الحسكة بين قصرين عدليين: القضاء ساحة صراع على السيادة

خاص - المدنالثلاثاء 2026/04/28
Image-1777306781
القضاء هو التعبير الأسمى عن السيادة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في جغرافية الشمال الشرقي السوري، وتحديداً في محافظة الحسكة، لم تعد الخرائط العسكرية هي التي تحدد المنتصر والمهزوم. اليوم، انتقلت المعركة من "فوهات البنادق" إلى "منصات القضاء". هنا، في هذه البقعة الممتدة بين دجلة والخابور، يبدو القصر العدلي في القامشلي كأنه "ترموستات" يقيس درجة حرارة العلاقة المتذبذبة بين دمشق والإدارة الذاتية (قسد). الخلاف ليس على جدران المبنى أو مكاتبه، بل على مَن يملك الحق في قول: "باسم الشعب والقانون".

 

من الورق إلى الأرض

لسنوات، كانت اللقاءات بين وفود الحكومة السورية وقيادات "قسد" تتسم بالغموض أو الوعود الفضفاضة. لكن في 29 كانون الثاني/ يناير 2026 حصل تحول جذري؛ إذ انتقل الطرفان من مرحلة "التفاهمات النظرية" إلى "التطبيق العملي". وهنا بدأت الشياطين تخرج من التفاصيل.

أفاد مصدر خاص "المدن" بأن اجتماعاً جمع الوفد الرئاسي برئاسة العميد زياد العايش، مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، لم يكن مجرد جلسة بروتوكولية. كان مواجهة حقيقية تحت سقف واحد. دمشق جاءت وفي حقيبتها "اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير" الذي تراه عقداً ملزماً لا يقبل التأويل، بينما جاءت "قسد" وهي تنظر إلى الورقة نفسها كإطار مرن يجب أن يتكيف مع "الواقع الذي فرضته سنوات الحرب".

هذا التباين يعكس أزمة ثقة بنيوية؛ فالتراجع في ملف القضاء بالنسبة لدمشق هو تنازل عن هيبة الدولة، وبالنسبة للإدارة الذاتية هو انتحار سياسي وتفكيك لأهم أعمدة مشروعها الإداري.

 

القصر العدلي.. أكثر من مجرد عقار

لماذا يستميت الطرفان لأجل القصر العدلي؟ في علم السياسة، القضاء هو التعبير الأسمى عن السيادة. دمشق تدرك أن استلام الملف القضائي بالكامل، بما فيه الإدارة والتعيينات والختم الرسمي، يعني عودة "الشرعية القانونية" إلى مربع الدولة المركزية. هي تريد أن تقول إنَّ "القانون السوري" واحد لا يتجزأ من دمشق إلى المالكية.

في المقابل، ترى "قسد" أن منظومتها القضائية التي بنتها على مدار عقد من الزمن هي جزء من هويتها السياسية. التنازل عن هذا الملف يعني ببساطة تحول "الإدارة الذاتية" إلى كيان خدمي منزوع المخالب. الصراع هنا ليس إدارياً، بل هو صراع على "المرجعية": لمن يشتكي المواطن؟ وبأي قانون يُحاكم؟ ومن يملك سلطة الحبس والإفراج؟

 

حين يصطدم الطموح بالبيروقراطية

تتجلى الأزمة بوضوح في "بورصة الأرقام" حيث أفاد مصدر خاص للـ "المدن" إلى وجود نحو 239 قاضياً يعملون تحت مظلة الإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة. في المقابل، تضع وزارة العدل في دمشق معايير صارمة للدمج، وتتحدث عن حاجة فعلية لا تتجاوز 70 قاضياً فقط.

هذا الفارق (169 قاضياً) ليس مجرد فائض بشري، بل هو لغم موقوت. اختيار وزارة العدل لـِ 19 قاضياً من قضاة الإدارة الذاتية فقط حتى الآن هو "رسالة انتقاء" واضحة. بالنسبة لـ"قسد"، هذا يعني أن دمشق تريد "تفكيك البنية" وليس "دمجها". هي عملية استبعاد ممنهج لمن تعتبرهم دمشق "غير مؤهلين قانونياً" أو "خارجين عن السلك"، بينما تراهم قسد "كوادر شابة" أدارت شؤون الناس في أصعب الظروف.

 

العودة إلى "ما قبل 2011"

هناك بُعد آخر للأزمة الحالية بين الحكومة السورية و"قسد" يتمثل في محاولة وزارة العدل إعادة تفعيل القضاة الذين كانوا على رأس عملهم قبل العام 2011. هذه الخطوة تُقرأ في الحسكة كحالة من "النوستالجيا السياسية" المرفوضة من قبل الجيل الجديد في الإدارة الذاتية.

هؤلاء يرون أن العودة إلى كوادر ما قبل 2011 هي محاولة لـِ "تصفير العداد" وتجاهل لكل التحولات الاجتماعية والسياسية التي حدثت. بالنسبة لدمشق، هي "تصحيح مسار" واستعادة لخبرات قانونية رصينة. أما بالنسبة لـِ "قسد"، فهي محاولة لفرض "عقليات قديمة" على واقع جديد لا يفهمونه.

المشهد ليس ثنائياً بسيطاً (دمشق ضد قسد). الداخل في "قسد" يغلي أيضاً. هناك تيار "حمائم" يمثله مظلوم عبدي وبعض الشخصيات السياسية مثل إلهام أحمد والدار خليل، يميلون إلى تدوير الزوايا وتجنب الصدام المباشر مع الدولة، لإدراكهم أن الغطاء الدولي لن يدوم للأبد.

لكن في المقابل، هناك تيار "صقور" داخل الجناح العسكري والإداري يرفض تسليم "مفاتيح العدلية". هؤلاء يرون في التنازل "خيانة للتضحيات". هذا الانقسام يفسر البطء الشديد في التنفيذ؛ فما يوافق عليه عبدي في الاجتماعات المغلقة، يصطدم بعراقيل يضعها قادة ميدانيون على الأرض، حيث لم يتوقف الصراع عند حدود المكاتب، بل نزل إلى شوارع الحسكة والقامشلي. الدعوات التي أطلقتها شبكات مقربة من الإدارة الذاتية لمنع دخول أحمد الهلالي، المتحدث الرسمي باسم الفريق الرئاسي، لم تكن عفوية. هي عملية "تعبئة شعبية" مدروسة لإرسال رسالة لدمشق: "الأرض ليست مفروشة بالورود".

استخدام الشارع كأداة ضغط يرفع سقف التفاوض. هي محاولة للقول إن أي قرار يُتخذ فوق، يجب أن يحظى بقبول القواعد في الأسفل. هذا التحريض الميداني يضع الفريق الرئاسي في موقف محرج، ويجعل من رحلاتهم المكوكية إلى الحسكة محفوفة بالمخاطر السياسية والأمنية.

 

التفاؤل الرسمي مقابل التشاؤم الميداني

المفارقة تكمن في التصريحات حيث يصرح الناطق الرسمي أحمد الهلالي في ظهوره الأخير تسويق صورة "وردية"، متحدثاً عن حلول وشيكة لملف الأسرى، وانتهاء مراحل التبادل، واقتراب التفاهم القضائي. لكن المراقب على الأرض يرى صورة مغايرة تماماً.

الملفات متشابكة كخيوط العنكبوت؛ فملف القضاء مرتبط بملف السجون، وملف السجون مرتبط بملف "الأمن الداخلي" (الأسايش)، وهذا الأخير مرتبط بمصير السلاح الثقيل وتمركز الألوية العسكرية في مناطق مثل عين العرب (كوباني). لا يمكن حل قطعة واحدة من "البازل" دون تحريك القطع الأخرى، وهو ما يجعل التفاؤل الرسمي يبدو أحياناً كنوع من "المسكنات السياسية" لتهدئة الرأي العام.

في ظل هذا الصراع السياسي، يبقى المواطن في الحسكة هو الخاسر الأكبر. تعطل القضاء أو ازدواجية المرجعية يعني أن عقود البيع، والزواج، وحصر الإرث، والجرائم الجنائية، كلها تبقى معلقة في "برزخ قانوني".

عدم وجود اعتراف متبادل بالأحكام القضائية يؤدي إلى فوضى اجتماعية. إذا حكمت محكمة "قسد" لصالح شخص، قد لا تعترف محكمة الدولة بهذا الحكم، والعكس صحيح. هذا الفراغ يفتح الباب أمام "قضاء الغاب" أو الحلول العشائرية، مما يهدد السلم الأهلي في منطقة هي أصلاً تعيش فوق صفيح ساخن.

 

مهمة "المحافظ"

أفاد مصدر خاص "المدن" بأن هناك تحرك لمحافظ الحسكة، المهندس نور الدين أحمد، نحو دمشق في الأيام القادمة يحمل دلالات هامة. المحافظ بصفته الوظيفية يمثل "رجل الدولة" الذي يحاول الموازنة بين متطلبات المركز (دمشق) وخصوصية الميدان (الحسكة). رحلته تهدف إلى وضع القيادة في صورة "التعقيدات المستعصية" وربما البحث عن "صيغ إبداعية" للحل لا تُشعر أحداً بالهزيمة.

هل يمكن ابتكار "قضاء مشترك"؟ أو "فترة انتقالية" بإشراف مزدوج؟ هذه الأسئلة هي ما قد يحمله المحافظ في جعبته، لكن يبقى السؤال: هل يملك الطرفان الإرادة السياسية للتنازل عن "السيادة المطلقة" لصالح "الاستقرار الممكن"؟

ما نراه اليوم في الحسكة ليس مجرد خلاف على مبنى "القصر العدلي"، بل هو صراع على "شكل الدولة السورية" في مرحلة ما بعد الحرب. دمشق تقاتل لاستعادة نموذج "الدولة المركزية" القوية التي لا تقبل شريكاً في القانون. و"قسد" تقاتل لتثبيت نموذج "اللامركزية" الذي يمنحها خصوصية قانونية وأمنية.

الحسكة اليوم هي المختبر الحقيقي لمستقبل سوريا. إذا نجح "القضاء" في أن يكون جسراً للتفاهم، فقد نرى ملامح حل سياسي شامل. أما إذا بقي "معلقاً بين قصرين"، فإن الصراع سيبقى مفتوحاً، وستظل السيادة مجرد شعار يُرفع في البيانات، بينما يغرق الواقع في فوضى القوانين المتصادمة.

بانتظار الدخان الأبيض من القامشلي، تبقى الحسكة ساحة لصراع مؤجل، قضاؤه "متهم" بالسياسة، وعدالته "رهينة" للتفاوض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث