غاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قمة "التعبئة التقدمية العالمية" في برشلونة، أواسط الشهر الجاري، وحضرت حربه على إيران، و تشدده ضد المهاجرين، ونزعة الشعبوية القومية التي يتبناها، في كلمات رئيسية لم تتكبد أي منها مشقة ذكر اسمه! والاجتماع يمثل الإطلالة الأولى لتحالف يساري آخذ بالتشكل منذ 2024 للتصدي لـ"موجة اليمين المتطرف" التي تجتاح العالم. وهذا مشروع طموح تتربص به تحديات صعبة ما يجعل بقاءه في حد ذاته انجازاً مهماً.
الآمال والواقع
"نريد أن نضاعف جهودنا للعمل في سبيل السلام ومن أجل تعزيز نظام متعدد الأطراف"، هذا ما قاله رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز الذي قاد المهرجان مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وزعماء آخرين، وشارك في اللقاء ممثلون عن مئات الأحزاب اليسارية والاشتراكية ونقابيون من مختلف أنحاء العالم. وإذ اتهم سانشير الرجعيين بإذكاء خطاب الكراهية وبث الفرقة من خلال شن الحروب، اعتبر أنه "لا يهم كم يزعقون أو كم ينشرون من الأكاذيب" ذلك أن "زمانهم قد انتهى."
لكن، هل طويت صفحة الرجعيين حقاً؟ في أوروبا، ناهيك بالقارات الأخرى، يقود اليمين الشعبوي، أو يشارك، في حكومات خمس من دولها. ويهدد بتحقيق انتصارات لافتة في ألمانيا، فيما يتردد أن جوردان بارديلا رئيس حزب "التجمع الوطني"، يستعد لانتزاع السلطة في الانتخابات الفرنسية المقبلة.
وكيف تستطيع دول "متوسطة" القوة أن تبسط السلام العالمي إذا كانت اثنتان من القوى العظمى تريد الحرب؟ ونجاح التحالف حديث العهد في مقارعة "الرجعيين" الذين يعملون من سنوات على تعزيز قدراتهم، محل تساؤل. والأدهى أن العديد من أقطاب التحالف يعانون من مشاكل سياسية واقتصادية لا يُستهان بها، كما أن الاتهامات بالفساد تلاحق بعضهم.
معركة واحدة
صحيح أن هذه الأهداف في حاجة إلى جرعة من الواقعية. إلا أنها جاءت على الأغلب بقصد شحذ الهمم. وفي المشروع الذي سرّعت حرب إيران من وتيرة تنظيمه، ما يستحق الثناء ولاسيما محاولته صياغة سردية بديلة لليمين الشعبوي والدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية. وهو موضع ترحيب ممن ضاقوا ذرعاً ببطش اليمين ونفوذه المتنامي.
والمعركة التي يعتزم "التقدميون" خوضها على جبهة التحالف الجديد، هي استكمال لتلك التي انهمكوا فيها سلفاً في بلدانهم. هكذا تبدو معارضة سانشيز لسياسات ترامب جزءاً من حربه الشجاعة ضد "الحزب الشعبي" و"فوكس"، وهما خصماه الإسبانيان اللذان يؤيدان حرب الرئيس الأميركي ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، على إيران.
وكان الزعيم الاشتراكي قد بدأ "المواجهة" مع ترامب، أول الامر في 2018، حين رفض تلبية طلبه بزيادة الانفاق العسكري في إطار حلف شمال الأطلسي (ناتو). و تجدّد الخلاف على نحو أكثر صخباً العام الماضي، إذ أكد تمسكه بذلك الرفض، في موقف جسور، ميّزه عن نظرائه الأوروبيين ممن دأبوا على استرضاء سيد البيت الأبيض، وأثبتت التطورات في الشهرين الأخيرين أن نهجهم هذا يؤدي إلى نتائج معاكسة.
وفي لفتة شجاعة أخرى، سحب سانشيز سفيرة بلاده من تل أبيب الشهر الماضي، وفتح في الوقت نفسه سفارة مدريد في طهران. وكان شجبه الصريح للحرب غير القانونية على إيران، القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقته المتوترة مع الزعيم الأميركي.
بيد أن جوهر التناقض يتمثل في تشديد سانشيز على حماية القانون الدولي ودعم نظام تعددي عادل لا يفرق بين ضحية وأخرى. ويأخذ على الدول التي تدين الغزو الروسي لأوكرانيا، في الوقت الذي تجاهلت وتتجاهل حروب نتانياهو ضد غزة، لبنان وايران. وتفيد استطلاعات للرأي بأن ثلثي الاسبان يعارضون هذه الحرب.
"مفاجآت" سانشيز
يزعم منتقدو سانشيز أن الغاية الأساسية من وقوفه في وجه ترامب، هي رفع أسهمه محلياً. وهو بحاجة إلى الشعبية باعتباره يقود حكومة ائتلافية هشة، وتورط بعض مساعديه بالفساد كما وُجهت تهم بإساءة استغلال السلطة لزوجته ولأخيه.
ومن يلوم سياسياً إذا حاول الخروج من عنق الزجاجة بتبني قضايا عادلة؟ احتفظ بالسلطة منذ 2018 على الرغم من العقبات التي بدا تذليلها مستحيلاً أحياناً. وصارت إسبانيا بقيادته، الأسرع نمواً اقتصادياً في أوروبا، وفي صدارة دول القارة لناحية السياسات البيئية المجدية والتعاطي الناجح مع الهجرة التي تحولت على يديه إلى "نعمة" تفند ما يروجه اليمين عموماً عنها. ولا يمكن استبعاد نجاح زعيم له رصيده من "المفاجآت" في أكثر من انتخابات ظفر بها خلافاً للتوقعات.
وقد يفاجئ سانشيز المراقبين مجدداً بالفوز على "الرجعيين"، داخلياً، ما سيعزز فرص تطوير الحلف التقدمي واستمراره. أما إذا خسر الرهان وصمتت المدافع على جبهة إيران، فهل يموت الحراك بمغادرة أبرز مهندسيه السلطة أو بنهاية الحرب التي أضرمت شرارته؟ الأرجح أن يبقى. لكن قد تصبح معركته لتغيير ميزان القوى عالمياً أطول وأكثر تعقيداً مما هي عليه الآن.




