لم تكُن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في المجر، مجرد عملية انتقال للسلطة من حزب "فيدس" الذي يترأسه فيكتور أوربان وحكم البلاد 16 عاماً متواصلة، إلى حزب "تيسا" الجديد الذي يترأسه بيتر ماغيار؛ بل تحوّلاً كبيراً له أبعاد أوروبية ودولية، إضافة لأهميته الداخلية، وقد يغيِّر بعض المقاربات التي كانت معتمدة في السنوات الماضية، لا سيما منها "الفيتو السلبي" أو "فرط الإجماع" الذي يشترطه نظام الاتحاد الأوروبي لاتخاذ بعض القرارات المهمة.
وكان أوربان – المحسوب على اليمين المسيحي المُتشدِّد – يمارس عملية التعطيل بمهارة فائقة، وهو جمع التناقضات في سياق صداقاته الخارجية، بدءاً من الودّ الذي يربطه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، مروراً بعلاقته المُميزة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصولاً إلى محاباته الكبيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أخرج أوربان بلاده من عضوية محكمة الجنايات الدولية ليتمكن من استقباله في آب/ أغسطس 2025، مُتحلِّلاً من الالتزام بتوقيفه بناءً على مذكرة القاء القبض الصادرة بحقة من هذه المحكمة.
كان يوم الأحد 12 نيسان/ أبريل، مفصلياً في تاريخ العمل الأوروبي المشترك، وقد منح الناخبون المجريون ثقتهم للنهج الذي ينسجم مع سياق العمل المشترك، وأنهوا سنوات طويلة من نهج المشاكسة التي اعتمدها أوربان، حيث عطَّل مجموعة واسعة من القرارات التي تحتاج لإجماع، ومنها بعض العقوبات الإضافية التي كان ينوي الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، كما في توقيف مبالغ الدعم الكبيرة لأوكرانيا، وهي تجمَّدت بفعل "الفيتو" المجري المعارض لها. وفي التجاذبات التي حصلت في العام المُنصرم بين الاتحاد وترامب؛ ساند أوربان ترامب بكل وضوح.
صادف يوم الانتخابات الأخيرة في ذات اليوم الذي جرى فيه الاستفتاء على دخول المجر إلى عضوية الاتحاد الأوروبي في العام 2003، لكن التحوُّل بالمزاج الشعبي كان أكثر وضوحاً هذه المرَّة، بحيث حصل المعارضون لسياسة أوربان على ما يزيد عن ثلثي المقاعد (139 نائب من أصل 199 نائب بالبرلمان) بينما حصل مؤيدو الدخول إلى الاتحاد عام 2003، على 53 في المئة فقط. وشارك المجريون بكثافة في الاقتراع، وبما يصل إلى 80 في المئة من عدد الناخبين البالغ 8.12 مليون. وانهال قادة أوروبا على ماغيار بالتهنئة، وبدا الارتياح على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بينما وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ما جرى بأنه "حدث رائع، أعاد النبض بقوة لقلب أوروبا".
لم ينجح نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في إنقاذ حليفهم أوربان، على الرغم من أنه زار بودابست لهذه الغاية قبل أربعة أيام من عملية الاقتراع، وبدا كأن الرئيس ترامب يراهن على استمرار نهج حليفهم لوضع إرباكات أمام سياسة الاتحاد الأوروبي، خصوصاً اتجاه الملفات الدولية الكبرى، وفي مجال الحرب في أوكرانيا على وجه التحديد، ذلك أن أوربان كان يعطِّل القرض الذي قرر الاتحاد الأوروبي منحه لكييف بقيمة 90 مليار أورو، وهذا القرض سيعوضها عن الدعم الأميركي فيما لو دُفع، وبالتالي يتحرَّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي من بعض الضغط الأميركي، ليبحث عن تسوية للحرب مع روسيا بالتفاهم مع جيرانه الأوروبيين. ونتائج التغيير في المجر ظهرت فوراً في هذا السياق، وأعلنت القمة الأوروبية التي انعقدت الخميس الماضي في قبرص، الموافقة بالإجماع على منح القرض لكييف.
لكن رئيس حزب "تيسا" الفائز ماغيار؛ قال إنه لن يقطع التعاون مع روسيا، وسيُبقي على العلاقة معها لإيصال إمدادات الطاقة للبلاد خلال الفترة المقبلة، لأن قطع هذه الامدادات سيؤدي إلى تفاقُم كبير للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المجر، وأوكرانيا وافقت على إعادة اصلاح خطوط توصيل الغاز والنفط الروسيين إلى المجر وسلوفاكيا. ومن جانب آخر أكد ماغيار أنه سيعمل على تفعيل التعاون واستعادة الثقة التي خسرتها بودابست مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهذا الأمر سيفتح الباب أمام عودة المساعدات الأوروبية، بما فيها القروض التي كانت مُقررة، وتوقفت بسبب موقف أوربان المُتَّهم من المفوضية الأوروبية بأنه يحاول ترسيخ نظام أوتوقراطي غير مقبول. وفي هذا السياق تحديداً؛ سيطرح حزب "تيسا" اقتراح لتعديل الدستور، بحيث يمنع على أي رئيس حكومة تجديد ولايته أكثر من مرة واحدة.
يتأكد من ردود الفعل الدولية - المُرحِبة منها والمتحفظة - على نتائج الانتخابات؛ بأن التغيير في المجر ليس حدثاً عادياً، وليس مجرَّد انتقال للسلطة من حزبٍ إلى حزبٍ آخر، بل هو إشارة إلى تحولٍ كبير في المزاج الشعبي الأوروبي لصالح تعزيز مكانة القارة في مواجهة الضغوطات الخارجية، والأميركية منها على وجه التحديد.
قد تفتح نتائج الانتخابات المجرية ثُغرة في جدار الحوار الروسي – الأوروبي المسدود، وموقف ماغيار المُتمسِّك بالتعاون مع موسكو في مجال الطاقة، قد يكون فرصة مناسبة لتطوير التفاهمات، كما أن التطورات العسكرية الخطيرة التي تجري في الشرق الأوسط، ربما تساعد في البحث عن مشتركات بين الجانبين الكبيرين اللدودين (روسيا والاتحاد الأوروبي) وهما معارضين للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.




