ثلاث أو أربع قوىً كبرى، قوى إقليمية صاعدة، ساحات متداخلة بين أطراف الكرة الأرضية: هذه هي معالم الصراع الدولي مذ قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022.
أما القوى الكبرى، فعلى رأسها الولايات المتحدة، تليها روسيا ثم الصين، وأما القوى الإقليمية فمتنوعة، من إيران، ألمانيا، اليابان وبولندا إلى أوكرانيا، تركيا، باكستان والهند، يتصارعون في ساحات أوروبا، القوقاز وآسيا الوسطى، الشرق الأوسط، أفريقيا، شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
تذكر هذه اللوحة من الصراعات المشتعلة لأكثر من خمس سنوات والتي ترافقت مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، بحرب السبع السنوات التي خاضتها القوى الأوروبية في القرن الثامن عشر. اندلعت تلك الحرب داخل القارة الأوروبية لكنها توسعت لتشمل المستعمرات الأوروبية حول العالم بما فيها في الأميركيتين وآسيا.
بوتين يغرق في أوكرانيا
قبل أن يغرق الجيش الروسي في أوحال أوكرانيا، كان الكرملين قد وصل بنفوذ روسيا العالمي إلى حدود غير مسبوقة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية أواخر القرن الماضي؛ فخلال عقدين من حكمه المديد، استعاد بوتين لروسيا بريقها وعنفوانها كقوة كبرى وأعاد فرضها لاعباً لا غنى عنه في العديد من الساحات الإقليمية. بعمليتين عسكريتين خاطفتين أبعد الكرملين جورجيا (عام 2008) وأوكرانيا (عام 2014) عن حلف شمال الأطلسي "الناتو"، واستولى على شبه جزيرة القرم مشدداً قبضة البحرية الروسية على البحر الأسود. حلقّت طائرات سلاح الجو الروسي في سماء الشرق الأوسط، بينما عادت بوارج روسيا لتمخر عباب البحرين الأبيض المتوسط والأحمر. نفذ الروس استراتيجيتهم الشرق أوسطية بالتعاون الميداني مع الإيرانيين، وبالشراكة مع الصينيين داخل أورقة مجلس الأمن الدولي. من سوريا وليبيا، اتخذت موسكو منصتين للتغلغل في أواسط القارة السمراء، التي اكتوت بنيران الأزمات المتناسلة. هيمنت موسكو على شؤون القوقاز وآسيا الوسطى ولعبت دور الحكم بين دولها وداخل بعض بلدان المنطقتين. كما تلاعبت بميزان القوى شرقي آسيا مقدمةً حماية ثابتة لحكام كوريا الشمالية من السياسات الغربية المعادية. في أميركا اللاتينية، كان التواصل الحار مع فنزويلا، الشراكة مع البرازيل في منظومة "بريكس"، وإحياء ما كان يوماً علاقة استراتيجية مع كوبا، كل ذلك أظهر قدرة موسكو على إسقاط قوتها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.
محملاً بهذه الأمجاد، وبعزيمة لا تلين، أدخل الزعيم الروسي بلاده في حرب أوكرانيا. كاد الجيش الروسي يسيطر على كييف ومعظم الأراضي الأوكرانية، وصولاً إلى توحيد الشعبين الروسي والأوكراني. إلا أن الدعم الأميركي أحبط خطط بوتين للظفر بحرب خاطفة، وحولها إلى حرب استنزاف تدور بين جيشين متمترسين.
القوقاز وسوريا تفلتان من يد بوتين
في المقابل، وفرت الصين وإيران دعماً ملحوظاً للمجهود الحربي الروسي، إلا أن ما قدمتاه لم يكن كافياً لقلب مسار الحرب. غيرت الحرب في أوكرانيا، بشكل عميق نظرة الولايات المتحدة للتهديدات على استراتيجيتها العالمية. تلاشى شبح سيطرة الكرملين على أوروبا الذي أرق الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد فشل الجيش الروسي في تحقيق نصر حاسم على أوكرانيا. ومع غرق الروس في أحوال الأوكرانية، أُطلقت أيدي الأميركيين. ولن يطول الزمن حتى يبدأوا في استغلال الوضع الناشئ لصالحهم على أكمل وجه.
قررت القوى المناوئة لموسكو، اختبار النفوذ الروسي في ساحات الصراع المختلفة. في القوقاز، شن الأذربيجانيون مدعومين من قبل الأتراك، هجوماً نهائياً في خريف العام 2023، وفرضوا سيطرتهم على ناغورني/ قره باغ. أدى الهجوم إلى تراجع التأثير الروسي في منطقة القوقاز، ومهد الطريق أمام انزلاق أرمينيا أكثر فأكثر نحو الفلك الأميركي. تلقت روسيا الضربة التالية في الشرق الأوسط، حيث ساهمت الحرب التي أشعلتها عملية "طوفان الأقصى" في إضعاف المحور الإيراني الركيزة الأرضية للنفوذ الروسي الإقليمي. خسرت موسكو، أواخر العام 2024، حليفها الذي بنته بيديها ودافعت عنه حتى الرمق الأخير: نظام الأسد، وبانهياره، تراجع النفوذ الروسي شرقي المتوسط إلى مستوى لم يشهده خلال قرن من الزمن. لم يكن الدعم التركي لعملية "ردع العدوان" إلا ليضاعف المهانة الروسية. في الحالتين، لم تسر أنقرة في طريق يتعارض مع المصالح الروسية، لولا يقينها من المصاعب الكبرى التي تواجه الجيش الروسي في أوكرانيا، وحاجة الكرملين إليها بدرجة أكبر من حاجتها إليه.
