شكّل إعلان قطبي المعارضة الإسرائيلية، نفتالي بينيت ويائير لبيد، عودة تحالفهما ضمن قائمة انتخابية موحّدة تحمل اسم "معاً"، خطوة وُصفت بالدراماتيكية، إذ بدت بمثابة صفارة إنذار لانطلاق الحملة الانتخابية للاقتراع العام أواخر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
وجاء إعلان التحالف بين بينت الذي يُعد يهودياً أرثوذوكسياً ويتبنى مواقف متشددة ضد الفلسطينيين، ولبيد كقطب يميني "وسطي"، تحت عنوان "إصلاح إسرائيل"، بوصفه خطوة تندرج في سياق محاولة رسم خريطة التحالفات السياسية والإطاحة بحكم معسكر اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو.. ولكن، ما الانعكاسات الفعلية لتشكيل تحالف "معاً" على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟
خطوة معززة.. لا حاسمة!
بينما تباينت القراءات بشأن انعكاسات هذا التحالف المستجد على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، قال مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز "مدى الكرمل" مطانس شحادة، لـِ "المدن"، إن تحالف لبيد وبينت في هذا الوقت، لا يعدو أكثر من محاولة لتعزيز المعارضة الإسرائيلية؛ لأن هناك شبه تقارب بين معسكري المعارضة واليمين الحاكم.
وبذلك، يرى شحادة أن سعي المعارضة إلى عدم خسارة أو حرق أصوات بحجم مقعدين إلى ثلاثة، هو الدافع الرئيسي وراء هذا التحالف. لكن مطانس شحادة استبعد تمكن التحالف من تحقيق "فوز حاسم" أو إنهاء حالة الاستقطاب الحاصل بين اليمين الوسط (المعارض) واليمين المتطرف (الحاكم) منذ عام 2019؛ ذلكَ أنَّ أي معسكر لن يحصل على أكثر من 60 مقعداً كحد أقصى، وهو ما يعني عدم القدرة على تشكيل حكومة "قوية"، غير أن شحادة يُقر أن هذا التحالف برئاسة بينت، يعطي "جرعة تفاؤل" للمعسكر المعارض لكسر التعادل القائم، خصوصاً أن نتنياهو ما زال مرشحاً "قوياً"، بالرغم من تراجع قوة ائتلافه بموجب استطلاعات الرأي.
محاولة لتكبير "الكعكة"
مع ذلك، أكد مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز "مدى الكرمل"، أنه من السابق لأوانه، إعطاء حكم مُطلق بـِ "انعكاس إيجابي" أم "متشائم" بالنسبة للمعارضة، وإن بدا تحالف "معاً" فرصة لتحريك المياه الراكدة، وقد تكون إيجابية للمعسكر المناهض لنتنياهو.
في حين، أشارت تحليلات إسرائيلية إلى أن تحالف بينيت-لبيد، بمثابة اتفاق "رابح- رابح"، في إشارة إلى أنه يمثل صيغة أفضل ليائير لبيد الذي بينت الاستطلاعات الأخيرة، تراجعاً كبيراً في القوة الانتخابية لحزبه "هناك مستقبل"، وكذلك لنفتالي بينيت الذي تناوب على رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2021 بفضل لبيد، والآن يعود ليتحد مع لبيد لتكبير "الكعكة"، على حد تعبير محللين إسرائيليين متحمسين للخطوة، مشيرين إلى أن الخطوة جاءت كحركة "ديناميكية" هادفة إلى تحريك الحلبة السياسية وخلق حالة جديدة قد تضمن تكبير حجم المعارضة إلى 60 أو 61 مقعداً على الأقل، دون الاعتماد على الأحزاب العربية، بمنظور قيادات محسوبة على يمين المركز.
المعارضة بثلاث جبهات… أقوى؟
وبالرغم من هذا التحالف الثنائي، فإن بقية أحزاب المعارضة الإسرائيلية ما زالت غير متحدة، وترفض الانضمام إلى "معاً" حتى الآن، ويبرز هنا حزب "يشار" بزعامة غادي أيزنكوت، إذ تشير وسائل إعلام عبرية إلى أنه يُبدي "تعنتا" تجاه الانخراط في تحالف بينت-لبيد؛ لإصرار أيزنكوت على اعتبار نفسه "الأحق" في رئاسة المعسكر، بالرغم من أنه هنأ نفتالي بينت فور الإعلان عن الخطوة، ودعا إلى التنسيق المشترك لتحقيق "النصر". ومع ذلك، فإن أوساطاً سياسية إسرائيلية لا تستبعد أن يتخذ أيزنكوت قراره بشأن الانضمام إلى التحالف، في اللحظة الأخيرة قبل الانتخابات.
في حين، رأت أقلام عبرية أن ذهاب المعارضة إلى الانتخابات بـِ "3" جبهات وتكتلات، ربما يكون "أفضل" لها من الذهاب بكتلة واحدة كبيرة، بالنظر إلى تجربة تحالف "أزرق أبيض" الذي لم ينل النتيجة المطلوبة بالانتخابات السابقة.
وأما الصحافيون والمحللون المقربون من معسكر نتنياهو، فقد حاولوا تقليل قيمة تشكيل تحالف "معاً" المعارض، بدعوى أن إعلانه جرى قبل فترة زمنية "طويلة نسبياً" من موعد الانتخابات (6 أشهر)، وهي فترة زعموا أنها ليست لمصلحة لبيد وبينيت، بحجة أنها كافية لقيام نتنياهو بمفاجآت، كخلق أحزاب جديدة لخوض الانتخابات تحت اسم "المعارضة"؛ بهدف حرق الأصوات وصبها لمصلحة معسكر اليمين الحاكم. مع العلم، أن بعض استطلاعات الرأي أظهرت أن معسكر "التغيير"؛ أي المعارضة، تراجع بواقع مقعدين وصولاً إلى 59 مقعداً، ذلكَ عقب إعلان تشكيل التحالف الجديد، في مقابل تقدم حزبي "الليكود" و"يشار".
3 محددات
بدوره، أكد الباحث بالشأن الإسرائيلي أنطون شلحت لـِ "المدن"، صعوبة بناء صورة واضحة الآن بخصوص مآلات تشكيل تحالف "معاً" المعارض، لكنه شدد على وجود 3 محددات رئيسية، ستدور حولها الانتخابات، الأول رسوخ اليمين باعتباره "قوة مهيمنة" سياسياً ومجتمعياً في إسرائيل، إذ إنه لا فروق أيدولوجية كبيرة بين اليمين المعارض أو الحاكم إزاء استمرار الاحتلال والصراع، حيث يتبنى الأول نهج "إدارة الصراع" وأما اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو، فيريد "حسم الصراع".
وأما المحدد الثني، فهو استمرار حالة الحرب الناتجة عن أحداث 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023، على قاعدة أنه لا حسم في أي جبهة، وهذا ما يجعل الانتخابات مناسبة لتعزيز نقاش إسرائيلي عام لموضوع استمرار الحرب وتأثيراتها. فيما يكمن المحدد الثالث في العلاقة بين اليهود وفلسطينيي الخط الأخضر؛ باعتبار أن بعض الكتل الإسرائيلية تعتقد أن صوت العرب ومقاعدهم بالكنيست، بمثابة "متغير" قادر على التأثير بمآلات الانتخابات ووزن المعسكرات بطريقة أو بأخرى.
وبمنظور شلحت، فإن تحالف بينت-لبيد، لن يغير المحددات سالفة الذكر، ولن يكسر الاستقطاب الحاصل في إسرائيل منذ سنوات، بيد أنه توقع سيناريوهين؛ الأول تشكيل المعارضة ائتلافاً حكومياً ضعيفاً، والثاني أن يتحالف بعض أقطاب المعارضة مثل نفتالي بينت مع نتنياهو، على ضوء نتيجة الانتخابات المرتقبة، مشيراً إلى أن السيناريو الأخير يبقى حاضراً أيضاً في مرحلة ما.




