يبدو قطاع غزة، في المرحلة الممتدة بين أواخر العام 2025 ومنتصف العام 2026، كفضاءٍ جيوسياسي شديد التعقيد، تتقاطع فيه طموحات القوى الكبرى مع واقع ميداني مثقل بتداعيات ما بعد الإبادة، بوصفها حالة مستمرة بأشكال مختلفة. وقد تبلورت ملامح هذا المشهد عقب طرح الخطة الشاملة للرئيس دونالد ترامب في التاسع والعشرين من سبتمبر 2025، والتي حازت غطاءً دولياً عبر قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته. وتعكس هذه الترتيبات توجهاً نحو نقل القطاع من حالة الصراع العسكري المفتوح إلى نمط من الوصاية الدولية الهجينة، يقوم على ربط متطلبات الأمن الإقليمي بمسارات ازدهار اقتصادي مشروط، في وقت يواجه فيه السكان تحديات وجودية تتصل بانهيار المنظومات الصحية والخدمية وتفاقم أزمات النزوح. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات ملحّة حول مآلات المسارات السياسية المتشكّلة، والعقبات التي تعترضها، إلى جانب الواقع الإنساني الذي يواصل التدهور داخل القطاع، لنرى إلى أين وصل قطاع غزة في الوقت الحالي؟
المسارات السياسية
تتمحور الهندسة السياسية المقترحة لقطاع غزة حول كيان يُعرف باسم "مجلس السلام" (Board of Peace)، بوصفه مظلة دولية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة وشخصية قانونية مستقلة، يتولى رئاسته الرئيس ترامب شخصياً، بمساعدة شخصيات دولية بارزة يُفترض أن تضمن تدفق التمويل وتوفير الإشراف الاستراتيجي. ومن هذا المجلس تنبثق "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" (NCAG)، وهي هيئة تكنوقراطية فلسطينية مستقلة تضم ستة عشر مفوضاً جرى اختيارهم لتسيير الشؤون المدنية والخدمات اليومية، ويتصدرها الدكتور علي عبد الحميد شعث، الذي يتولى أيضاً ملفي الطاقة والنقل. كما تضم اللجنة أسماء مهنية في قطاعات أساسية، من بينها المهندس عائد أبو رمضان في التجارة والاقتصاد، والدكتور عائد ياغي في الصحة، والمهندس أسامة السعداوي في الإسكان، في دلالة على توجه يسعى إلى فصل الإدارة الخدمية عن الاستقطابات السياسية التقليدية، وصياغة بنية إدارية تبدو أقرب إلى الحياد الفني منها إلى التمثيل الفصائلي.
ويتكامل هذا المسار المدني مع ذراع أمنية دولية تتمثل في "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، التي خوّلها قرار مجلس الأمن 2803 استخدام الوسائل اللازمة لتحقيق نزع السلاح الكامل في القطاع. وتتشكل هذه القوة من مساهمات دولية متعددة، تتقدمها إندونيسيا التي تعهدت بتقديم ثمانية آلاف جندي، إلى جانب مشاركات من المغرب وكازاخستان وألبانيا وكوسوفو واليونان، بما يمنح الوجود الأمني طابعاً دولياً واسعاً يتجاوز الحساسية الإقليمية المباشرة. وتتمثل مهمتها في تأمين المناطق الحدودية، والإشراف على تفكيك البنية التحتية العسكرية، ودعم تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة يُراد أن يصل قوامها إلى اثني عشر ألف عنصر، وقد بدأ بالفعل نحو ألفي شاب فلسطيني في تقديم طلبات الانضمام إليها تحت إشراف دولي وإقليمي.
غير أن هذه البنية تظل محاطة بإشكالات عميقة تتصل بالشرعية الوطنية وحق تقرير المصير، إذ يبدو "مجلس السلام" في نظر كثيرين محاولة لتأسيس نمط حكم خارجي يجعل السيادة الفلسطينية رهينة لشروط أمنية وإصلاحية تحددها القوى المانحة. وفي المقابل، تتأرجح المواقف المحلية بين قبول اضطراري تفرضه حاجة الإعمار، ورفض مبدئي لأي صيغ وصائية، مع تمسك الفصائل بأن تظل قضايا السلاح والسيادة شأناً وطنياً داخلياً يرتبط أولاً بإنهاء الاحتلال. وتبقى المعضلة الأشد تعقيداً في الربط بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل وبين نجاح قوة الاستقرار الدولية في نزع السلاح داخل قطاع شديد الكثافة والتشابك العمراني، ما ينذر بتحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة ممتدة من الانتظار السياسي والتوتر الأمني، في سياق ما يزال يراوح مكانه منذ اتفاق إنهاء الحرب في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
الوضع الإنساني المتفاقم
يبدو أن ربيع العام 2026 يمثل لحظة مكثفة من المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث تعكس الأرقام المتداولة حجماً صادماً للخسائر البشرية، مع تجاوز عدد القتلى عشرات الآلاف وبلوغ أعداد الجرحى مستويات غير مسبوقة. هذا الواقع، في تقديري، يكشف عن حالة انهيار عميقة في المنظومة الصحية بعد فقدان عدد كبير من كوادرها، بما يجعل القدرة على الاستجابة الطبية أقرب إلى حدودها الدنيا. وفي هذا السياق، تبرز الأزمة الصحية كتهديد يومي مباشر للحياة، مع انتشار واسع للأوبئة الجلدية والمعوية داخل مئات مواقع النزوح، في بيئة تفتقر إلى أبسط شروط الصرف الصحي وتغيب عنها مقومات السلامة الأساسية.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة تفشي الأمراض الجلدية، مثل الجرب والبراغيث، بوصفه انعكاساً مباشراً لتدهور الشروط البيئية داخل هذه المواقع، حيث تتحول الكثافة السكانية المرتفعة وضعف البنية التحتية إلى عوامل مضاعفة للمخاطر الصحية. كما أن تراجع جودة المياه الصالحة للشرب إلى مستويات متدنية يعمّق هذا المشهد، ويدفع نحو مزيد من التعقيد في الحياة اليومية، بحيث تصبح الصحة مسألة هشة ومهددة باستمرار في ظل هذه الظروف.
كما تترافق هذه الأوبئة مع أزمة خانقة في الأمن الغذائي والطاقة، حيث يواجه سكان شمال غزة، في تقديري، ملامح مجاعة تتشكل تدريجياً تحت وطأة القيود المفروضة على دخول الوقود الضروري لتشغيل المخابز ومحطات التحلية. هذا الوضع يدفع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات صادمة، ويضع العائلات النازحة أمام خيارات قاسية، من بينها اللجوء إلى حرق النفايات البلاستيكية والأخشاب الملوثة لتأمين الحد الأدنى من الطهي، في مشهد يعكس تحوّل الاحتياجات الأساسية إلى مصدر خطر صحي مباشر، خاصة مع تصاعد الأمراض التنفسية بين الأطفال والنساء. وفي الوقت ذاته، تبدو الخيام المتهالكة التي تأوي آلاف الأسر كمساحات هشة أمام العوامل الجوية، بينما تتعقد جهود الإغاثة بفعل القيود المفروضة على إدخال مستلزمات أساسية مثل الشوادر والمبيدات، ما يضاعف من هشاشة هذا الواقع.
ومن زاوية أخرى، تتعمق هذه المعاناة مع تراجع قدرة الفاعلين الإنسانيين على التدخل، في ظل القيود المفروضة على عمل وكالة الأونروا والمنظمات الدولية، وهو ما ينعكس في انخفاض ملموس في حجم المساعدات الداخلة خلال الأشهر الأولى من العام 2026. ويمكن قراءة هذا التراجع بوصفه عاملاً مضاعفاً للأزمة، خاصة مع تعطل آليات إدخال الإمدادات وإغلاق المعابر بصورة متكررة، الأمر الذي يضغط على العمليات الإغاثية ويقيد قدرتها على الاستمرار. كما أن النقص في مستلزمات تشغيل المولدات يهدد استمرارية خدمات أساسية مثل ضخ المياه وإدارة النفايات، ما يفاقم من تدهور البيئة الحضرية. وفي خضم ذلك، يظل آلاف المرضى والجرحى عالقين في انتظار فرص إجلاء طبي، بينما تبقى الحركة عبر معبر رفح محدودة ومحكومة بإجراءات معقدة، وهو ما يترك العديد من العائلات في مواجهة مفتوحة مع الألم، في ظل تضاؤل فرص الوصول إلى العلاج.
آفاق إعادة الإعمار
تبدو فاتورة إعادة إعمار غزة أقرب إلى تحدٍ يفوق الأطر التمويلية التقليدية، حيث تعكس التقديرات المطروحة فجوة هائلة بين حجم الدمار والقدرة على التعافي السريع، مع أرقام تتراوح بين عشرات المليارات تبعاً لزاوية التقدير ونطاقه. ويبرز قطاع الإسكان بوصفه الثقل الأكبر في هذه المعادلة، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية العمرانية، بينما يأتي قطاعا التجارة والصناعة في مرتبة تالية تعكس حجم الشلل الذي أصاب الدورة الاقتصادية. وفي موازاة ذلك، تفرض عملية إزالة عشرات الملايين من أطنان الركام نفسها كمرحلة أولى شديدة التعقيد، بما تحمله من تحديات تقنية وإنسانية تتداخل فيها مسألة إعادة البناء مع استعادة الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ومن زاوية أخرى، يفتح إنشاء آليات تمويلية مثل ما طرحه البنك الدولي عبر صندوق إعادة الإعمار أفقاً مختلفاً لإدارة التدفقات المالية، حيث يجري تصور قنوات أكثر مباشرة لتجميع مساهمات المانحين وتوجيهها نحو الهياكل التنفيذية. كما تعكس التعهدات المالية التي طُرحت في اجتماعات دولية، من بينها اللقاء الذي عُقد في واشنطن العاصمة، محاولة لإضفاء طابع استثماري طويل الأمد على عملية التعافي، يتجاوز الإغاثة الطارئة نحو إعادة تشكيل البنية الاقتصادية، بما في ذلك مشاريع طموحة تستهدف الساحل والبنية التحتية والقطاعات الخدمية.
ومع ذلك، تبدو هذه الرؤية محكومة بشبكة كثيفة من الاشتراطات السياسية والأمنية، حيث يرتبط تدفق التمويل بتصورات محددة حول شكل الإدارة ومستقبل الفاعلين على الأرض. وفي هذا السياق، تبرز مواقف دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب شروط تطرحها إسرائيل، كعوامل تعيد تعريف الإعمار بوصفه مساراً مشروطاً يتداخل فيه الاقتصادي مع السياسي، وخاصة الإصرار الإسرائيلي على نزع سلاح الفصائل. هذا التشابك، يمنح عملية الإعمار بعداً يتجاوز الطابع الإنساني، ليصبح جزءاً من إعادة ترتيب المجالين السكاني والأمني وفق توازنات إقليمية ودولية معقدة.
مستقبل قطاع غزة
في هذا الأفق، دخلت غزة طوراً جديداً من الإدارة القسرية؛ إذ يُستبدل فيه المنطق العسكري المباشر بمنظومة ضبط أمني وإداري كثيف، تُمسك بالمجال أكثر مما تُعالج جذور الأزمة. ومن هذا المنظور، تظل أي رؤية للإعمار معرّضة للاهتزاز ما دامت حياة الناس اليومية لم تلمس تحسناً واضحاً في الحركة، والماء، والسكن، والعمل، والتعليم، لأن الاقتصاد في غياب الحرية يتحول إلى واجهة صلبة فوق أرض رخوة. كما أن ربط إعادة البناء بتفاهمات أمنية خارجية يضع المشروع كله أمام سؤال السيادة، فمن يدير الفضاء، ومن يحدد الإيقاع، ومن يملك حق تحويل الدمار إلى بداية جديدة؟
وتكشف المقارنة بين الخط الأصفر في غزة والخط الأصفر في جنوب لبنان عن نمط واحد يتكرر بأدوات مختلفة. ففي غزة، صار الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 خطاً يحدد مناطق السيطرة والعبور، مع تمدد الكتل الصفراء داخل القطاع وتحوّل فعلياً إلى حاجز ميداني يقيّد حركة السكان. وفي جنوب لبنان، يُستخدم التعبير نفسه لتعيين منطقة عمليات تمتد جنوب نهر الليطاني، موازية للخط الأزرق، مع خرائط تمنع المدنيين من دخول شريط واسع وتربط العودة إلى القرى بتقديرات أمنية إسرائيلية، أهمها نزع سلاح حزب الله، كما نوع سلاح حماس في غزة. ويبدو التشابه هنا واضحاً، في الحالتين يتحول "الخط الأصفر" إلى أداة لإدارة الأرض والسكان عبر ضبط الحدود وفرض القيود.
في خاتمة الأمر، لا تكتسب إعادة الإعمار معناها الحقيقي إلا إذا انطلقت من حقّ السكان في الحياة، والقرار، والتنقّل، والعودة إلى فضاءٍ عامٍّ قابلٍ للعيش، لا إذا تحولت إلى مجرد خرسانةٍ ومشاريع تُدار من الخارج. أمّا حين ترتبط هذه العملية بالاشتراطات السياسية، ومنطق الأمن والرقابة، وإمكانية تجدد الإبادة في غزة كوسيلةٍ للضغط على حماس والفصائل بشأن سلاحها، فإنها تفقد بعدها الإنساني وتغدو ترتيباً مؤقتاً يجمّد الأزمة بدل أن يفتح أفقاً لتجاوزها. فغزة تحتاج، في جوهر هذه المعادلة، إلى استعادة المدينة والإنسان معاً: الجدران، والممرات، والكرامة اليومية، حتى يقترب المستقبل من سلامٍ ممكن لا من استقرارٍ مفروض.




