المفاوضات كأخطر مراحل الحرب

ملاك عبد اللهالأربعاء 2026/04/29
Image-1777481756
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يتغير شكل الحروب وتتغير معها طريقة قراءة الأحداث والوقائع والتسميات. تصبح المفاوضات وقتاً مستقطعاً يُمنح للأطراف لاستكمال الحرب على شكل استنزافٍ صامت في الشكل، صاخب في العمق. بهذا المعنى، يمكن القول أن أوج الحرب وذروتها يخاض راهناً تحت مسمى المفاوضات أو وقف إطلاق النار، ويستعر الكباش بين الأطراف المتصارعة وإن كَتمت صوته الكواتم. لكن وراء المشهد ما وراءه. 

حصل هذا قبل الحرب الأخيرة الأميركية الإسرائيلية على إيران. كان مصطلح المفاوضات أشبه بأحرف متقاطعة ومتقطّعة في آن. وكانت اللقاءات شكلاً زائفاً. يقول مسؤول في مجلس الشورى الإيراني إن إيران قدمت مقترحاً قبل الحرب يسمح بتحويل فتوى الخامنئي بحرمة تصنيع القنبلة النووية قانوناً رسمياً من خلال مجلس الشورى. تمّ إعلام الطرف الأميركي بالأمر، ولم يكُن الموضوع النووي يشكل تهديداً لهم. بل إن وزير الخارجية عباس عراقجي أقرّ في 26 شباط/فبراير الماضي، أي قبل يومين فقط من اندلاع الحرب، بقبوله بشروط أميركية بما يتجاوز الاتفاق النووي السابق الذي وُقّع في عهد أوباما، والذي يُجمع كثيرون في الداخل الأميركي أنه كان شبه مثالي لأميركا، لولا العقدة الترامبية من شخص أوباما نفسه. 

 

وقد أكّد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي على حجم التعاون الذي قدّمه الوفد الإيراني ما قبل الحرب. هذا بالتحديد ما يبرر أكثر موقفه الذي كتبه في إحدى الصحف الأجنبية بعد اندلاع الحرب، عن ضرورة ربط المفاوضات الثنائية لمعالجة جوهر الخلاف الأميركي-الإيراني بمسار إقليمي واسع يهدف إلى تعزيز الشفافية في مسار التحول الطاقوي في المنطقة. لكنّ المسألة النووية في ما يتعلق بالخلاف الإيراني-الأميركي يتأكد يوماً بعد يوم، أنها أقرب إلى أن تكون شمّاعة. تماماً كما كانت المظاهرات التي اندلعت في أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي، شماعة أيضاً. 

بل أنه وباعتراف وزير الخزانة الأميركية، فإن أميركا نفّذت مخططاً لضرب العملة في إيران أدى إلى انهيارها. وتقول إيران إن لديها ما يثبت أن إدارة عملية ضرب العملة تمت من إحدى الدول المجاورة، بحيث أن طبقة رجال الأعمال التي نشأت بفعل العقوبات، والتي كانت تشكل حلقة الوصل بين المواطن والسلعة، أوصلت السلع قبل الاحتجاجات بأسعار عالية جداً، وأخذت أرباحها دون إيداع حصة الحكومة من العملة الصعبة للبنك المركزي. زد على ذلك، أن من بين حوالي الأربعين حالة احتجاجية التي شهدتها إيران بعد الثورة، لم تكن الاحتجاجات الأخيرة تشبه سابقاتها، ولا سيما عندما تعلق الأمر بإحراق العدد الكبير من المساجد والمكتبات والمستوصفات وسيارات الإسعاف، وكأن المقصود كان إفشال الدولة تمهيداً للعمل العسكري.

 

المعضلة إذاً أن المفاوضات مع إدارة الاحتجاجات لم تكن سوى وقت مستقطع، ولم تكن المسألة النووية عائقاً. كانت كلّ المسألة في مكان آخر لا يعني أميركا بقدر ما يهم إسرائيل من جهة، والمجمع الصناعي العسكري في أميركا من جهة أخرى الذي وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد جنى أكثر من 25 مليار دولار في حرب الأربعين يوماً. وبالتالي قراءة المفاوضات وما بينها سابقاً وحتى راهناً بنسبة معينة، لا بدّ وأن تتم بعيون إسرائيلية أولاً لا أميركية محض من أجل فهمها، ومن خلال البنية الصهيونية لترامب أولاً لا البنية المالية له. وإذا كانت تقارير الوكالة الذرية للطاقة النووية قد أتاحت لإسرائيل الوصول إلى معلومات استخباراتية، كمثل عنوان العالم النووي فخري زادة، فإن البرنامج الصاروخي الإيراني الذي تطور أولاً وأخيراً بفعل العقوبات نفسها، لم ينفتح على الوكالات الدولية، وبقي عصياً على الاختراق، بل بقي عصياً على النفاذ لكون أن عملية إنتاجه موزعة في أنحاء مختلفة في إيران ولا تستدعي ميزانية ضخمة. هذا كان لبّ المسألة، وبقي كذلك. وإسرائيل الممتعضة أيّما امتعاض من توقف الحملة العسكرية على إيران قبل تحقيق الأهداف، باتت تضغط بكلّ الوسائل لأجل عدم القبول بأي واقعٍ لا يحلّ لها هذه المسألة بالتحديد. 

ولا يمكن فصل الإصرار الإسرائيلي عن السياق الداخلي المتأزم، حيث تكشف تسريبات عن مسار سياسي قانوني قد يطيح بمستقبل بنيامين نتنياهو نفسه، عبر تسوية قضائية قد تنهي حياته السياسية تحت توصيف "العار الأخلاقي". هذا المسار، المدعوم جزئياً من دوائر قريبة من الرئيس يتسحاق هرتسوغ، يضع رئيس الحكومة أمام معادلة وجودية: الخروج من السلطة أو إعادة إنتاج نفسه عبر معركة مفتوحة. وفي هذا السياق، يصبح خيار الحرب أداة داخلية تُستخدم لتأجيل لحظة السقوط أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية. وقد اعتبر آفي أشكنازي أن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق الأمن أو الاستقرار، طالما أن قرارها العسكري مرهون بواشنطن، وأن استمرار هذا الوضع يمنح خصومها مزيدًا من القوة والجرأة.

 

يحدث كلّ ذلك في ظلّ معضلة عسكرية يبدو وكأنها مستجدة إسرائيلياً، وهي ما يتعلق بالمسيرات التي يطلقها حزب الله، والتي تحولت من سلاح تكتيكي بسيط إلى أداة استنزاف فعالة تكشف ثغرة حقيقية في قدرات الجيش الإسرائيلي، حتى انتشر مصطلح "البط في الميدان" الذي يستخدمه محلّلون عسكريون إسرائيليون.

ولذلك تترقب إسرائيل سير محاولة الاستنزاف الحاصلة تحت مسمى المفاوضات، لترى مؤدياتها، أو لتؤثر فيها. ويبقى السؤال الأساسي عندها هل ينهار الاقتصاد الإيراني أولًا أم يضطر ترامب للتراجع قبل ذلك. وهنا يبدو أن الحصار الاقتصادي الأميركي خاصة البحري الذي يستهدف صادرات النفط الإيرانية وشبكات التهريب والعملات الرقمية، يضغط بقوة على الاقتصاد الإيراني وقد يهدد قطاع النفط نفسه بالشلل. لكن في المقابل، تراهن إيران على عامل الوقت، وعلى الضغط الدولي والأزمات الاقتصادية العالمية لإجبار واشنطن على التراجع أو التوصل إلى اتفاق. وبالتالي فإن المشهد الحالي هو حصار متبادل بين طرفين يملكان أدوات ضغط قوية، لكن لا أحد منهما قادر على حسم الحرب سريعاً، بينما يبقى القرار السياسي النهائي معلقاً. 

 

ويرى رون بن يشاي في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، أن إيران تواجه عملياً أربع سيناريوهات: استئناف الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ما قد يؤدي إلى رد أميركي-إسرائيلي واسع، استخدام الوكلاء لتهديد الممرات البحرية والمنشآت النفطية، العودة إلى المفاوضات رغم استمرار الحصار وهو خيار "مهين" سياسياً للنظام برأيه، والانتظار وتحمل الضغط الاقتصادي على أمل تراجع ترامب تحت ضغط داخلي ودولي. وهو يعتقد أن إيران رغم قدرتها على الرد، تتضرر بشدة من الحصار الذي يستنزف اقتصادها ويهدد استقرارها الداخلي، بينما تستفيد واشنطن من فرض الضغط دون الدخول في حرب برية مكلفة.

كما يشير إلى أن إيران تستخدم التهديد والتصعيد كورقة تفاوض، لكن قدرتها على التنفيذ ليست مضمونة دائماً، في ظل الحشد العسكري الأميركي الكبير في المنطقة. ويخلص بالتالي إلى أن ميزان القوة يميل حالياً لصالح واشنطن عبر سلاح التجويع الاقتصادي، وأن الأيام القليلة المقبلة ستحدد أي خيار ستختاره إيران من هذه الخيارات في مواجهة هذا الضغط. علماً أنه ثمة من يعتقد بقدرة إيران على الصمود لسبب رئيس ومهم وهون كونها أصبحت تباعاً مع سنوات العقوبات الأرض النموذجية للتهريب. 

 

على أن المشهد إذ يتعقد دولياً وإقليمياً، فإنه يخلق فرصة لإيران أكثر، بحيث أن التأثير الاقتصادي السلبي على العالم برمته يمنح طبيعة تحركاتها بُعداً مستجداً يؤكد على كونها رقماً صعباً ويجعلها أكثر عزماً على الصبر وأكثر قدرة على المرونة. وقد بحث عراقجي في زيارته الأخيرة الى باكستان، مسألة مضيق هرمز وقانون الجباية المرتقب اعتماده رسميا في البرلمان الايراني، بحيث يفرض على السفن دفع أموال العبور ما سيجعلها مصدر مالي ضخم تريد إيران إقراره خلال الأيام القليلة المقبلة والاحتفاظ باستمراره لسنوات طويلة للتعويض عن خسائر العقوبات، كما أن مردوده من المفترض أن يكون أعلى من عائدات النفط. وقد عرض عراقجي على باكستان أنه في حال دعمها للقانون، سوف تعفيها إيران من أي رسوم. كما وتستجدي إيران كذلك الدعم الروسي لها، فضلاً عن سلطنة عمان التي ناقشت معها الملف.

في قلب هذا المشهد المركّب، تتقاطع حسابات دونالد ترامب مع أزمات بنيامين نتنياهو، لتتحول الحرب من صراع بين دول إلى معادلة بقاء للنخب الحاكمة نفسها. عند هذه النقطة لا تعود المفاوضات مساراً موازياً للحرب فقط بل أحد أشكالها الأكثر فاعلية. صراعٌ بات يدار بالأدوات الاقتصادية والضغوط الزمنية بقدر ما يُدار بالنار المباشرة، في ظل توازن هش يقوم على حصار متبادل، لا يملك فيه أي طرف القدرة على الحسم السريع. 

هكذا، سيتراجع عنوةً السؤال التقليدي: من سيربح الحرب؟ لصالح سؤال أكثر دقة: من سينجح في كسر إرادة الآخر أولاً. وحتى ذلك الحين، ستبقى المفاوضات الواجهة الأكثر هدوءأ والأكثر تضليلاً لحرب لم تتوقف يوماً!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث