مقاربات وليد جنبلاط في المنطقة:  مواجهة الهيمنة الإسرائيلية

مهيب الرفاعيالثلاثاء 2026/04/28
Image-1777401259
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تفرض التحولات المتسارعة في سوريا ولبنان إعادة قراءة أدوار الفاعلين التقليديين خارج قوالب الارتهانات والهيمنة الخارجية في صنع القرار، ليبرز مسار وليد جنبلاط نموذجاً يتقدم بخبرة تاريخية وقدرة عالية على استشعار المسارات السياسية والأمنية في المنطقة قبل اكتمالها، حيث يتحرك ضمن لحظة إقليمية تتقاطع فيها مشاريع إعادة تشكيل الجغرافيا مع تصاعد دور إسرائيل في رسم معادلات الأمن والسيطرة، لا سيما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبعد انهيار محور المقاومة وتفكك الجبهات والحرب الأميركية-الإسرائيلية على ايران. هنا يتقدم الزعيم الدرزي بخطاب عقلاني يستند إلى فهم عميق لبنية الطائفة الدرزية وتشابكاتها الممتدة بين لبنان وسوريا وفلسطين؛ ويقرأ بوضوح أن ما يجري في الجنوب السوري عموماً يتجاوز كونه أزمة محلية ليشكل جزءاً من مسار أوسع يضغط باتجاه تفكيك المجال السوري وتقديمه على أسس طائفية وهوياتية، وهو ما يدفعه إلى التحرك المبكر نحو دمشق والعواصم المؤثرة بهدف احتواء الانزلاق قبل تحوله إلى واقع مستقر.

 

يدير جنبلاط مقاربته من داخل وعي تاريخي طويل يربط بين تجارب التقسيم السابقة في عهد الانتداب الفرنسي والتحولات الراهنة، حيث يدرك أن الحديث المتزايد عن انفصال الدروز عن سوريا يعكس مساراً متدرجاً يجري الدفع به عبر أدوات سياسية وأمنية ودينية وإعلامية، وهو ما يجعل تحركه أقرب إلى استراتيجية وقائية تستهدف تعطيل شروط الانفصال قبل اكتمالها. يظهر هذا الإدراك في سعيه إلى إعادة وصل العلاقة بين الدروز ومحيطهم السوري عبر الانفتاح على السلطة الجديدة في سوريا بقيادة أحمد الشرع منذ اللحظات الأولى لتسلمها زمام الحكم في سوريا،  وفي محاولته الدفع نحو إدماج الطائفة ضمن معادلة الدولة، والدولة وحدها،  بما يبدد الهواجس الأمنية والمجتمعية والطائفية، ويمنع تحولها إلى كيان منفصل. هذا تحرك يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة الفراغ السياسي داخل المجتمع الدرزي في سوريا وانقسام مرجعياته الدينية (الهجري والجربوع والحناوي) وظهور تيار سياسي قريب من الدولة (عبد الباقي والبلعوس) وما يتيحه ذلك من فرص لاختراقه وإعادة توجيهه.

 

تكتسب زيارة جنبلاط الأخيرة إلى دمشق ولقائه مع أحمد الشرع، طابعاً يتجاوز بعده البروتوكولي، لتعكس الانتقال إلى مستوى أعلى من التعاطي السياسي مع التحولات الإقليمية، وتُقرأ ضمن سياق إعادة ترتيب العلاقة اللبنانية-السورية على قاعدة المصالح المتبادلة والتنسيق المؤسسي، في لحظة تتكثف فيها الضغوط الإسرائيلية على الجغرافيا المشتركة بين البلدين، لا سيما جنوب لبنان وجنوب سوريا. يظهر من توقيت الزيارة أنها تأتي لاحتواء تداعيات المشروع الإسرائيلي الذي يسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في جنوب سوريا وجنوب لبنان، عبر تكريس أنماط من السيطرة التدريجية والاختراق الاجتماعي والديني، وهو ما يدفع جنبلاط إلى توحيد الموقف التفاوضي بين بيروت ودمشق مع تل أبيب، مستفيداً من خبرة سوريا السابقة في التفاوض الأمني، لا سيما مسار باريس، مع التركيز على ضرورة إنتاج موقف مشترك يرفع كلفة أي محاولة لفرض تسويات مجتزأة أو تفكيكية.

 

تُظهر هذه الزيارة إدراكاً عميقاً لطبيعة المخاطر الجيوسياسية التي تتقدم في المنطقة، حيث يتعامل جنبلاط مع فكرة الربط الجغرافي بين الجنوبين اللبناني والسوري كأحد أخطر مداخل إعادة رسم الخرائط، لما تحمله من إمكانية خلق ممرات نفوذ تُستخدم لإعادة تعريف دور الطائفة الدرزية ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إنتاج كيانات جزئية. هذا ما يفسر تركيزه على ملف السويداء وضرورة معالجته بسرعة، منعاً لتحوله إلى نقطة ارتكاز لأي استثمار خارجي، وليس شرطاً فقط من تل أبيب، كما يكشف عن فهمه بأن إدارة مسألة الجنوب السوري تتطلب إعادة بناء الثقة بين المكونات السورية وفتح قنوات تواصل مباشرة مع السلطة، بما يعيد إدماج الدروز في معادلة الدولة ويقطع الطريق على أي تصورات انفصالية.

وفي مستوى أعمق، تعبر الزيارة عن محاولة لإعادة إدخال سوريا ولبنان ضمن شبكة توازنات إقليمية أوسع تمتد من تركيا إلى السعودية، مع تقويض النفوذ الإيراني، حيث يتحرك جنبلاط في اتجاه بناء مظلة سياسية تتيح مواجهة الضغط الإسرائيلي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. يأتي هذا عبر حديثه عن التنسيق الإقليمي القادر على تثبيت الاستقرار ومنع تفكك جغرافيا لبنان وسوريا، ويظهر رغبة في لملمة الوضع اللبناني داخلياً بالتوازي مع تحركه الخارجي، من خلال الدفع نحو تهدئة التوترات مع حزب الله تعيد ترتيب وإدارة العلاقة مع دمشق أيضاً، بما يضمن احتواء أي احتكاك محتمل ويمنع تحوله إلى صدام واسع مع الجيران، وهو ما يعكس مقاربة شاملة ترى في الاستقرار الداخلي شرطاً أساسياً لمواجهة الضغوط الخارجية.

 

يتقدم موقف جنبلاط من سلوك إسرائيل في المنطقة على أنه موقف استراتيجي يتجاوز الشعارات التقليدية حول المقاومة والعمل المسلح، حيث يقرأ بوضوح طبيعة المقاربة الإسرائيلية القائمة على توظيف الأقليات ضمن مشاريع تفتيت المجال في سوريا ولبنان، ويستوعب أن تقديم الحماية لدروز سوريا، سواء عبر التمويل اللوجستي أو عبر قصف منشآت تابعة للجيش السوري، يندرج ضمن إطار أوسع يسعى إلى خلق تمايز سياسي وأمني بين الدروز ومحيطهم. يفتح هذا التمويل عموماً الباب أمام تحديد موقعهم ضمن القوة الإقليمية؛ ويظهر هذا الإدراك في تحذير جنبلاط من توريط الدروز في صراعات مفتوحة مع السنة وفي رفضه لخطاب الهجري الذي يدفع باتجاه اعتبارهم كياناً منفصلاً أو قومية مستقلة، لا سيما بعد تشكيلهم إدارات مصغرة ومجالس محلية منها المجلس العسكري؛ وهذا يتقاطع مع رفضه التاريخي لفكرة تحالف الأقليات التي تفضي في نهاية المطاف إلى عزل هذه المكونات وتحويلها إلى أدوات وظيفية في مشاريع خارجية.

 

تحتل مسألة العلاقة بين الدروز والسنة موقعاً مركزياً في مقاربة جنبلاط، حيث ينظر إليها كركيزة تاريخية للاستقرار السياسي في لبنان والمشرق، ويستعيد في هذا السياق إرث والده كمال جنبلاط  وتحالفه مع القوى الوطنية والفلسطينية، واستمرار هذا المسار مع رفيق الحريري حينها؛  فيعمل على منع تشكل شرخ جديد بين المكونين عبر احتواء تداعيات ما يجري في سوريا، إذ إن أي تفكك في هذه العلاقة يفتح المجال أمام ضعضعة  التوازنات الداخلية في لبنان على نحو يضعف موقع الدروز في نهاية المطاف، ويمنح إسرائيل فرصة لتعميق حضورها عبر استثمار التوترات الطائفية.

ربما من المهم أن نستذكر أنه خلال معارك السويداء قاد جنبلاط شبكة اتصالات مع عواصم عربية وإقليمية، وطرح مبادرات تتراوح بين الدعوة إلى تحقيق دولي وفتح ممرات إنسانية وإطلاق مسار حوار شامل بين مكونات المجتمع السوري، وهو تحرك وضعه في موقع الوسيط القادر على الجمع بين شرعية تمثيله للطائفة وخبرته السياسية والدبلوماسية الطويلة في إدارة الأزمات. يستند جنبلاط في ذلك إلى رصيد من العلاقات السياسية التي تمتد من أنقرة إلى الرياض إلى الدوحة، ما يمنحه قدرة على التأثير في مسارات التهدئة واحتواء الانفجارات المحتملة، ويعكس هذا الدور نمطاً من الدبلوماسية غير التقليدية التي تعتمد على الفاعلين غير الحكوميين في إدارة الأزمات المعقدة لا سيما الطائفية منها.

 

تظهر قيادة جنبلاط للشارع الدرزي باعتمادها على المعرفة والخبرة أكثر من اعتمادها على التعبئة العاطفية، والدينية القائمة على سلطة مشيخة العقل من قبيل موفق طريف في فلسطين وحكمت الهجري في سوريا؛ حيث يواجه تحديات داخلية تتمثل في وجود أصوات تدفع باتجاه خيارات مختلفة تتأثر بالصدمة التي يعيشها دروز سوريا وبالضغوط الأمنية التي يتعرضون لها، ويقدم في المقابل مقاربة طويلة المدى تركز على حماية موقع الطائفة ضمن محيطها الطبيعي وتفادي الانجرار إلى مشاريع قد تبدو مغرية في لحظة الأزمة لكنها مقلقة على المدى البعيد و خاسرة. وهو ما يضعه في موقع الزعيم السياسي الذي يسعى إلى توجيه المزاج العام نحو خيارات عقلانية تحفظ الوجود السياسي للطائفة ويستند في ذلك إلى معرفة دقيقة ببنية المجتمع الدرزي وتاريخه وتحولاته عبر العقود.

تتبلور في نهاية المطاف صورة المسار الذي يدعمه جنبلاط في المنطقة بالقدرة على الالتفاف حول التيار السياسي والأمني الذي تفرضه إسرائيل، حيث تتحرك الأحداث ضمن سياق يتسارع فيه فرض الوقائع على الأرض، فيسعى هذا المسار إلى إعادة إدخال عنصر المبادرة السياسية عبر الدفع نحو الحوار والتسويات ورفض الانزلاق إلى صراعات مفتوحة تخدم مشاريع التفتيت، ويعمل على إعادة تثبيت فكرة الدولة الجامعة في سوريا ولبنان كإطار وحيد قادر على استيعاب التنوع وحمايته.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث