الانتخابات البلدية: حجر صغير في المياه الفلسطينية الراكدة

ماجد عزامالاثنين 2026/04/27
Image-1777228434
الانتخابات في قطاع غزة لأول مرة منذ 20 عاماً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بداية، ومن حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على أي حراك ديموقراطي. ومن هنا يجب النظر إلى الانتخابات البلدية في فلسطين التي أجريت السبت، في الضفة الغربية بدون مدينة القدس، وفي قطاع غزة بمدينة دير البلح فقط. جرى التعاطي مع الانتخابات بمنحاها البلدي الخدماتي مع ابتعاد سياسي واضح عنها، بالرغم من أن قرار إجرائها كان سياسياً بامتياز، وهدف أساساً إلى تبييض أو شدّ وجه القيادة الفلسطينية الهرمة المترهلة الفاسدة والمستبدة، بدون حوار وطني عريض يضع خريطة طريق تشمل بالضرورة إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، وتشكيل حكومة انتقالية مصداقة ومدعومة شعبياً كي تشرف على إجرائها في ظل فقدان القيادة الحالية شعبيتها ومصداقيتها وبالحد الأدنى وصول خياراتها السياسية إلى طريق مسدود.

 

ضغوط عربية وأوروبية

بداية، كان قرار إجراء انتخابات البلدية الخدماتية نفسها سياسياً بامتياز وهدفت منه القيادة "المتنفذة" إلى تبييض صفحتها وشدّ وجهها، ولم يأتي نتيجة حوار واسع وتوافق وطني وخريطة طريق واضحة لترتيب البيت الداخلي ترتكز إلى إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة، وتشكيل حكومة توافق جديرة ونزيهة تشرف على إجراء الانتخابات. وتدير المرحلة الانتقالية برمتها –عامين على الأقل- ومن هنا بدت الانتخابات البلدية هروباً من الاحتكام إلى الشعب والإصلاحات الجدية لا تطبيقاً لها.

ووفق مصادر مطلعة فقد جاء قرار الانتخابات البلدية نتيجة ضغوط ومطالب عربية وأوروبية ودولية بضرورة إجراء إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية، تماماً كما قرار تعيين حسين الشيخ نائباً للرئيس وتفويضه بصلاحيات واسعة بينما بدا هذا وذاك التفافاً على الاصلاحات لا تطبيقاً جدياً لها.

إلى ذلك وفي السياق السياسي الخاص بالانتخابات البلدية يمكن الحديث عن نقطتين مهمتين:

الأولى إجراءها في الضفة الغربية بدون مدينة القدس إنما محافظتها فقط الخاضعة إدارياً لولاية السلطة، وهو قرار واقعي في ظل احتلال إسرائيل المدينة وسيطرتها على الوضع هناك، ولكنه لا يعني أبداً التنازل عنها، أو إعطاء الاحتلال الفيتو على الديموقراطية والمصالح الفلسطينية. ومن جهة أخرى يكشف زيف إلغاء القيادة الحزمة الانتخابية الكاملة - مطلع العام 2021 - الناتجة عن حوار وتوافق وطني واسع وممتد لسنوات بحجة رفض إسرائيل إجراء الانتخابات بالقدس، وهي حجة أفظع من ذنب وتهرباً من الحسم الديموقراطي خشيه الهزيمة وجبناً عن خوض المعركة الشعبية مع الاحتلال لإجباره على تمكين المقدسيين من التصويت أو تحويل الانتخابات الى يوم وطني بامتياز يجسد فلسطينية وعروبة المدينة وأهلها.

هذا الهروب الموصوف من الحزمة الانتخابية الكاملة-الرئاسية والتشريعية والوطنية- خشية خسارتها، أضاع فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة وإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي، وتوحيد المؤسسات وإعادة بناءها كما المشروع الوطني ككل وربما حتى تفادي نكبة حرب غزة الأخيرة.

أما النقطة السياسية الثانية الخاصة بالانتخابات البلدية، فتتعلق بإجرائها في قطاع غزة لأول مرة منذ 20 عاماً حيث جرى التعاطي هنا بواقعية وجدية مع إجرائها بمدينة دير البلح بالمحافظة الوسطى وهي الأقل تدميراً في الحرب الأخيرة مع إعلانها منطقة آمنة من قبل الاحتلال.

 

إقصاء القيادة الرسمية

هنا أيضاً سعت القيادة الى تحقيق أهداف سياسية منها تكريس حضورها بغزة بمواجهة محاولات تهميشها قبل وأثناء وبعد الحرب، ثم تكريس واقع جديد مع سعى الاحتلال إلى استغلال فكرة لجنة إدارة غزة لمواصلة إقصاء القيادة الرسمية على طريق تأبيد الانقسام مع الصفة الغربية.

ومن هنا تمثل خطوة دير البلح على صغرها وتواضعها تجسيداً للوحدة السياسية الجغرافية بين غزة والضفة محموداً بالتأكيد ويذكرنا باتفاق أوسلو، غزة -أريحاً أولاً على علاته، وعرض إسرائيل اقتصاره على غزة فقط وإصرار الرئيس ياسر عرفات على ضم أريحا للاتفاق بخطوته الأولى - قال له أحد مستشاريه الكبار لن يوافق إسحق رابين على ذلك - لتكريس الوحدة السياسية والجغرافية للأرضي الفلسطينية التي نقضها وكسرها الاقتتال والانقسام لقصيري النظر من الجهتين بتداعياته الكارثية على غزة والضفة والقضية بشكل عام.

في السياق الديراوي كان المشهد وبالرغم من الآلام والنكبة التي تعيشها غزة معبراً ودافئاً تجاه أول حراك ديموقراطي منذ 20 عاماً مع إعطاء 70 ألف من أبناء المدينة حق الاقتراع لاختيار من يخدم مدينتهم وعشرات الآلاف النازحين من 4 لوائح بأسماء جذابة ثلاثة، منها حملت اسم المدينة الجامعة لأبنائها إضافة إلى المستقبل والنهضة والسلام والبناء، مع أربع سيدات من أصل 15 بكل لائحة منها، وهي نسبة مقبولة فقط ضمن الكوتا التي ضمنها القانون الانتخابي، مع تمني أن تكون الثلث على الأقل وصولاً إلى نصف عدد القوائم فيما بعد في مجتمع النسبة فيه متساوية تقريباً بين الرجال والسيدات.

 

استثناء يثبت القاعدة 

بقعة ضوء أخرى تمثلت باعتماد الانتخابات البلدية الخدماتية على قانون مختلط مستنداً إلى القاعدة النسبية العادلة التي سيتم العمل بها كاملاً بانتخابات المجلسين التشريعي والوطني.

بالرغم من الخلفية السياسية لقرار إجراء الانتخابات البلدية إلا أنها شهدت، غياباً شبه كامل للجانب السياسي الذي حضر هنا وهناك بما يشبه الاستثناء الذي يثبت القاعدة مع طغيان الطابع العائلي والعشائري والجهوي.

بالأرقام التي لا تكذب وتكرس غياب الطابع والجوهر السياسي أو حضوره بخجل مع حضور نسائي جدي ومحمود، فقد جرت الانتخابات في 90 مجلساً بلدياً، تنافست فيها 321 قائمة انتخابية تضم 3773 مرشحاً، بينهم 1200 امرأة، في حين شكلت القوائم الحزبية نحو 12 بالمئة فقط، مقابل 88 بالمئة من القوائم المستقلة. أما في المجالس القروية، فجرت الانتخابات في 93 مجلساً، تنافس فيها 1358 مرشحاً، بينهم 309 نساء، فيما تترأس نساء 8 قوائم انتخابية.

في المقابل، حسم تشكيل 197 هيئة محلية بالتزكية، منها 42 مجلساً بلدياً و155 مجلساً قروياً، وهي أرقام تؤكد ما ذهبنا إليه لجهة التنافس العائلي العشائري الجهوي بانتخابات خدماتية بامتياز.

بالعموم، وأمام نسبة مشاركة معقولة جداً بالضفة الغربية (55 بالمائة) ومقبولة بدير البلح (25 بالمائة) قياساً إلى الواقع هناك ألقت الانتخابات البلدية حجراً صغيراً  جداً بالمياه السياسية الراكدة لا يمكن رفضه على علاّته، إنما البناء عليه بعد أن أظهر توق الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع  ومدي الحاجة إلى حوار وطني واسع وتوافق جدي وحكومة انتقالية مصداقة وجديرة تشرف على إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وإجراء الحزمة الانتخابية الكاملة ليختار الشعب القيادة الجديرة بتمثيله وخوض الصراع مع الاحتلال بظل عزلته و تآكل مكانته وصورته العالمية وبالمقابل تقبل الرواية العادلة للشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والسيادة وتقرير المصير. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث