أفادت صحيفة "الغارديان"، الأحد، بأن سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصفته بـ"المتهور وغير العقلاني" في الحرب على إيران قد يسهم في دفع العالم نحو سباق تسلح نووي، إذ يمنح طهران حافزاً أكبر لرفض اتفاق سلام شامل تقترحه واشنطن، والتوجه بدلاً من ذلك إلى امتلاك سلاح نووي باعتباره وسيلة ردع أكثر فاعلية في المستقبل.
وأوضحت الصحيفة أن ترامب برر إعلانه الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي باعتبار أن إيران، ولا سيما برنامجها النووي، تمثل "تهديداً وشيكاً"، على الرغم من أن طهران لا تمتلك أسلحة نووية، في حين تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل.
غياب الأدلة وتداعيات التصعيد
وأشارت الصحيفة إلى أن رؤساء أجهزة الاستخبارات الأميركية ومفتشي الأمم المتحدة يتفقون على عدم وجود أدلة قاطعة تثبت أن النظام الإيراني قام ببناء أو حاول بناء سلاح نووي منذ العام 2003 على الأقل، وهو العام الذي كُشف فيه عن مخطط سري.
إلا أن الصحيفة اعتبرت أن هذا الواقع قد يتغير بعد ما وصفته بالهجوم الأميركي الثاني غير المبرر خلال عام، إضافة إلى تعهدات ترامب بإعادة إيران إلى "العصور الحجرية".
كما لفتت إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران مرتين من دون إنذار مسبق، وفي ظل وجود مسار دبلوماسي، جعلت من الصعب دحض الرواية التي يروّج لها متشددون في الحرس الثوري، والتي ترى أن امتلاك السلاح النووي هو الوسيلة الوحيدة المضمونة لردع أي هجوم مستقبلي.
طهران وخيارات بديلة
ورأت "الغارديان" أن الحديث عن تدمير البرنامج النووي الإيراني يفتقر إلى الواقعية، إذ إن الخبرة النووية لا يمكن القضاء عليها بسهولة عبر القصف، مهما بلغ عدد العلماء الذين يتم استهدافهم.
وأضافت أن إيران قد لا تكون مضطرة لإعادة بناء قدراتها محلياً، إذ يمكنها، الحصول على سلاح نووي جاهز من الخارج.
وطرحت الصحيفة احتمال أن تكون كوريا الشمالية المصدر الأرجح لمثل هذا الدعم، باعتبارها حليفاً قديماً لطهران، كما لم تستبعد إمكانية حصول إيران على دعم من روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، التي تتعاون معها بالفعل في مشاريع الطاقة النووية.
ولفتت إلى أن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون تجنب حتى الآن التدخل المباشر في الحرب، لكنه سبق أن أرسل قوات سراً لدعم روسيا في أوكرانيا، وقد يلجأ إلى أسلوب مشابه لدعم إيران، خصوصاً في ظل سوابق تتعلق بالانتشار النووي.
كما أوضحت أن كوريا الشمالية تمثل نموذجاً محتملًا لطهران، إذ طورت برنامجها النووي عبر تكنولوجيا السوق السوداء القادمة من باكستان، ونقلت لاحقاً برامج نووية إلى سوريا في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتبيع حالياً صواريخ باليستية لدول من بينها إيران وروسيا.
وعلى الرغم من أن هذه السيناريوهات تبقى في إطار الاحتمالات، تساءلت الصحيفة عما إذا كان كيم قد يزوّد إيران برؤوس نووية كاملة، أو باليورانيوم عالي التخصيب وتصاميم الرؤوس الحربية والخبرات اللازمة مقابل النفط، وذلك نقلاً عن خبير منع الانتشار النووي مارك فيتزباتريك، متسائلة عمّن قد يعلم بمثل هذا التطور أو يتمكن من منعه.
وكان كيم قد قال في آذار/مارس إن "العدوان الأميركي على إيران يثبت" صحة توجه بلاده نحو تطوير رادع نووي، وهي رسالة اعتبرت الصحيفة أن طهران فهمتها جيداً.
وأضافت الصحيفة أن التعامل المختلف لترامب مع كوريا الشمالية مقارنة بإيران، على الرغم من تشابه البلدين في عدائهما للغرب، يعود إلى أن الأولى تمتلك سلاحاً نووياً.
تداعيات دولية ومخاوف متصاعدة
ووفق الصحيفة، فإن إيران باتت تنضم إلى قائمة من الدول غير النووية التي واجهت قوى نووية كبرى. واستشهدت الصحيفة بحالة أوكرانيا التي تخلت عام 1994 عن أسلحتها النووية مقابل ضمانات أمنية غربية، لكنها تعرضت لاحقاً لهجوم روسي عام 2014.
كما أشارت إلى العراق الذي لم يمتلك رادعاً نووياً وسقط نظامه بعد الغزو الأميركي عام 2003، متسائلة عما إذا كان ترامب كان سيهاجم فنزويلا لو كانت تمتلك سلاحاً نووياً.
وأكدت الصحيفة أن سلوك ترامب "غير العقلاني والمتهور" يخلق حالة من انعدام الأمن، ويسهم في تغذية سباق التسلح النووي عالمياً، خصوصاً في ظل رفضه تجديد معاهدات الحد من التسلح التي تعود إلى الحرب الباردة.
وحذرت "الغارديان" من أن السلوك العدائي لكل من ترامب وبوتين يمنح شرعية للحجج الداعية إلى امتلاك السلاح النووي، ما قد يدفع السعودية ومصر وتركيا إلى السير في الاتجاه نفسه، وهو ما قد يشعل سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط.
كما قد يمتد هذا التوجه إلى آسيا، حيث قد تفكر دول مثل تايوان وربما اليابان وكوريا الجنوبية في الخيار ذاته.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات تفسر الأجواء المتشائمة التي تسبق مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الذي يُعقد كل خمس سنوات ويبدأ في نيويورك يوم الاثنين، وسط تحديات تشمل تحديث الترسانات النووية، وتراجع دبلوماسية الحد من التسلح، واستئناف التجارب النووية، وتزايد مخاطر الانتشار.
وختم التقرير بالتأكيد أن هذه ليست مجرد مخاوف نظرية، بل واقع يتعزز مع التهديدات الروسية المتكررة باستخدام السلاح النووي منذ غزو أوكرانيا، إلى جانب تقارير، نُفيت لاحقاً، تحدثت عن احتمال لجوء الولايات المتحدة أيضاً إلى الخيار النووي في ظل تعثر ترامب في التعامل مع إيران.