شهية ترامب وخطأ لندن
إبان حرب السبع سنوات، استغلت بريطانيا انشغال فرنسا وإسبانيا في المعارك على المسرح الأوروبي، لتزيحهما عن العديد من مستعمراتهما حول العالم. وبعد حرب أوكرانيا، اتبعت واشنطن الاستراتيجية التي وضعتها لندن قبل مئتان وسبعون عاماً. عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بشهية مفتوحة على استغلال ضعف القوة الروسية على الصعيد العالمي، وانحسار التهديد الروسي عن القارة الأوروبية. على حساب الروس، وطّد ترامب الدور الأميركي في سوريا والقوقاز. ثم قرر التعامل مع الطرف الأضعف في المعادلة الدولية المناوئة للهيمنة الأميركية: إيران؛ فبعد خسارتها لوجودها العسكري في سوريا وهزيمة حزب الله جنوبي لبنان، ومراجعة حركة "أنصار الله" (جماعة الحوثيين) دورهم ضمن المحور الإيراني، بدت طهران أقل منعة مما كانت عليه في السابق. لذلك، اصطف ترامب إلى جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال حرب "الأثني عشر يوماً" صيف العام 2025 الماضي.
بعد هذه الحرب التي ضمنت انشغال إيران بإعادة ترميم برنامجيها النووي والصاروخي، نقل ترامب تركيزه إلى منطقة البحر الكاريبي، واضعاً نصب عينه فنزويلا. كانت كاركاس آخر المنضمين إلى محور القوى المناوأة للهيمنة الأميركية، والذي يضم في عضويته روسيا، الصين، إيران وكوريا الشمالية. في عملية مباغتة مطلع العام الجاري، تمكن الجيش الأميركي من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، مهدياً ترامب انتصاراً دبلوماسياً لا غبار عليه: إعادة كاركاس إلى الفلك الأميركي. كان للحدث الفنزويلي وقع الكارثة على التغلغل الروسي في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وأسهم في زيادة عزلة هافانا وحراجة موقف كوبا الجيوسياسي أمام الهجمة الأميركية.
مع رسوخ التغيير في فنزويلا، التفت ترامب إلى الشرق الأوسط لتصفية الحسابات بشكل نهائي مع طهران. كان يريد عملية عسكرية صاعقة "تقنع" الإيرانيين بالتخلي عن طموحاتهم وتعيدهم إلى الكنف الأميركي. وإذا كان صحيحاً أن هدفه المباشر لم يتحقق، إلا أن "الحرس الثوري الإيراني" المدعوم روسياً، لا يزال يتمسك بشروط غير واقعية لا يستطيع فرضها على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. بغض النظر عن مصير المسار التفاوضي الذي تقوده باكستان، لن يعود نفوذ طهران في الشرق الأوسط إلى سابق عهده. كما فقد وكلائها الإقليميين قدرتهم على تشكيل السياسة الوطنية في بلدانهم، وقريباً جداً، لن يستطيعوا التحرك خارج حدود تلك البلدان، كما فعلوا خلال العقدين الفائتين.
انعكست هذه الوقائع على النفوذ الروسي في أفريقيا. بدأ قادة سبق لهم أن حصلوا على الدعم الروسي، إعادة النظر في سياساتهم. من ليبيا إلى السودان ومالي، وصولاً إلى النيجر، جرت عمليات تموضع هادئة بعيداً عن الروس. العديد من اللاعبين في هذه الدول، عاد لطرق أبواب الولايات المتحدة وفرنسا، بينما زادت القوى الإقليمية كالسعودية، باكستان، مصر وتركيا، مساعيها من أجل ملأ الفراغ.
بكين حذرة وواشنطن تنحدر!
في خضم هذا المشهد المعقد، ظلت بكين حذرة، وهي ترى فيما يجري صراعاً أميركياً روسياً إيرانياً يعيد تشكيل التوازنات العالمية، مفضلةً عدم الانخراط المباشر في أي من الساحات الملتهبة. يعتقد القادة الصينيون أن الولايات المتحدة في طور تراجع لا عودة عنه، وأن نزعة الأميركيين القتالية، سببها خشيتهم من تلاشي سيطرتهم على النظام الدولي يوماً بعد يوم وخسارة هيمنتهم العالمية. لذلك، يرفض القادة الصينيون الانزلاق إلى دوامة صراع عسكري مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة، ويفضلون المحافظة على وتائر نموهم الاقتصادي والعسكري استعداداً للمواجهة في توقيت مناسب لهم. لكنهم مع ذلك استفادوا من الصراعات الدائرة؛ فمع تراجع القدرة الجيواستراتيجية لموسكو، رسخت الصين موقعها بوصفها القوة الثانية على سلم القوى العالمي بعد الولايات المتحدة. وجراء حربي أوكرانيا وإيران، زادت حاجة موسكو وطهران إلى الصين، سواء لاستيراد منظومات الأسلحة، المواد الأولية الداخلة في الصناعات المتقدمة بما فيها صناعة الأسلحة، ولبيع نفطيهما إلى مشتري لا يخشى العقوبات الأميركية، مما أكسب القيادة الصينية نفوذاً أكبر على قيادة البلدين. وعلى الرغم من بعض الخسائر التي عانتها بكين، إلا أنها كانت في غاية السعادة، وهي تتابع إهدار واشنطن لمواردها العسكرية والاقتصادية على الصراع مع روسيا وإيران في شرق أوروبا والشرق الأوسط، فيما تتعاظم القدرات العسكرية الصينية بوتائر غير مسبوقة. في حمأة هذه الصراعات، ظلت واشطن تعمل على احتواء الصين في شرق آسيا، لكن كان عليها توزيع مواردها العسكرية على العديد من المسارح كالشرق الأوسط، أوروبا والبحر الكاريبي. في المقابل، ركزت بكين كل طاقتها العسكرية على شرق آسيا، تحديداً تايوان وبحر الصين الجنوبي.
أحادية قطبية باقية وثنائية قد تبزغ
مثلت حرب أوكرانيا المدخل للتحولات الجارية في موازين القوى العالمية. تراجعت قدرة روسيا على تهديد الأمن الأوروبي، ولم يتمكن جيشها من بسط سيطرته على كييف ولا يزال يكافح لتحرير ما يعتبره الكرملين أراض روسية في شرق أوكرانيا. شهد الكرملين انحسار هيمنته على شؤون القوقاز، وهو ما خلخل نفوذه الطاغي على جمهوريات آسيا الوسطى. في الشرق الأوسط، خرجت موسكو مهزومة من الصراع الطويل على سوريا، بينما تراجعت قوة شريكتها طهران وقدرتها على تحدي الهيمنة الأميركية. رمزياً، فقدت موسكو ماء وجهها جراء فشلها في إنقاذ نظام الأسد بالرغم من وجودها العسكري في سوريا، وجاء اعتقال الجيش الأميركي لمادورو ليحطم صورتها الدولية.
عوض أن تؤدي حرب أوكرانيا إلى بروز روسيا قطباً جديداً في نظام متعدد الأقطاب، استغلت واشنطن الحرب لتحجم نفوذ روسيا على الصعيد الدولي، وتحد من قوة المحور الإيراني، المدعوم روسياً، في الشرق الأوسط، وتحسّن مواقعها الجيوسياسية على رقعة الشطرنج العالمي، مقتربةً أكثر من تطويق بكين. وعلى الرغم من النجاحات الأميركية إلا أنها تظل محفوفة بعواقب لم تكن لتخطر على بال القادة الأميركيين؛ فلقد أجبرت حرب أوكرانيا الروس على الارتماء في الأحضان الصينية، ما أحيا شبح التحالف الذي نسجه الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين مع الزعيم الصيني ماوتسي تونغ أواسط القرن الماضي، على أن يكون مركزه هذه المرة بكين لا موسكو. نتيجة مماثلة في الشرق الأوسط يمكن أن تظهر، إذا ما استطاع الحرس الثوري إحكام قبضته على السلطة في طهران وبناء تحالف عسكري مع بكين. وعلى أولئك القادة أن يعتبروا من سعادة الصين باستنزاف القدرات الأميركية، من جهة، وبزيادة نفوذها على الإيرانيين والروس من جهة أخرى.
وبينما تتالى فصول الحرب، لا يزال في يد الروس والإيرانيين عدة أوراق لتحسين مواقعهم؛ فقد ينفذ الروس هجوماً برياً جديداً في أوكرانيا ينهي حرب الاستنزاف وحالة الاستعصاء في الميدان، وقد يختار الإيرانيون مواصلة إغلاق مضيق هرمز، عاملين على زعزعة السيطرة الأميركية على البحار، مفتاح هيمنة الولايات المتحدة على العالم. لكن تنفيذ أياً من هذين الخيارين سيظل مرهوناً بتوافر الدعم الصيني.
لم ينبلج فجر التعددية القطبية كما أراد بوتين، إلا أن القطبية الأحادية تواجه تحديات جمة، بينما شبح الصين القادم من بعيد، يوحي باقتراب ولادة قطب جديد. هذا بينما حرب السنوات الخمس متواصلة، والعالم لم يشهد نتائجها النهائية بعد.




