط في مسار ينسجم مع أهدافها الاستراتيجية، بما يمكّنها من بلوغ الحد المطلوب من تلك الأهداف.

الخلاصة التحليلية أن الحرب وصلت إلى نقطة لا يمكن فيها هزيمة إيران بصورة كاملة، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل عاجزتان عن بلوغ أهدافهما النهائية. والنتيجة الأكثر ترجيحاً ليست سلاماً دائماً، بل حالة من "لا حرب ولا سلم"، قائمة على الردع المتبادل، والتنافس المركّب، وإدارة الأزمات. وفي مثل هذا السيناريو، قد تكون هناك إمكانية لاتفاقات محدودة أو ترتيبات تكتيكية تمنع توسع الأزمة، إلا أن من غير المرجح أن يُحلّ الصراع بشكل كامل.

 

غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية أو التفاوضية، بل في آثارها البنيوية على النظام الإقليمي. فالاستدلال الرئيسي هنا أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل توازنات القوى، وأن إيران ـ خلافاً لبعض التقديرات ـ قد تخرج من هذا التحول بوزن جيوسياسي أكبر، ليس فقط عبر الحفاظ على موقعها السابق، بل من خلال ترسيخ موقع أكثر مركزية في النظام الآخذ بالتشكل.

إذا تمكنت إيران من الحفاظ على تماسكها الداخلي وأدوات ردعها، فقد تصل إلى دور أكثر تأثيراً في معادلات ما بعد الحرب. كما أن المواجهة المباشرة مع قوتين عسكريتين كبيرتين قد تعزز ردعها وترفع وزنها السياسي والاستراتيجي. وفي هذا السياق، قد تتحول أدوات مثل مضيق هرمز وشبكة الحلفاء الإقليميين من عناصر لحفظ التوازن إلى أوراق أكثر تأثيراً في المعادلات الجديدة، بما قد ينقل إيران ـ بدرجات متفاوتة ـ من موقع إدارة الضغوط إلى موقع أكثر مبادرة. ومن هذا المنظور، فإن المكسب المحتمل لإيران بعد الحرب لا يقتصر على الحفاظ على عناصر قوتها السابقة، بل قد يتمثل في اكتساب دور أكثر محورية في النظام الإقليمي الجديد، بوصفها أحد الفاعلين الأكثر تأثيراً في توازناته. وعلى هذا الأساس، لا تبدو حرب 2026 مجرد نهاية لمواجهة عسكرية، بل قد تكون بداية لإعادة توزيع القوة في المنطقة، حيث يتحدد موقع الفاعلين فيها، ليس فقط في ساحات القتال، بل في تصميم نظام ما بعد الحرب أيضاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث