ليست "أزواد" المنطقة الشمالية في مالي، مجرد مساحة صحراوية في شمالها، بل قضية سياسية وتاريخية مفتوحة منذ ولادة الدولة المالية الحديثة. فالأزواديون ليسوا شعباً واحداً بالمعنى القومي الضيق، بل خليط من الطوارق والعرب والسونغاي والفولان، غير أن الطوارق يشكلون العمود الفقري لهذه الهوية، بحكم حضورهم التاريخي في الصحراء الكبرى، واعتمادهم الطويل على الترحال والتجارة والرعي.
أرض رسمتها القوافل ومزقتها الحدود
تقع "أزواد" في شمال مالي، وتشمل مدناً تاريخية مثل تمبكتو وغاو وكيدال، وتمتد على مساحة واسعة تعادل نحو ثلثي البلاد. هذه الأرض ليست هامشاً صحراوياً كما ينظر إليها البعض في مالي، بل كانت لقرون معبراً حيوياً للقوافل تجار الملح، والعلماء، والكتاب ومجالاً لنفوذ قبائل وسلطنات صحراوية، خصوصاً الطوارق.
ولا تنفصل "أزواد"، في عمقها البعيد، عن التاريخ الأمازيغي-الإسلامي الأوسع. فالطوارق هم أحد فروع العالم الأمازيغي الصحراوي، يشتركون مع أمازيغ شمال أفريقيا في الجذر الثقافي واللغوي، وإن لم يكونوا هم القوة الأساسية التي عبرت إلى الأندلس أثناء الفتح الأموي. لذلك فإن صلتهم بالفتح الإسلامي ليست صلة جيش وحدود، بل صلة حضارة وهوية، إذ تحول المجال الصحراوي لاحقاً إلى جسر لنقل الإسلام من شمال أفريقيا إلى الداخل والساحل الأفريقي عبر القوافل والزوايا الصوفية وطرق التجارة.
لكن الاستعمار الفرنسي، ثم الدولة الوطنية المالية بعد الاستقلال في العام 1960، تعاملا مع هذه الجغرافيا بمنطق الخرائط لا بمنطق التاريخ. فجرى إلحاق أزواد بمالي ضمن حدود جامدة، بينما ظل سكانها يشعرون بأنهم خارج المعادلة السياسية والاقتصادية.
من التهميش إلى التمرد
منذ الاستقلال، تراكم الإحساس بالظلم لدى سكان شمال مالي. لم تصل التنمية الى المنطقة كما يجب، ولم يشعر الأزواديون بأنهم شركاء حقيقيون في الدولة. لذلك انفجرت التمردات تباعاً، من ستينيات القرن الماضي وصولاً إلى العام 2012، حين أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال الإقليم.
كان ذلك الإعلان ذروة الحلم الأزوادي بالاستقلال، لكنه لم يتحول إلى دولة. فقد رفضه المجتمع الدولي، كما دخلت الجماعات المسلحة المتشددة على خط الصراع، فاختلط مطلب تقرير المصير بالحرب على الإرهاب، وتحولت القضية من نزاع سياسي قابل للحل إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية.
في العام 2015، وقع "اتفاق الجزائر" للسلام برعاية الحكومة الجزائرية، بالإضافة الى الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، مجموعة دول غرب إفريقيا، وأطراف أوروبية بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية، لكنه بقي هشاً، لأن جوهر المشكلة لم يعالج امكانية دمج شمال مالي الواسع والمختلف ثقافياً في دولة مالي المركزية التي لا تثق به ولا يثق هو بها.
تحالفات متبدلة ومستقبل مفتوح
لم تعد مالي اليوم ساحة صراع تقليدي بين حكومة ومتمردين، بل أصبحت شبكة تحالفات متشابكة. فباماكو، التي يقودها مجلس عسكري، اختارت الحسم العسكري بدل التسوية، مستندة إلى تحالف متزايد مع روسيا عبر مجموعة فاغنر أو ما يسمى الفيلق الافريقي، بعد تراجع الدور الفرنسي والغربي.
في المقابل، أعادت الحركات الأزوادية تنظيم صفوفها، مطالبة بحقوق سياسية واسعة تتراوح بين الحكم الذاتي والاستقلال. أما الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة وداعش، فهي الفاعل الثالث الذي لا ينتمي إلى أي من المعسكرين، لكنه يستفيد من الفوضى والفراغ الأمني.
إقليمياً، تبدو الجزائر قلقة من تراجع دورها كوسيط ومن انتقال الفوضى إلى حدودها الجنوبية، بعدما كانت الراعي الأساسي لاتفاق السلام. وهكذا، لم تعد "أزواد" مجرد قضية انفصالية، بل عقدة جيوسياسية، دولة مركزية مدعومة روسيا تريد فرض السيطرة، وحركات محلية تريد الاعتراف بهويتها السياسية، وجماعات متشددة تعيش على استمرار الفوضى.
تبدو أزواد اليوم أرضاً معلقة بين ذاكرة التهميش وحلمِ تقرير المصير، وبين جغرافيا قاسية وحدود رسمها الآخرون. ليست تمرداً في الصحراء فحسب، بل سؤال مفتوح عن أسباب فشل دولة في احتواء تنوعها، وعن شعوب وجدت نفسها محصورة داخل خرائط لا تعكس تاريخها، تماماً كما هو حال كثير من شعوب العالم.




